عائشة الدرمكي

“فيما يتعلَّق بالدارس، فإنَّ إدراكه بأنه مجموعة أشخاص حين يقرأ مجموعة كتب ويستجيب لعوالم لغتها، هو بداية الخبرة الأدبية بمعناها الأفضل”..
هكذا يُقرِّر “والكرجيسون” في مقاله “المؤلِّفون والمتكلمون والقرَّاء”، الذي يُحدِّثنا فيه عن تلك العلاقات التي تنشأ بين القارئ والنص الذي يقرأه، وهو يُفرِّق بين المؤلف والمتكلم والقارئ؛ فهو في هذا يُقدِّم نوعيْن من القرَّاء؛ أحدهما: صوري، والآخر: حقيقي؛ ليصل بذلك إلى إجابة لسؤاله: “بأي معيار يحكم المرء على القرَّاء الصوريين، وكيف يصل إلى قرار حول ما إذا كان هذا القارئ أو ذاك هو قارئ لا يطاق؟”.

إنَّ “والكرجيسون” في مقاله هذا لم يُوصِلْنا إلى إجابة واضحة ومُحدَّدة، فيما إذا كان هناك فارق بين قارئ وآخر، وما إذا كنَّا بالفعل قادرين على أن نطمئن من القارئ -سواء كان صوريًّا أو حقيقيًّا- أنَّه يُقدِّم القيمة الصادقة للنص الذي يقرأه. إنَّها علاقة شائكة بين “النص” و”القارئ”، تفضي بنا إلى تساؤل، نزعم أنه جوهري؛ وهو: ماذا نُريد من القارئ فعليًّا؟ فهل نُريد منه فهم المعنى واستخلاصه من النص؟ أم نريد منه الاستمتاع بالنص؟ أم نريد منه إعادة إنتاجه وفق معطيات التأويل؟

إذا ما استطعنا الإجابة عن تلك التساؤلات، فإنَّنا حينها يُمكن أن نقرِّر مَنْ القارئ الحق الذي يُمكن من خلاله الحكم على النص أنه نص “جيد” أو “غير جيد”، إلا أنَّ ذلك ليس بهذه السهولة، فإذا كنا نريد أن نحقق في “استجابة القارئ”، فإننا يجب أن نرصد تأثيرات النص في “الجمهور”.

وهنا.. يظهر طرف آخر هو “الناقد”؛ بوصفه قارئًا يُؤدِّي وظيفة التأويل؛ فهو كما يقول “جيت.ب.توميكنز” في مقاله “القارئ في التاريخ..تغيُّر شكل الاستجابة الأدبية”، أنَّه “مسؤول عن الانطباع الذي يخلقه الأدب على المجتمع، لا لأنه أخبر المؤلف بكيفية خلق ذلك الانطباع، أو كيفية تأسيس شفرة رقابة، وإنما لأنه قد أخبر القارئ بما يعنيه النص”. هكذا سنجد أنَّ الناقد سيعتقد أنَّه الأكثرَ خبرة في تصنيف النص، بل هو -بحسب تصور أفلاطون- “الأب الذي تحتاج إليه الكلمة المكتوبة؛ قصد وقاية نفسها ضد مساوئ القراءة الرديئة”. وهذا يخلق تساؤلا أكثر تعقيدا؛ وهو: لماذا قد يجتمع جمهور كبير على الإعجاب بنص يعتقده “الناقد” نصًّا هزيلاً؟

والحال أنَّ النصَّ لا يفرض معناه؛ لأنه يفتح مجالات المعنى وتعدده أمام القارئ، ينطلق منه إلى تحوُّلات مُتعددة؛ انطلاقا من كون النص خبرة مجتمعية وفكرية واسعة النطاق؛ لهذا فإنَّ “توميكنز” عندما أراد أن يسبر “نقد استجابة القارئ”، قرَّر أن الفعل هنا سيستبدل “خطاب معين (تفسير) بآخر (عمل أدبي)؛ حيث يشتركان بعلاقة متكافئة”، إلا أنَّ هذه العلاقة ليست سهلة الكشف، فهي مجموعة من موضوعات الاستلزام وعلاقات متشابكة بين الخصائص الضرورية لبناء النص والجوهرية والعرضية التي يقوم عليها هذا البناء؛ ولهذا يعتقد رولان بارت أن النص “يتميز عن سواه من نماذج التعبير بتعقيده الشديد بما لا يُقاس. أمَّا عِلَّة التعقيد الأساسية، فتكمن في كونه نسيجَ ما لا يقال” -بحسب تعبيره في “القارئ في الحكاية”ـ وهذا سيحيلنا إلى مصطلح “النص المغلق” لدى جوليا كرستيفا.
وبعيدا عن الخوض في تفاصيل تلك العلاقات التي يُنشئها النص داخليًّا؛ ممَّا يُشكل لدينا نصا مفتوحا -بحسب إيكو- أو نصًّا مُغلقا -بحسب كرستيفا- فإننا نُورِد ذلك لنعيد كشف تلك العلاقة بين النص وقارئه الذي يُمثِّل القارئ النخبوي (المثقف)، والقارئ الصوري (الجمهور العام)، وإلى أي معيار يُمكن لنا أن نقيس نجاح النص؛ فهل برأي “القارئ النموذجي -بارت- الناقد/ المثقف/النخبوي)، أم برأي (القارئ الصوري/ القارئ الساذج -بارت- الجمهور العام)؟

وفي واقع الأمر أنَّنا يُمكن أن نقرأ نصًّا يبدو لنا أنه غير متماسك من حيث النسق العام مثلا، إلا أنَّه يشتغل ضمن مُكوِّنات سردية حكائية تقوم على أنساق مخصوصة، تتخذ بُعدين؛ أحدهما يشتغل على المعلومة التي يوفرها النص، والثانية التي يضيفها القارئ (النموذجي) على النص الأصيل، وبهذا سيصبح (القارئ الصوري/الجمهور) قارئا نموذجيًّا، وإلا ما استطاع نصٌّ أن يكوِّن قاعدة “جماهيرية” تتحلق عليه في تجمع ما، دونما تنسيق مُسبق بينها. لهذا؛ علينا أن نقِّر أن “القارئ” يَعْمَد إلى ملء النص بمعلومات وأفكار تُعيد بناءه، وتكون سببا في نجاحه. وإلا فإنه يُحمل غدرا على الإعجاب بالنص كما هو! وهنا يمكن أن نكون مع من يقول بأن الجمهور يُوجه عمدا نحو ذائقة ما!
ولعلَّنا يجب أن نلتفت إلى النواحي النفسية التي قد تجمع “الجمهور” من حيث نوعية الأفراد الذين يشكلونه، وأنماط حياتهم واهتماماتهم وأمزجتهم ومستوى ذكائهم؛ ذلك لأنَّ اجتماعهم بوصفهم “جمهوراً” لا يعني بالضرورة تشابههم في ذلك كله، وإنما يعني أنهم يجتمعون الآن وهنا ضمن معطيات نفسية معينة، فهم “عبارة عن كائن مؤقت” -بتعبير جوستاف لوبون في “سيكولوجية الجماهير”ـ وهذا الكائن يتحرَّك ضمن معطيات النص؛ بوصفه قارئا نموذجيا شاء ذلك القارئ الناقد أم رفض.

وفي كتابه “لذة النص”، يعرضُ لنا رولان بارت مفهوم هذه “اللذة” التي تجعل من القارئ باحثا عنها، وهو هُنا يعلِّق الأمر على “الكاتب” نفسه.. يقول: “يقع على عاتقي -ويقصد أنا الكاتب- أنْ أبحثَ عن هذا القارئ (أن أغازله)، من غير أن أعرف أين هو. وبهذا سيكون فضاء المتعة قد خُلق. ذلك أن ما أحتاج إليه ليس هو (الشخص) في الآخر، وإنما الأمر الذي أحتاج إليه هو الفضاء…). وعليه؛ فإنَّ الأمر يأخذ مناحي وأبعادًا مُختلفة تجعل من الكاتب باحثا ومُبتكرا عن تلك المتعة التي ستربط النص بالقارئ عن طريق إبداع ذلك “الفضاء” الذي يُشكِّل للقارئ إمكانًا لجدل الرغبة، وهو الفضاء الذي يجعل من النص روحا تنتقل بين حقوله وفراغاته، وهو هنا -كما يقول بارت- لا يُطالب أن يكون جَسَدا محسوساً، بقدر ما يكون فضاءَ إمتاع ودهشة.
هنا تحديداً، سيكون علينا إعادة التساؤل الأول حول قدرات القرَّاء/الجماهير على الإجماع دونما اتفاق حول نصٍّ بعينه، واختلاف القارئ/الناقد (من يُنصِّب نفسه نخبة) حول النص نفسه! ثم علينا أن نعيد إلى ذاكرتنا أن الناقد وضع منهجيته تبعا (لمقتضى النص)؛ وبالتالي فقد استخلص نظرياته وأنساقها من تشكلات النصوص التي تمثل واحدة من المتغيرات الثابتة التي لا يمكن القبض عليها إلا ضمن انفلاتها النصي الدائم الذي يتشكل بـ”علم متعة الكلام” -بحسب بارت.

ومن هنا، فإنَّنا لا نَزْعُم أنَّ الإشكال قد اتَّضح تمامًا، وأنه لا تُوجد مفارقة بين نظرة (القارئ النموذجي/النخبة/المثقف)، وبين من يُعتقد أنهم (جمهور القرَّاء/الصوريون/ السُّذج)، فنحن أمام إشكال لا يطال القرَّاء وحسب، بل يطال الكُتاب أنفسهم بين من هو قادر على أن يصنع عوالم المتعة النخبوية، وآخر قادر على صناعة عوالم المتعة الجماهيرية؛ لنجد في نهاية المطاف أنَّ الكاتب نفسه -وحتى من كان يعد نفسه نخبويًّا- أصبح يبحث عن “الجمهور” لا “النخبة”؛ لأنَّ ذلك يجعل منه قادرًا على خلق عوالم مُنفتحة للنص، تُمكِّنه من إحصاء أعداد غفيرة من “القرَّاء” و”المتابعين”، بل والناشرون كذلك؛ ليصل الأمر لطباعة طبعات عديدة للنص/الكتاب الذي يتلقفه الجمهور، بينما يترفع عنه “القارئ النموذجي/النخبة”! إنَّه إشكال يحتاج مزيدًا من المتابعات يُمكن أن تفضي بنا إلى عوالم نفسية واجتماعية وحضارية.

810 total views, 2 views today