د. عالية السعدي

يقول الثوري والمُصْلِح التربوي الأمريكي هورس مان (Horace Mann): “A house without books is like a room without windows. No man has a right to bring up children without surrounding them with books,.. Children learn to read being in the presence of books.”

من خلال قول هورس نجد أنه يثير نقطتين حول القراءة وأهميتها، بالنسبة لكل إنسان فالبيت الذي ليس به كتاب هو كالغرفة التي لا نوافذ لها (أو بلا نوافذ)، لأهميتها في تجديد الفكر ألراكد وبالنسبة للطفل في حضور الكتب ومحاطًا بها ينمو الطفل وتنمو قدراته ومهاراته في القراءة بل واعتبرها حق أساسي للطفل في أن ينمو محاطًا بالكتب في مراحل تربيته. فالإنسان لا يرقى بفكره وعقله بل وحتى وجدانه إلا بالقراءة.

فماذا عسى أن تكون القراءة؟ وماذا عسى أن تكون أهميتها لكل من الفرد والمجتمع؟ وأخيرًا؛ هذان السؤالان يقودنا إلى التساؤل حول ما أهمية القراءة في وقتنا الحالي؟

القراءة لها معانى متعددة نذكر منها على سبيل المثال القراءة هى استخلاص المعنى من المادة المكتوبة وتحليل أفكارها. كما أن القراءة يمكن أن تعرف بأنها نشاط ذهني ينطوي على الانتباه والإدراك والتذكر والفهم. كما أنها يمكن أن تعرف بأنها تناول عقلى للمعلومات وإعادة ترتيبها في قوالب فكرية جديدة. وأخيرًا فإن القراءة يمكن أن تعرف بأنها قدرة على تذكر المعلومات وتنشيط عملية التذكر من خلال استرجاع المعلومات التى تمت قراءتها من قبل. إن المتأمل للتعريفات السابقة لمفهوم القراءة نجد أنها تنطوي على عمليات عقلية متعددة كالتحليل والتركيب والاستنتاج والفهم والتذكر، وهى كلها أنشطة ذهنية تتم عبر عملية القراءة ويظل السؤال لماذا وضعت التعريف المتعلق بالذاكرة وتذكر المعلومات في نهاية التعريفات السابقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقودنا مباشرة على الإجابة على السؤال التالي: ما هي أهمية القراءة لكل من الفرد والمجتمع؟ وهنا تكمن أهمية الفرق بين الإنسان في الدول النامية والدول العربية، والإنسان في الدول المتقدمة؟ فالقراءة تلعب دورًا هامًّا في تشكيل فلسفة الفرد والفلسفة الاجتماعية للمجتمعات. ويظل السؤال كيف تشكل القراءة فلسفة كلا من الفرد والمجتمع؟ في الواقع إن القراءة تلعب دورًا في تشكيل الوعي الفردي بما تمنحه للفرد من قدرة على الفهم والتحليل والربط والنقد وغيرها من المهارات التي تتضمنها عملية القراءة وهنا يتم تشكيل الوعي الفردي فلا يتوقف دور الفرد على قراءة وتقبل ما يقدم له من معلومات بينما ينطوي دوره على إعادة القراءة Re-reading للنصوص والمادة المكتوبة ومن ثم فحصها وإعادة تقديمها للوعي بصورة مختلفة وبمستويات متعددة وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين وعي فردي يقرأ ويتقبل reading and acceptance ووعي فردي مغاير يقرأ وينقد Reading and criticism . وهنا تكمن الإشكالية ما هي القاعدة الثقافية التي تشكل الفلسفة الاجتماعية للمجتمع؟ هل القاعدة الثقافية تقوم على تشكيل وعي حقيقي إيجابي للفرد يقوم بدور نقدي وإيجابي في بناء مجتمعه أم أن القاعدة الثقافية تقوم على إفراز وعي غير حقيقي سلبى ومن ثم وعيًا شكليًّا Formal awareness .

وهنا تكمن الحقيقة التي نغفل عنها جميعًا وهى أننا في عالمنا العربي نسعى إلى تشكيل وعي شكلي غير حقيقي، وعي يتعامل مع المادة المكتوبة بصورة سطحية أو بصورة ساذجة Naïvism وبسيطة بينما في المجتمعات المتقدمة فإن الهدف الاجتماعي والفلسفة الاجتماعية تكمن في إنتاج وعي حقيقي إيجابي وناقد يسعى إلى عملية المغايرة لا المسايرة والتابعية وفى عملية البناء الحقيقي لا عملية البناء الشكلي التي يقدمها المفكرون العرب ومفكري البلاد النامية. وهى عملية بناء تساير ما هو مفروض ومقرر من السلطة.

ولهذا تظل قضية القراءة قضية هامة في أي فلسفة اجتماعية وهنا ننتقل إلى السؤال التالي ترى أيهما أصح في الاستخدام reading or literacy عندما يتعلق الأمر بالمجتمع والفلسفة الاجتماعية لهذا المجتمع فكلا المصطلحان يستخدمان بمعنى القراءة ولكن في واقع الأمر أن التمييز بينهما أمر هام – لأنه تمييز أزعم أنه مرتبط بالتمييز الذى أشرنا إليه مؤخرًا بين عملية بناء الوعى في كلٍّ من المجتمعات المتقدمة والدول النامية للوقوف على جوهر الفلسفة الاجتماعية التي تقوم عليه عملية القراءة. في الواقع إنني أرى بالاتفاق مع علماء التربية والمناهج على وجه التحديد-أن القراءة بالمعنى Literacy تعني القدرة على القراءة والكتابة بينما القراءة بالمعنى Reading تشير إلى قدرات أخرى تتعلق بفهم النص وتحليله وتفكيكه وإعادة تركيبه من جديد ونقده وتقييمه. في الواقع إن كل هذه مهارات تكمن في طبيعة عملية القراءة بالمعنى الأخير. وهذا هو الفرق بين عملية البناء المتعلقة بالإنسان. نجد للأسف الشديد أن في البلاد النامية يتم التركيز على القراءة بالمعنى الأول وهى عملية محو الأمية من خلال القدرة على قراءة الموضوعات والقدرة على الكتابة. أو أنها تعني من جهة أخرى القدرة على القراءة بالمعنى الثاني ولكن في أدنى مستوياته وهى تلك المتعلقة بالتذكر وتكرار المعلومات. بينما في البلاد المتقدمة يتم التركيز فيها على القراءة بالمعنى الثانى وهى القراءة النقدية للنصوص وإعادة تحليلها وتركيبها في سياقات جديدة. ولهذا نسمع ونرى مدارس فكرية متعددة في الدول المتقدمة منها المدرسة النقدية والتحليلية والبنائية والتفكيكية وهى كلها مدارس تستند على المهارات المتعددة التى ينطوي عليها المعنى الثاني للقراءة. ولهذا نصل الى الإجابة إلى السؤال الأول المتعلق بالتعريفات التي قدمنها لمفهوم القراءة ولماذا وضعت المفهوم المتعلق بالذاكرة في نهاية هذه التعريفات في الحقيقة أن الإجابة تكمن في التمييز الذى قدمناه بين عملية البناء المتعلقة بالإنسان في كل من البلاد المتقدمة والبلاد النامية وفى ضوء التمييز الذى طرحناه بين مفهومي literacy ومفهوم Reading. أن البلاد النامية تركز في القراءة على مستوى الحفظ وتكرار المعلومات وتردديها في سياقات متعددة. وهنا ينتج عقلية بسيطة سطحية تكرر المعلومات وتستقبلها بدون فهم أو قراءة نقدية وهو العامل المسؤول عن الفكر المتشدد وانتشار الأصولية الدينية المتشددة Fundamentalism . ويأتي إلى الذهن محاكمة أحد العناصر التي اغتالت أحد المفكرين الليبراليين في مصر مفكر مصري يدعى “فرج فودة”، حيث عندما سأل القاضى المتهم لماذا قتلته قال لأنه كافر وكيف عرفت قال من كتاباته فسأله القاضى أي من كتاباته قرأت قال ولا كتاب. هذا نموذج للمستوى الأول من القراءة المتعلقة على حفظ وتكرار وتلقي المعلومات دون أن يتناولها العقل بالنقد والتحليل.

هذا نموذج للمستوى الأول من القراءة المتعلقة على حفظ وتكرار وتلقي المعلومات دون أن يتناولها العقل بالنقد والتحليل. بينما في البلاد المتقدمة تركز القراءة على مستويات متقدمة كتلك التي أشرنا إليها وهى عملية تتجاوز بكثير مرحلة literacy ويتم اكتساب هذه المهارات عبر المراحل الدراسية المختلفة فيتربى الطفل على الفهم وتحليل المعلومة وتفكيكها وإعادة تركيبها من جديد والقيام بعملية افتراضات والسعي إلى إثباتها والوصول إلى نتائج متعددة للمشكلة الواحدة وهى ثقافة تحترم الاختلاف والتنوع differences and varieties وترفض التقليد والمحاكاة والتابعية الفكرية.

ويظل السؤال الهام في عمان، ونحن على مشارف معرض الكتاب الدولي ما هي الفلسفة الاجتماعية التي تستند عليها عملية القراءة؟ وما هو الهدف من عملية البناء المتعلقة بالإنسان؟

فى واقع الأمر أن الإجابة على هذا السؤال لا تقتصر على بلدنا ولكنها تتسع لتشمل جميع بلادنا العربية والدول النامية ولهذا لا يمكننا أن نوجه أصبع الاتهام والنقد إلى مؤسسة ونهمل الأخرى بمعنى لا يمكننا أن نوجه النقد إلى جهة بعينها ونهمل الأخرى، إلى دور وزارة التراث والثقافة ونغفل وزارة التربية والتعليم أو نوجه النقد لوزارة التعليم العالي ونغفل وزارة التنمية الاجتماعية. حيث إن تعريف المجتمع هو ذلك البناء الشامل COMPREHENSIVE STRUCTURE الذى يضم العادات والتقاليد والمؤسسات الحكومية والأهلية وخططها وبرامجها جميعًا بالإضافة إلى الثقافة وهي تعريف شامل يعطي لنا تصورًا للحركة الديناميكية للمجتمع. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نختزل النقد في مؤسسة دون الأخرى ولكننا نوجه الاتهام والنقد إلى البناء الاجتماعي ككل وإلى الأسس التي يقوم عليها في بناء الإنسان في عمان. ولكن يظل في الآفاق أمل في السعي والانتباه لهذا الأمر والاهتمام بالقراءة كعملية شاملة تنطوي على مهارات معقدة والبدء في تصحيح مسارها وتطبيق النظم الجديدة وكل هذا سينعكس على إعادة تشكيل وتفعيل مفهوم القراءة بالمعنى الثاني وليس الأول، وأن نخلق كأفراد نوافذا لغرفنا المختلفة لنجدد هواءها الراكد.

3,829 total views, 8 views today