د. صالح الفهدي

تمهيد:

عُرفَ العمانيُّ على امتدادِ التاريخِ بقيمٍ آمنَ بها، فأصبحتَ له عقيدةً وسلوكًا؛ يتَّضِحُ ذلك من الشواهدِ التاريخيَّةِ التي لا يحتاجُ المرءُ منَّا إلى استذكارِ عظمةِ الإنجازِ في إشراقاتها العلميَّةِ، وفتوحاتها الفكريَّةِ، ورحلاتها التجاريَّةِ، ونجداتها العسكريَّةِ، ومنجزاتها الاقتصاديةِ. لا يحتاجُ إلى التذكيرِ لأنَّ التاريخَ أبينَ ناطقٍ، وأفصحَ معلِّمٍ، يجودُ لمن يقصدُه طالبًا المعرفة، وباحثًا عن الحُجَّة.

وإذا كان الإنسانُ يشكِّل امتدادًا طبيعيًّا للإرث –إلا من يتنكَّرُ وينبتُّ عن تعمُّد- فإنه سيظلُّ حاملاً جيناتٍ تتراكمُ معارفها، وخبراتها، وتجاربها عبر توالي الأزمنةِ، وتطوُّر الأمكنة، لهذا فإن الشخصية العمانية –في عمقِ أصالتها، وجلاءِ صفحتها- وفيَّةٌ للإرثِ، محافظةٌ على المكتسباتِ، متشبِّثةٌ بالمتحقق الإيجابي من التاريخِ وإن خلُصَ من محنةٍ، أو أزمةٍ، أو خِلاف فهو في نهايةِ الأمرِ درسٌ من دروسِ التاريخِ لابدَّ وأن يمحَّص ويُستفاد منه.

والقيمُ هي ما نعني به كل خصيصةٍ إيجابية يرتقي بها الإنسانُ في عمومه، أما خصوصيَّةِ هذه القيم فهي النكهةُ التي تتميَّزُ بها الشخصية العمانية تميُّزًا لا يعني أنَّها تتصف بقيمٍ لا يتصفُ بها غيرها، وإنَّما لها من الخصوصيَّةِ ما يشبهُ خصوصيَّة العسلِ الذي يبقى عسلاً في صورته وأصله، لكنه يتمايز باختلافِ مشاربِ نحله، نبتهِ، وفصله..! هذا هو التشبيهُ الأقربُ في ذهني .. وعلى هذا فإن ناتجَ هذه الخصوصية إنسانًا متفرِّدًا في صفتهِ وخصائله يعرفهُ من خَبُرَ التجربة، وعاصرَ معاشه.

وإذا كانت القيم الوطنية هي التي تمنحُ الخصوصية والتميُّز لشعبٍ دون غيره، فإننا في القادمِ من الأسطر، والموجزِ من العبارات لا نحصي القيم الجوهرية التي ميَّزت العمانيين، وشكَّلت شخصياتهم عبر مراحل التاريخ، إلا أننا سنعرجُ على أهمِّها لنقدمها باختصار فيما يلي.

قيمة التسامح:

يتَّصف الإنسانُ العماني بصفةِ التسامح عامَّةً إذ لا يحملُ الضغينةَ في قلبه، لأن الضغينة ثقلٌ على القلبِ، فإن ثَقُلَ أبطيءَ الخطوَ في نهضته، لهذا بدا متسامحًا في كبرياء، غفورًا دون منَّةٍ ورياء، يغفرُ للجاهلِ زلَّته، وللحليمِ عثرته، وللأحمقِ علَّته، وللسفيهِ طيشه، وبهذا نال عزَّته ورفعته. يقول الرحالة جون أوفنجتن في زيارته لعُمان عام1693 وهو يصف العمانيين: «إن هؤلاء العرب على قدر كبير من دماثة الخلق، يُظهِرون لطفًا وكرمًا كبيرين للغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يُلحِقون بهم أذى جسديًّا. وهم على تشبثهم الثابت بمبادئهم والتزامهم الراسخ بدينهم، لا يفرضون تلك المبادئ وذلك الدين على الآخرين. كما أنهم لا يغالون بالتمسك بها مغالة تجردهم من إنسانيتهم أو من حسن معشرهم، فالمرء يقطع في بلادهم مئات الأميال دون أن يتعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج».

لقد كان من آثار التسامح العماني أن سُمح لأتباع الديانات الأُخرى بممارسةِ شعائرهم في البلاد بكلِّ أريحيَّة في الكنائس والمعابد، وغُيِّر مسمَّى الوزارة المعنية بالشؤون الإسلامية إلى «وزارة الأوقاف والشؤون الدينية».

كما أن التسامحَ خصيصة سياسية تعدُّ نهجًا عمانيًّا أصيلاً لا حيادَ عنه في أبجديات السياسة العمانية، حيث تدلُّ المواقف والشواهدَ التاريخية على ذلك إذ إن عمان قد تسامحت مع أعداء الماضي بل ورحَّبت بهم في أرضها وأكرمتهم وهو ما يدلُّ على علوِّ قيمة التسامح لدى العماني. أمَّا داخليًّا فإن التسامحَ قد سادَ في مواقفَ كثيرة في التعاطي مع بعض الأفكار والتوجهات باستخدام الحكمة والحنكة بديلاً عن العنف والشدّة.

قيمة السلام

يُروى أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بعثَ رجلاً لحيٍّ من أحياء العرب يدعوهم للإسلامِ فسبُّوه وضربوه، فعاد وأخبر النبي عليه السلام بذلك فقال له: «‏لو أن أهل عمان أتيت، ما سبُّوك ولا ضربوك‏» ‏‏وذلك للأخلاق الرفيعة التي عُرفت عنهم بين العربِ وإلا لما انتقاهم عليه أفضل الصلاةِ والسلامِ في معرضِ التخصيص.

وفي هذا المضمار يقول أحد الرحَّالة ويُدعى روبرت مجنان في كتابه «رحلة شتوية عبر روسيا وجبال القوقاز وجورجيا» المجلد الأول، ص: 232: «لقد واصلنا رحلتنا البحرية حتى دنونا من ساحل عُمان، البلاد المعروفة بـ«أرض الأمان»، والتي تشمل، حسب أفضل المصادر العربية الموثوق بها، المنطقة الواقعة في جنوب شرقي الجزيرة العربية، الممتدة حدودها جنوبًا من رأس الحد إلى ساحل زبرة‌ في شمال شرقي الجزيرة»[1].

ويُعرف عن العماني على رغم الامتداد الجغرافي الذي شغلته الامبراطورية العمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين أنَّه لم يكن سوى ناشرُ سلامٍ في المعمورةِ، يسعى لأجل استتبابه في ربوع الأرضِ وليس طمعًا في حيازةِ ثروات الشعوبِ، واستهلاك أموالها وقدراتها.

هذه القيمة تتجلَّى في الإنسان العماني لهذا فإنَّه عاشَ على هذا المبدأ لم يؤذِ جاره ابتغاءَ مطمعٍ، أو كسبِ حظوةٍ، أو جني مال، بل قدَّم التنازلات ليظفرَ بما يبقى؛ دوام العشرةِ المسالمة، والجيرة المتآلفة.

إن سياسة السلام العمانية قد أنتجت قيمة رائعة هي قيمة الوسطية في النظر إلى الأمور والتوازن عند التعاطي مع الشؤون المختلفة خارجيًّا أو داخليًّا. هذه الصفة هي جوهر الدين الإسلامي الحنيف حيث يقول تعالي: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. هذا التوازن هو لبُّ الحكمة العمانية في إدارة السياسة، ونظام الحكم، والعلاقات الخارجية. حيث لعبت عمان بفضل التوازن في العلاقات دورًا مؤثرًا وفاعلاً في التقريب بين الدول التي تفرِّقها الخلافات السياسية أو في حل الأزمات المعقَّدة.

ولقد توِّج حبُّ العمانيين للسلام واتصافهم به بنيلِ جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه على جائزة السلام الدولية عام 1998م كـأول حاكمٍ يتم منحـه هذه الجـائزة السلام الدولية التي بدأ تنظيمها في نفس العام.

وصفة السلامِ عند العماني لا تقتصرُ على محيط السلام الإنساني بل تعدى ذلك إلى السلام مع البيئةِ حيث اتصفت سياسة جلالة السلطان بالتعاطي السلميِّ مع البيئة مما أكسبه احترام العالم فكان نتيجة ذلك إلقاء جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم كلمة في قمة الأرض التي عقدت في يونيو 1992م بالعاصمة البرازيلية ريودي جانيرو. وتكريسًا للسلام البيئي فقد أنشأ جلالته حفظه الله جائزة دولية للبيئة باسم «جائزة السلطان قابوس للبيئة» منذ عام 1991 حيث بدأ توزيعها على الفائزين في ذلك العام بمقر اليونسكو بباريس.

كان هدف الجائزة «دعوة العلماء والمربين والمفكرين والجمعيات والمعاهد المتخصصة إلى العمل على تخفيف المخاطر التي تهدد البيئة بسبب تزايد النشاطات التي يمارسها الإنسان والتي تخل بالتوازن القائم بين عناصر البيئة التي تحيط بنا»[2].

كما نتجَ عن قيمة السلام قيمة عملية ذات أهمية في قاموس السياسات الدولية المسالمة شكَّلت إحدى معالم السياسة العمانية وهي عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، مما أكسبَ عمان تقديرًا واحترامًا لدى الآخرين.

الإباء وعزَّة النفس:

يتمتع الإنسان العماني بكبرياءٍ حميدٍ، وإباءٍ جليل، ويشهدُ على ذلك التاريخ حيث إن الإنسانَ العماني لم يرضَ الضيمَ، ولم يقبل بالمهادنةِ مع المحتل الذي أراد استباحة أرضه ونهب خيرات شعبها، فهو إنسانٌ صاحبُ نخوةٍ وبسالةٍ وشجاعة، ذلك لأن العيشَ تحتَ رحمةِ محتلٍّ طامعٍ فيه إذلالٌ له، وقمعٌ لحريَّته، وامتهانٌ لكرامته لهذا سعى أن يحرِّر هذه الأرض الشريفة من براثنِ الشرِّ، وأذناب الأطماع فكان له ما أراد[3].

هذا الإباء ولَّد فيهم خاصيَّة الاعتماد على النفس، وعدم الركون إلى ما يقدِّمه الآخرون من مساعداتٍ أو هبات. وهذا ما أشار إليه قائدُ عمان حين تولَّى مقاليد الحكم في البلاد حيث قال: باني عمان: «كنا فقراء في كل شيء، لكن كنا أقوياء في أصالتنا وعقيدتنا وفي عزمنا وإصرارنا على النجاح رغم كل العراقيل والعقبات التي كانت تعترضنا»[4]

إن الثقافة التي تحملُ في جوهرها القدرةَ على النُّهوض، والإرادة القويَّة للتعاطي مع المحن، هي ثقافةُ الفخرِ بعينه، تلك التي لا تعيقها عوامل الانهزامية ولا الضعف ولا الوهن.. وهي الثقافةُ التي جعلت المواطن يفخرُ بانتمائهِ لها لأنها بذرت فيه علوَّ الرؤوس، وكرم العطاء، وأبعدته عن الشعور بالاستكانةِ عند الحوادث والمحن، وأمدَّته بالإيمان الحقيقي والرؤية العملية لتجاوز المعضلات.

هذه الثقافة هي التي امتدحها أحد وزراء الإعلام في دول الخليج بقوله «أدار العمانيون أزمتهم بكل ثقة واقتدار» وأضاف: «قدمت عمان في إدارتها لأزمة جونو نموذجًا في المسؤولية، وفي القدرة على التعامل مع الأزمات سيحتذى مستقبلاً من قِبل آخرين»[5]

الانفتاح:

من أجمل ما تمتَّع به العمانيون من قِيم حضارية قيمة الانفتاح على الثقافات والشعوبِ منذ قديم الزَّمان فلم يرتضوا الانطواءَ والتقوقع بل انطلقوا إلى بقاعٍ مختلفة في العالم من أجلِ الاستفادة مما لدى الشعوب الأُخرى من عاداتٍ وتجارات وأفكار فكان البحَّار العماني عبدالله بن مسعود أوَّل عربي يطأ مياه كانتون بالصين في منتصف القرن الثاني الهجري، أمَّا البحار العماني أحمد بن ماجد السعدي (1418م-1500م) فهو ملَّاح مشهور وعالم معروف في الفلك والملاحة والجغرافيا، وكان السفير أحمد بن النعمان الكعبي أول مبعوث عربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية[6] وذلك عام 1840م.

إن صفة الانفتاح على الآخرين دولاً وشعوبًا وثقافات دليلٌ على سماحة العمانيين وسعة نظرتهم، لهذا لم يكن غريبًا أن يجعل جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله ورعاه سمة الانفتاح واحدةً من ركائز السياسة، ومبدأً من مبادئ البناء الحضاري للدولة العمانية الحديثة حيث قال جلالته: «وقد توخينا أثناء مسيرتنا المقدسة بالبلاد أن تكون برامج أعمالنا نابعة من صميم واقعنا ومنفتحة على حضارة هذا العالم الذي نكون جزءًا لا يتجزأ منه»[7].

والإنسان العماني الذي جابَ أصقاع الدُّنيا مخاطرًا «والمخاطرةُ جزءٌ من النجاةِ» كما يقول النَّفري، حاملاً مبادرات الكشف الأولى إلى عوالمَ مجهولة، ناسجًا معها روابطَ متينة لا تزالُ تُذكرُ حتى اليوم، هذا الإنسان يحملُ بذور الكشفِ والمغامرة، ومشاعل المعرفةِ والمبادرة، لهذا فهو يحملُ بين طوايا روحه أشواقًا للتحليقِ إلى فضاءاتٍ رحيبةٍ لا تضيفُ إليه ارتقاءً فحسب بل وتُعلي من شأنِ موطنهِ بين سائرِ الأمم والدول.

هو إنسانٌ لا يرى في البعدِ خلاءَ النَّفس من همٍّ، وإنَّما ثراءها بالمعرفة، والمعرفة قوَّةٌ لا تبارى. هو إنسانٌ لا يحلِّقُ عن وطنهِ ليكيدَ له وإنَّما ليظلَّ امتدادًا وفيًّا لثراهُ، مخلصًا لتاريخه، جوادًا لأهله. وقد شجَّع جلالته خصيصة الكشفِ والانفتاح على الآخرين من خلال سفينة «شباب عمان الأولى» التي بنيت شـباب عُـمان في مدينة بيكي باسكتلندا عام 1971، والتي حازت العديد من جوائز الصداقة الدولية، وسفينة «شباب عمان الثانية» التي حلَّت محل الأولى عام 2014م لتواصل ذات المهمة لمدِّ جسور التلاقي الحضاري بين الشعوب وتعزيز التعايش السلمي والحوار الحضاري بين الشعوب.

العقلانية والتبصُّر

يشهد التاريخ أن العمانيون لبُّوا نداءَ الإسلامِ طواعية بعد تفكيرٍ وتمعُّنٍ في الرسالة المحمدية التي أرسلها على يد الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه، ذلك لأنَّهم رأوا الحقَّ باهرًا فلم يماطلوا في قبوله، ورأوا النور مشرقًا فلم يجادلوا في تصديقه بل تركوه يبسطُ خيوطه على هذه الأرض الكريمة، ليتخلَّل قلوب ساكنيها، قبل مدنها وصحاريها، وقُراها وبياديها.. حتى ظفروا بالشهادة المحمديَّة الشريفة: «لو أنَّ أهل عمان أتيت ما سبُّوكَ وما شتموك» حديثٌ شريف.

إن قيمة العقلانية والرزانة التي يتحلَّى بها العماني جعلته يتبصرُ في الأمور، وفي عواقبِ الأفعال والسياسات وهذا جليٌّ في السياسة العمانية التي لا غموض فيها بل أن لها خطوطًا معروفة منذ أن قامت الدولة العمانية الحديثة في 1970م، حيث جنَّبت عمان نفسها الدخول في الصراعات الإقليمية والدولية، واتخذت من النأي بنفسها عن النزاعات منهجًا آمنت به وطبَّقته فعليًّا في انضمامها لدول عدم الانحياز[8] فكانت هذه السياسة موضع التقدير والثناءِ من الدولِ المحبَّةِ للسلام.

مساعدة الآخرين:

لا يفزع[9] الإنسانُ العماني لإغاثة غيره الذي يستنجدُ به من أجلِ حفنةٍ مالٍ، أو استغلال ثروةٍ، أو كسبِ خيرات، أو استعمارِ شعوب، إنما لأجل الإنسانيةِ، وإحقاق العدلِ والحقِّ والسلامِ. لهذا تُعلن شواهد التاريخ عن نجداتهِ التي تسطِّر بطولاتٍ وملاحم منها نجدةُ الإمام الصلت بن مالك لأهالي جزيرة سقطرى حين غزاها الأحباش عام 851 م فبغوا فيها وطغوا، كذلك استنجد أهل البصرة في العراق بالإمام أحمد بن سعيد لتخليصها من الغزو الفارسي عام 1775 م فأرسل ابنه هلال على رأس أسطولٍ من ثمانين سفينة.

وها هي قيمة المبادرة إلى مساعدة الآخرين، وإغاثة المحتاجين، والوقوف إلى جانب المظلومين، سمةً من السمات البارزة للإنسان العماني في العصر الراهن، فكثيرًا ما نسمع عن الهبات التي تقدّم لشعوب تواجه أزمات طارئة أو طويلة المدى. وعلى مستوى المجتمع فإن هذه السمة تبرزُ واضحةً في مناسبات مختلفة كمراسم الزواجِ ومآتم العزاء وغير ذلك من الطقوس الاجتماعية.

الوئام والانسجام:

تضربُ عمان مثلاً ساميًا في الانسجامِ والتناغم والتآلف الاجتماعي، إذ إن المجتمع على الرغم من تشكُّلهِ من قبائلَ ومذاهبَ إلا أنَّ التجانس صفته الظاهرة والباطنة، وهذا ما قوَّى عُرى اللحمة الوطنية، ووثق وشائج القربى بين سائر أطياف المجتمع.

هذه القيمة العالية تدلُّ على ما يتمتع به الإنسان العماني من سماحةٍ، وسعة أُفقٍ، وبُعد نظرٍ، وقدرةٍ على التعايش السلمي، وتطلُّع إلى مصيرٍ مشتركٍ. لهذا أصبحت هذه الخصيصة الوطنية من أُسس الدولة الوطنية، ومن مبادئ نظامها الأساسي، وهو في العرف الاجتماعي خطًّا أحمر لا يمكنُ المساسُ به أو تجاوزه.

 السمتُ[10] والصرامة:

لقد كان للسبلةِ العمانية _وهي مجلسٌ يجتمعُ فيه سكَّانُ القريةِ في الأريافِ أو الأحياءِ في المدن_ دورٌ بارزٌ في تربيةِ النشأ على العديدِ من القيم المُثلى وأهم قيمها السمتُ والصرامة ذلك لأن مجمل الموضوعات المطروحةِ للنقاشِ الشعبي جادَّةٌ تتعلَّق بمصائرِ الناس، ومصادرِ معيشتهم لهذا لا يجوزُ الهزرُ أثناءِ تداولِ النقاشِ فيها.

هذه المكتسبات أورثت جديَّةً في التعاطي مع القضايا، والحزم والصرامةِ في تبني كل رأي وقرار من شأنه إحداثُ نفعٍ، وتحقيق مصلحة. لذلك تجدُ ملامحَ السمتِ والصرامةِ جليَّةً واضحةً في قسمات العمانيين في مجالسهم العامَّة. لقد ميَّزتهم هذه الصفة فيما يتعلَّق بتعاملاتهم مع الآخرين لهذا تعتبرُ «المراسم السلطانية»[11] من أدق الوحدات تنظيمًا في المنطقة، اقتداءً برجل المراسم الأول جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه.

قيمة العلم:

عُرف عن الإنسان العماني حبَّه للعلمِ فلم يَرَ في إشراقاته إلا وجه الله ولم يتَّخذهُ تزلُّفًا لحاجةٍ، وتقرُّبًا لمطمع، وإنما كان له ثراءً رغم قلَّة ما في اليد، يقول العلامة العماني الخليل بن أحمد الفراهيدي:

أخبر سليمانَ أني عنه في سعةٍ .. وفي غنىً رغم أني لستُ ذا مالِ

لم يكن العلم لعلماء عمان الأفذاذ الذين سطَّروا بأهداب عيونهم علومًا جليلةَ القيمِ، لم يكن العلمُ عندهم لمضاهاة العلماء، وللرياء أمام الوجهاءْ، وإنَّما كانوا أهلَ رسالةٍ شريفةٍ، حملتهم إليها أنفسٌ عفيفةٌ، وأعناقٌ بالعزَّةِ منيفة. كان التواضعُ خصلتهم الجامعة، والتذلُّل للعلماءِ درَّتهم اللامعة، كان العلم عندهم وسيلةً لابتغاء وجهِ اللَّهِ، ولم يكن للقبٍ أو جاه، كان العلم عندهم حجَّةً للحقِ، ولم يكن لأجل خلقِ الفرقةِ، وإحداثِ الشَّق، كان العلمُ لديهم اجتهادًا مضنيًّا، ولم يكن استسهالاً مغنيًا، كان العلمُ عندهم يزيدهم خشيةً من اللهِ، فلا يرون في موضع الحقِّ سواه. هذا الإنسان العماني الذي حمل العلم بهذه الروح هو إنسانٌ حسُنت أخلاقه، وتهذَّبت صفاته، وتأدَّبت نفسه، وعرف طريقه.

وقد بلغ حبهم لاكتساب العلم، وحرصهم على عدم إضاعة الوقت في تحصيله ما يروى أن كثيرًا من علماء السلف «بحسب ما رأينا في تراجمهم أن يأكلوا الطعام الذي لا يحتاج إلى هضم كثير حتى لا تذهب أوقاتهم سدى في مضغ الطعام، إن كان يحتاج إلى مضغ كثير، فكانوا يعمدون إلى الأطعمة التي تهضم بسرعة، ولا يعمدون إلى الأطعمة التي تحتاج إلى هضم أكثر لأن ذلك يؤدي إلى ضياع شيء من أوقاتهم»[12]

قيمة العمل:

لا يعرف العماني في ماضيهِ أو حاضره التقاعس والخمول أو الترفُّع عن أداء الأعمال التي يحتقرها بعض من يميلون إلى الدعةِ والتكاسل وهي نزيهةُ المهنة، تغني الإنسان عن سؤال الناس الذي فيه مذلَّة وهوان.

في الماضي سافر العمانيون إلى أفريقيا وبلدانٍ أُخرى طلبًا للعيش، وقضوا السنوات بعيدين عن أُسرهم وأوطانهم وهم يعملون بمشقة وضنى أعمالاً مختلفة. وفي الحاضر لا يترفع العمانيون عن العملِ في مهنٍ مختلفة لأن قيمة العمل عندهم عالية إذ إن أساس ذلك هو مبدأ ديني واجتماعي «أن يكسب الإنسان نزرًا يسيرًا خير له من أن يسأل الناس لقمة عيش». لقد حلت صفة «باحث عن عمل» بديلاً عن صفة «البطالة» أو «العاطلين عن العمل» ذلك لأن البحث عن العمل دليل على المبادرة أما البطالة فهي في جانبٍ منها اتكالية وهذا لا محلَّ لها في قاموس الثقافة العمانية الأصيلة.

إن ما يؤسس له العمانيون هو أن يعتلي أبناء البلاد سدَّة المناصب والإدارات المختلفة في المؤسسات الحكومية والخاصة، وعدم الاتكال على عمل الوافد وهذه الغاية التي أُطلق عليها «التعمين» قد حققت نسبًا عالية من أهدافها المرسومة لها خلال الأعوام الماضية.

التعاضد والتعاون

لقد ضرب العمانيون أمثلةً رائعة في التعاضد والتعاون انطلاقًا من روح النخوة والشهامة العربية، وانتهاجًا بأمره سبحانه وتعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة الآية 2] لذلك فإن البيئة القروية العمانية هي أشبهُ بالبيت الكبير الذي يضم جميع أفراد الأُسرة التي يجمعها مصيرٌ واحد..

هذه القيمة الجليلة ساكنة في الوجدان العماني، يؤكِّد عليها قول جلالته حفظه الله ورعاه: «علينا أن نستمد من تجاربنا الماضية عزمًا جديدًا وتصميمًا أكيدًا على العمل متعاونين متكاتفين بكل ما لدينا من طاقات البذل والعطاء والتفاني في أداء الواجب، لنكون دائمًا في مستوى القدرة على تذليل الصعاب وقهر التحديات وبلوغ الأهداف التي رسمناها لأنفسنا من أجل خير بلادنا.. وخير أجيالنا الحاضرة والقادمة..»[13]

ولا غرابة أن تتجسد هذه الصورة في كل لازمة من اللوازم، وضرورةٍ من الضرورات، ولعل مشهد الأنواء المناخية «جونو» في 2007م هي خير مثال على تآزر العمانيين بين بعضهم البعض، بل وتجشُّمِ بعضهم الصعوبات والمحن، وتضحياتهم التي بذلوها من أجل أبناء وطنهم، حتى إنهم استغنوا عن مساعدة الدول الأخرى لأنهم وقفوا مع بعضهم وقفةً أغنتهم عن الاستنجاد بالآخرين.

قيمة التفاؤل:

يتمتع الإنسان العماني بشخصية ذات قدرة على استيعاب المحن واجتياز الصعوبات فقليلاً ما يبدي التذمر من عيشةٍ، أو التضجر من أزمة، وهو في هذا يستمدُّ طاقته من روحه الإيمانية السامية إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ‏{‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏} ‏[‏الطلاق‏:‏ 2- 3‏]‏، هذه الروح المتفائلة هي الوقود الذي يدفع الإنسان العماني للعمل بكل جد وكفاح من أجل مستقبل مزهر مشرق، تتحقق فيه الطموحات، وتنجز فيه الآمال. هذا التفاؤل هو الذي دفع عمان منذ أولى سنيِّ نهضتها إلى التقدُّم بخطى ثابتة نحو التطور، يقول جلالته حفظه الله ورعاه: «..أهلا بالغد.. ووعدا بمضاعفة الجهد ومواصلة العمل والانجاز.. بذلاً وعطاء.. مواكبة للتطور. أجل غد جديد.. يشرق مع كل صباح.. في كل يوم من أيام مسيرتنا الجادة التي لا تعرف من الأمس إلا ماضيًا تليدًا ومن اليوم.. إلا مجدًا جديدًا.. ومن الغد إلا مستقبلا سعيدًا»[14]

ختامًا:

هذه القيم الرفيعة يحملها الإنسانُ العماني -الوفيِّ لجذورهِ ولتاريخه- في أعماقِ نفسه، تظهرُ كلَّما غلبت طباعه الأصيلة، طباعٌ تمتدُّ من البعيد من شخصيات مؤثِّرةٍ كالجلندى بن مسعود والذي كان «مثلاً يضرب لقومه ومن جاء بعده من الأجيال فلقد عرف رحمه الله بالعدل، والإحسان، والصدق، والفقه، والبصيرة، والمعرفة، والورع، والزهد، والتعفف، والعبادة، والسمت الحسن الجميل، وكان صاحبَ إخلاصٍ، وعلمٍ، وحلم، وتودِّدٍ، ووقارٍ، وسكينة، وعقلٍ، وبرٍّ، ومرحمةٍ، ووفاء، ونزاهةٍ،وعبادةٍ، وصلةٍ ونصيحة ظاهرةٍ مقبولة، فانعكست تلك الأخلاق الفاضلة على أبناء عصره في جميع آدابهم، وتمسُّكهم فصاروا يكرهون العيوب، ويهجرون أخلاق أهل الفجور، والمعاصي»[15] تمتدُّ هذه القيم الرفيعة من شخصيةٍ عاشت في فجر الإسلامِ إلى هذا الحاضر المشرق لتبرهن عن وجودها في أمثلةٍ كريمةٍ على رأسها مولانا جلالة السلطان –حفظه الله ورعاه- الذي يعدُّ نموذجًا فريدًا من نماذج القيادة في زمنٍ تهاوت فيه الثقةُ في القيادات وحكمتها، وموضوعيتها، وعقلانيتها، وتسامحها، وصدقها مع الذات، وفي عمان نماذج من علماءَ أجلاء، وأصحابُ حكمةٍ، ومنطقٍ لا ينقصهم التواضع، ولا تظنُّ عليهم الحكمة.

[1] – يؤكد على استمرارية تمتع عمان بالأمان تصنيف التقرير السنوي Global Peace Index لعام 2014، حيث صنّفت عمان من بين أكثر الدول أماناً في العالم. ttp://www.visionofhumanity.org/sites/default/files/2014%20Global%20Peace%20Index%20REPORT.pdf

[2] – مقتطف من كلمة معالي الدكتورة مديحة بنت أحمد الشيبانية وزيرة التربية والتعليم، رئيسة اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم وسط محفل دولي أقيم لتسليم جائزة السلطان قابوس لحماية البيئة لعام 2013م للفائزين بها أثناء انعقاد المنتدى العالمي للعلوم الذي أقيم تحت رعاية نائب رئيسة الجمهورية البرازيلية والذي نظمته الأكاديمية البرازيلية للعلوم بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بمدينة ريو دي جانيرو في البرازيل.

[3] حرر الإمام سلطان بن سيف الأول (1649 – 1680 م) مسقط نهائيًّا بعد أن طرد البرتغاليين من عمان ومنطقة الخليج مكملاً الجهود التي قام بها سلفه الإمام ناصر بن مرشد (1624 – 1649 م) مؤسس دولة اليعاربة في هذا المسعى.

[4] – الخطاب السامي في العيد الوطني العاشر 18/11/1980م

[5] سعد بن طفلة – وزيرُ إعلامٍ كويتي سابق

[6] البحراني، عماد، الامبراطورية العمانية في عهد السَيد سعيد بن سلطان، دورية كان التاريخية، ع2، ديسمبر2008.

[7] خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –حفظه الله ورعاه- في 18/11/1972م.

[8] تعتبر حركة عدم الانحياز، واحدة من نتائج الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ونتيجة مباشرة أكثر، للحرب الباردة التي تصاعدت بين المعسكر الغربي (الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو) وبين المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو) حال نهاية الحرب العالمية الثانية وتدمير دول المحور، وكان هدف الحركة هو الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة. تأسست الحركة من 29 دولة، وهي الدول التي حضرت مؤتمر باندونج 1955، والذي يعتبر أول تجمع منظم لدول الحركة. http://ar.wikipedia.org/wiki

[9] يغيث وينصر

[10] السمت هو حسن الهيئة والوقار.

[11] المراسم السلطانية تتبعُ ديوان البلاط السلطاني ويرأسها رئيس في مستوى وكيل وزارة وعلى رأس مهامها ضمان الترتيبات الخاصة ببروتوكولات الزيارات الرسمية وغير الرسمية لجلالة السلطان خارجيًّا أو لضيوفه داخليًّا، وتنفيذ البرنامج المعد للزيارة بدقة تامة..

[12] كتاب النمير، حكايات وروايات، جزء2 ، لجامعه/ محمد بن عبدالله السيفي

[13] الخطاب السامي في افتتاح المجلس الاستشاري بتاريخ 3/11/1981

[14]             خطاب جلالة السلطان المعظم 18/11/1975م

[15] – صالح بن أحمد الصوافي، كتاب الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة، ط2، 1989، وزارة التراث والثقافة.

23,048 total views, 2 views today