حمد الغيلاني
كاتب صحفي عُماني


التحديات التي واجهتْ سُلطان البلاد الجديد آنذاك، السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيَّب الله ثراه- عام 1970م، كانت كبيرة، بحجم هذا الوطن الكبير واسع الأرجاء والمسافات، لعلَّ الذين عاشوا قبل السبعين وبعده، يعلمون ما تعنِيه هذه الكلمات، لقد كُنَّا في تلك الفترة أطفالا، وبعد حكم السُّلطان بأعوام، كُنا ما زلنا نشاهد تلك التحديات واضحة جلية، كنا نعبُر الطريق من مدينة صور إلى الجهة المقابلة لمصيرة في يوم كامل، ونصل الجزيرة اليوم الذي بعده، كانت كل الخدمات التي نراها اليوم مُعدَمة تماما، مكوِّنات المدن الكبيرة حاليا من مواد غير ثابتة، وقد تكون البيوت من الصفيح، الطرق غير مُعبَّدة، لا توجد خدمات المياه والكهرباء والاتصال، ولا مواد الغذاء، عدا الأساسي منها فقط.

ومع هذا، لم يكن ذلك التحدي الوحيد الذي واجَه القائد -رحمه الله- الذي عرف واقع بلاده، بعد أن رأى ما عليه العالم آنذاك، بل كان عدم الاستقرار السياسي في كثير من أرجاء الوطن، خاصة الجنوب، هو تحدٍّ آخر كبير وحسَّاس. ومع ذلك، كان العمل دؤوبًا ومتواصلًا، خطٌّ يسير في اتجاه توطيد الأمن، والخط الآخر في اتجاه توفير الخدمات، كل الخدمات، لكل عُمان.

الآن.. وبعد أعوام عديدة، وعُمر مديد عاشت عُمان أطول فترة في تاريخها -الممتد لأكثر من عشرة آلاف عام- في أمن واستقرار وسلام، رغم الصراعات المريرة التي مرَّ بها العالم ومرت بها المنطقة.

وتأسَّست بنية أساسية متينة وشاملة في جميع ربوع عُمان؛ حيث يُمكن رؤية ذلك في مدارس الرُّبع الخالي، التي يُوجد في بعض مدارسها عشرة طلاب هم جميع الطلاب في المدرسة، بينما يتكوَّن الكادر الإداري والتدريسي من أكثر من عشرين فردًا. ويُمكن مشاهدة طرق مُعبَّدة في أعماق جبال ظفار البعيدة، تصلك إلى أبعد قرية في جبل القمر أو جبل سمحان والقرى، كما أنَّك عندما تزُور جزر الحلانيات -التي يقطنها ما يقارب الثلاثمائة نسمة- ستَجِد فيها مدرسة ومركزًا صحيًّا وطريقًا وميناءً ومطارًا، وجميع ما تحتاجة تلك الجزر البعيدة من خدمات.

لقد أزهر العطاء البنَّاء الذي أسَّسه الباني المخلص -رحمه الله- لهذه النهضة العُمانية الحديثة، من بُعد نظر، وتفانٍ في العمل، أزهر بناءَ عُمان حديثة ومختلفة عمَّا كانت عليه قبل السبعين. علاقات عُمان مع دول العالم قائمة على أسسٍ من السَّلام والاحترام، والبناء الداخلي صلبٌ مُتماسك، وأسس التقدم والتطور راسخة ومؤسَّسة في بلادنا.

لم يبقَ علينا سوى السَّير قُدما على خطى القائد المُلهِم الصبور، بالحفاظ على هذا النسيج المتماسك، والقيم الشامخة النبيلة، والعلاقات الخارجية المتميزة، والبناء عليها نحو عُمان قوية وحديثة، تزخَر بالعلم والبناء والتحديث، نجوِّد عملنا، ونحفَظ مُكتسباتنا، ونؤسِّس لطفرةٍ علمية وتقنية حديثة، تنطلقُ بنا نحو تجويد التصنيع والإنتاج، وحفظ المكتسبات والتراث والثروات وتنميتها، وتمكين الشباب من تحقيق رؤية القائد الباني السُّلطان قابوس، وتتحقَّق رُؤيته ونظرته العميقة وبعيدة المدى، لرؤية عُمان في مصاف أكثر الدول تقدُّماً واستقراراً. فهذا هو الطريق الذي بَدأه القائد المؤسِّس -عليه رحمة الله- وهذا هو المسير الذي كان يرتجيه، وعمل من أجله خمسون عاما.