RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

عادَ التفكيرُ في آسيا مُجدَّدا، بعد قُرابة عقديْن من الأزمة الاقتصادية التي اجتاحتها في تسعينيات القرن الفائت، والتي كانتْ تُعرف بـ”النمور الآسيوية” في حينه؛ باعتبارها قوَّة صاعدة على مسرح الاقتصاد العالمي والجيوسياسي بعدما برزت الصين “الاشتراكية” كقوة كبيرة محورية لها اعتبارها الخاص، والتي لم تكن بتلك المهابة الاقتصادية والسياسية أثناء تلك الأزمة الكبيرة، وانخراطها في العولمة على النسق الغربي دون وجود حواجز أيديولوجية أو ثقافية كبيرة تعوق الاستفادة من الاندماج الاقتصادي والمالي والسياسي.
إنَّ بُروز آسيا كقوة مُستقلة تقودها الصين، وضعف المحور الكلاسيكي الذي بَرَز بعد الحرب العالمية الثانية، وما ستُمليه الوقائع على أكثر من موقع إستراتيجي -خاصة الأزمة التي تمرُّ بها منطقتنا- وبروز رُوسيا “البوتينية”، كُلها عوامل جوهرية أدت بالمفكرين إلى رسم سياسات تُواكب تلك المعطيات الجديدة، واستشراف التحديات القادمة، ورسم خارطة الطريق للاستفادة من الفرص التي قد تبرُز في العقود المقبلة. فمثلا: نجد التقارب الشديد بين روسيا والصين من جهة، والاستثمارات الصينية في الدول الإفريقية من جهة أخرى، والتي لم تأخذ نصيبها من الاستثمارات الغربية عدا في مجال النفط والغاز وبعض الموارد الطبيعية.
ققبل مُدَّة، نشر الكاتب والمفكر الآسيوي كيشور محبوباني الأستاذ في جامعة سنغافورة الوطنية، كتابا مُهمًّا عن دور آسيا الجديد، والتي تناول فيها عِدَّة محاور أساسية حاول من خلالها إبراز “الدور المتعاظم للبلدان الآسيوية في العالم على الصعيدين: الاقتصادي والسياسي”، وفي هذا الكتاب رسالةٌ واضحةٌ لمن يهمُّه الأمر؛ مفادها أنَّ الحقائق على أرض الواقع الجيوسياسي والاقتصادي لابد من أخذها في الاعتبار عند رَسْم السياسات الدولية.
ويُحلِّل كيشور محبوباني النظامَ العالميَّ الجديدَ الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، عندما نشأتْ قوى جديدة على أفق الحلبة الدولية -كالبنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والأمم المتحدة- حيث كان المحرك الأساسي لها الغرب الرأسمالي، إضافة إلى الدور الذي لعبته الجامعات لنشر الفكر الغربي والرأسمالي خلال تلك الفترة.
وأهم محور تناوله الكاتب هو البحث عن إجابة لسؤال: “لماذا تزدهر آسيا؟”؛ حيث يُلخِّص الكاتبُ أهمَّ أسباب ازدهار آسيا؛ والتي تتمثل في: لجوء الدول الآسيوية إلى اقتصاد السوق الحرة، والاستفادة من العلوم الحديثة والتكنولوجيا، والتركيز على الكفاءات العلمية إلى جانب الكفاءات العملية، وترسيخ ثقافة السلام والتعايش مع مختلف الثقافات والأديان.
ويقفُ طويلاً على أهمية النظام التعليمي في نمو المجتمع وفي نمو الاقتصاد الآسيوي، ويستدلُ على ذلك بالتقرير الذي نَشَره البنك الدولي عن العولمة في العام 2007م؛ حيث أسهم التعليم في نمو بعض الدول الآسيوية بمقدار 2% سنويًّا.
ويُتابع مسيرته في مُقارنات شائقة بين النموذج الغربي والنموذج الآسيوي في جميع تلك المحاور؛ حيث يعتقدُ أنَّها الحافز والسببُ الرئيسيُّ في نمو اقتصاديات الدول الآسيوية، ويستشهدُ في فصول الكتاب بأمثلة فشل بعض الدول العربية والإسلامية في الاستفادة من تلك الفرص التي كانتْ مُتاحة لها قبل بروز الدول الآسيوية.
ثم يُعرِّج الكاتبُ على القضايا الجيوسياسية؛ حيث يطرح سؤالا مُهمًّا؛ وهو: “لماذا لا يفرح الغرب بازدهار آسيا؟!”، ثم يبدأ بتحليل الغرب وتقسيمه إلى الغرب الأمريكي والأوروبي والأسترالي والذي يعتمد على الفكر المسيحي، والشرق الذي يبتني على الأصول البوذية في أصوله وأفكاره، ثمَّ يتوغَّل الكاتبُ ليُحلِّل الجوانبَ التاريخية؛ حيث يروي قصة الغرب بعد الحرب الكونية الثانية، ونشوء القوى الجديدة، والاستقواء بالمؤسسات الدولية والجامعات لنشر ومدِّ القيم الغربية على المسرح الدولي.
ويعرضُ الدكتور محبوباني وصفتَه للدول الآسيوية والدول الإسلامية لتقليص الاعتماد على الغرب، والاعتماد على نفسها؛ لما لها من بُعد إستراتيجي وعُمق تاريخي وغِنَى ثقافي، ويُمنِّي نفسه بأن تكون وللمرة الأولى في تاريخ البشرية عِدَّة حضارات تنمو وتزدهر في الوقت نفسه، والاستفادة من العلوم والحكمة التي تحويها هذه الثقافات الشرقية، وهذا سيرتفع بالبشرية إلى مستويات رُقي أفضل.
… إنَّ إحدى النقاط والمحاور التي أرَادَ كيشور محبوباني أنْ يُؤكِّد عليها في هذا الكتاب القيِّم؛ هي: التبدُّلات الحاصلة على الشأن الثقافي والاقتصادي والسياسي العالمي، وبروز محاور ومناطق نُفوذ جديدة لم تكن فاعلة وفعَّالة عندما تمَّ رسم السياسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.. ويقول في منتهى الوضوح والقوة والصراحة: “إنَّ عصر سيطرة الغرب قد حَانَ رحيله؛ حيث جَلَب خلاله من المحاسن ومن المساوئ العديدة على البشرية. إنَّها فكرة عقيمة أن 12% من سكان العالم المقيمين في الغرب يُحدِّدون مَصَائر الـ88% البقية الباقية”.. قراءة عميقة، تحملُ الكثير من التحاليل والدروس والتوصيات.
ونحن إذ نحتفلُ بالعيدِ الوطنيِّ المجيد، لندعو الله -سبحانه وتعالى- أن يَمُنَّ على جلالته بالصحة والعافية، والعمر المديد، وأن تستمرَّ هذه المسيرة المباركة تحت قيادته الحكيمة، وأن يُبعِد عنَّا كلَّ سُوء.. إنه سميعُ الدعاء.

1,023 total views, 2 views today