Shuhhi

د.مُحمَّد الشحي

تهيِّئ الأمم ترسانة الممكنات والقدرات حينما تستدعي الحتميات مُثولها في خنادق المصائر ومعارك المطالب الوجودية بمختلف تجلياتها.. ففي الحروب، تقف الكلمة في الخندق كما تقف البندقية، وتفسح الجبهات المجال للكلمة والون والإزميل والصورة لخلق ما يمكن أن يعمِّق حُضور الأدوات الأخرى في الدفاع عن الوطن، والذود عن جماله، وتعزيز الحيوية الجمالية لروحه في الوجدان العام؛ وذلك لصناعة مناعة وحُصون مُستعصية على الاختراق، وقادرة على المقاومة والمواجهة وترميم الروح وبناء أسوار التمنع، والتعجيل باندمال الجروح التي تثعب فدائية، واستبسالاً، ونشيجًا، وشجنًا، وكراهية، وحبًّا.

الحروب مُخلصة في استدعاء البداهة والغموض معا؛ بداهة وغموض التبعات والمصائر بنسبيها ومطلقها؛ فهي الطريق المؤدِّي للانكسارات والفجائع طالت أم قصرت، وتارة الفتوحات والانتصارات، وهي بذلك توافق توقعات وتخالف أخرى، لكنها لم تتمرد على التنقل بين حاصرتي جلجلة الشعر الذي أطلقه زهير بن أبي سلمى؛ باعتبار ما كان وما يكون وما هو كائن؛ حين قال:

وَمَا الْحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ

وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ

مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً

وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ

فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا

وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ

فما هو عنها بالحديث المرجّم؛ أي: لست أحدثكم “ظنا وتخمينا” عن تبعات الحرب وويلاتها، بل هو الحديث اليقيني الجلي لتحذروها.

لم يقف الأدب موقفاً واحداً من الحرب، بل حمل بندقية الاصطفافات، وتخندق في مسارب القناعات التي كانت تحرِّك الأدباء والفنانين في اتجاهاتها المختلفة؛ ففي الحروب الأهلية -مثلاً- ظهر الأدب المعبأ بالحزبية والقبلية والطائفية الدينية والسياسية، والذي انشغل بقنص المساحات والقيام بالأدوار الوظيفية التعبوية والنفسية…وغيرها مما حوَّله في كثير من الأحيان لاشتغالات خطابية انفعالية، ولغة تستمد حيويتها من الحالة الشعورية لدى المتلقي الموافق فقط، وليس من وعيها الفني والدلالي.

وفي الحروب -قديمها وحديثها- وفي مختلف الأوقات -بسلمها وتوترها- كان الأدب وكانت الفنون معادلاً مُتخندقاً يطل بآلامه وآماله تمامًا كحواس الجندي الباحث عن إحدى الحسنيين، وإذا كانت الإحاطة العميقة بالمساهمات الأدبية في هذا الصدد غير مُتأتية في هذه العجالة، فإنَّ التطواف الإشاري سيُساهم في إلقاء الضوء على هذه العلاقة التي شغلت ذهنية الكتاب كفكرة، والمتلقين كمعين معرفي، والأزمنة كذاكرة متناسلة كما فعلت إلياذة هوميروس في نقل حرب العشر سنوات بين اليونان والطرواديين في ملحمة شعرية باذخة، وكما فعلت النقوش المسمارية والتركات الآثارية التي نقلت حروب الفراعنة والصينين القدامى والآشوريين…وغيرها من الحضارات البائدة.

وقريبًا، كان القرن العشرون بحروبه العالمية والأهلية والتحررية، ونضال الشعوب العربية فيه، ومعاركها ضد الاستعمار والصهيونية، مادة ثرية وخصبة للأدب -بمختلف تفريعاته- للتفاعل الإبداعي مع السياقات والإكراهات التي ألقت بظلالها على الاستقرار والسلم في مختلف الأوساط، وشاركت أسماء عريقة في تفكيك ألغام اللحظات بالقصة القصيرة، والمسرح، والرواية، والقصيدة، والصورة الفوتوغرافية، والنحت، والمقالة، والسير الذاتية، ومختلف أشكال التعبير الأدبي.. فقرأنا لبابلو نيرودا، وهمنجواي، وصلاح عبدالصبور، ومحمود درويش، وتوليستوي، وهارون هاشم، ويوسف السباعي، ونزار قباني…وغيرهم الكثير من النتاج الذي كان يُؤسِّس لمقاومة راسخة، ويناوش المعارك والجبهات، ويفضي لدواخلها وصولاً لعتماتها ولحظاتها المهيبة.

ويتجلَّى الأدب السردي الروائي كواحد من أعظم ما ساهم به الأدب، إن لم يكن الأهم في رصد الحروب والكتابة عنها. ولعلَّ ذلك يعود لعدة أسباب؛ منها: أن الرواية تتمتع بامتداد كتابي يفوق الصنوف الأخرى، وإن تقاطع نسبيًّا مع النص المسرحي؛ بحيث يسمح هذا الامتداد والطول النسبي في التناول الحفري التفاصيلي العميق لمختلف مستويات الحدث والشخوص، كما أنَّ الرواية تستطيع المراوغة بأدواتها وتقنياتها الأسلوبية المتنوعة؛ بحيث لا تقع في المباشرة والتقريرية التي قد تحرم الشعر مثلاً من الكتابة الواقعية الوصفية للمعارك، فضلاً عن أنَّ بعض الروائيين الذين تركوا علامات فارقة في النص الروائي الحربي -إن جاز التعبير- كانوا قد التزموا الجبهات إمَّا عملاً في الصحافة كجمال الغيطاني “الرفاعي/حرب أكتوبر 73″، وهمنجواي “لمن تدق الأجراس/الحروب الأهلية في إسبانيا”،  أو كانوا جنودا؛ مثل: كيفين باوزر”الطيور الصفراء/ الحرب على العراق في 2003″؛ مُقتربين بذلك من خطوط التماس بين الأدبي والواقعي؛ وبالتالي الحصول على المعايشة الحقيقية التي ترفد الطاقة الإبداعية، وتحوِّل العمل الروائي من المتخيل المتكلف للمنجز الماثل والشاخص في التجربة الشخصية.

وفي أغلب المعارك والحروب، يسهُل على المتقصي الوقوف على المنجز الروائي المرتبط بها، ولعلني أسوق نماذج وأمثلة للتدليل فقط على تلك الروايات التي ارتبطت بحروب ما، مُذكِّرا بالزمن الذي وقعت فيه الرواية، أو الذي استهدفه السرد “الزمن الحكائي”، والمكان الجغرافي الذي دارت فيه الأحداث “المكان الحكائي”.

ومن هذه النماذج: الروائي العالمي الروسي ليو توليستوي “الحرب والسلم”، الزمن الحكائي: 1812 أثناء الغزو النابليوني لروسيا، المكان الحكائي: روسيا، وقد صدرت الرواية في العام 1969م لأول مرة؛ وتناولت تشريحاً نفسيًّا واجتماعيًّا للحرب وتبعاتها وسياقاتها الموازية في المجتمع الروسي آنذاك، والاجتياح الفرنسي لروسيا ومراحل اندحاره. الروائي ديلفين كولين: برواية “ترحال”، الزمن الحكائي: مطلع الألفية الجديدة، المكان الحكائي: أفغانستان، الحرب: الحرب في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ وتتحدَّث عن فتاتين أوروبيتين تذهبان لأفغانستان للتعرف على تفاصيل الحياة وسط المعارك وأجواء الحرب الدائرة. وكيفين باوزر: “الطيور الصفراء”، الزمن الحكائي: التواجد الأمريكي في العراق بعد العام 2003، المكان الحكائي: العراق، الحرب: الحرب الأمريكية على العراق. ستيفن غالاوي: “عازف الكمان”: الزمن الحكائي: بداية تسعينيات القرن العشرين، المكان الحكائي: البوسنة، الحرب: حرب الصرب على البوسنة؛ حين يسعى عازف كمان لبعث الجمال في روح الخراب من خلال سلالم موسيقية يصنعها العزف على الكمان. وسلمى الحفار الكزبري: “الحب بعد الخمسين” الزمن الحكائي: في ثمانينيات القرن العشرين، المكان الحكائي: لبنان، الحرب: الحرب الأهلية في لبنان، ولذات الروائية أيضاً: “البرتقال المر”، الزمن الحكائي: ما بعد 48 واحتلال فلسطين، المكان الحكائي: فلسطين المحتلة، الحرب: احتلال فلسطين من قبل إسرائيل. ولا كاريه: “المطلوب الأول الأكثر أهمية”، الزمن الحكائي: ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، المكان الحكائي: عدة دول، الحرب: الحرب على الإرهاب؛ وتُعنى الرواية بالحروب التي تشنها أمريكا والغرب على الإرهاب. وجمال الغيطاني: “الرفاعي”، الزمن الحكائي: 1973، المكان الحكائي: مصر وفلسطين، الحرب: حرب أكتوبر 1973؛ وتتناول الرواية قصة العميد الرفاعي -أحد القادة المصريين الذين استشهدوا في الحرب- معرجة على المناخات التي صاحبت الحرب بكل مستوياتها. وإتيان دي مونتيتي: “طريق السلام”، الزمن الحكائي: أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، المكان الحكائي: البوسنة والهرسك، الحرب: حرب التطهير العرقي الصربية في البوسنة والهرسك؛ وتتناول قصة صديقين ينضم أحدهما لمعسكر المجاهدين والآخر للقوات الخاصة. وسورج شلاندون: “الجدار الرابع”، الزمن الحكائي: مطلع الثمانينيات، المكان الحكائي: لبنان، الحرب: الاجتياح الإسرائيلي للبنان والحرب الأهلية؛ وتغطي الرواية تفاصيل المكان من خلال السعي لإقامة عرض مسرحي يكون ممثلوه من الأطراف المتحاربة. قاسم حول: “على أبواب بغداد”، الزمن الحكائي: عام 2003م، المكان الحكائي: العراق، الحرب: الحرب على العراق؛ وتتناول الرواية -من خلال قصة مصور تليفزيوني وصحفي- وصفا للظروف التي رافقت الحرب ومآلاتها على الصعيدين الفردي والوطني للعراقيين. و فريدريك فورسيث: “قبضة الحرب”، الزمن الحكائي: مطلع التسعينيات، المكان الحكائي: الخليج العربي، الحرب: حرب الخليج الأولى. وإسنام تاليتش:”قصة سربرنيتسا”، الزمن الحكائي: التسعينيات من القرن العشرين، المكان الحكائي: البوسنة، الحرب: حرب الصرب على البوسنة والهرسك. وحنا مينه: “المرصد”، الزمن الحكائي: عام 1973م، المكان الحكائي: الشرق الأوسط/الجبهة السورية، الحرب: حرب تشرين/أكتوبر، ولذات المؤلف -وبالاشتراك مع نجاح العطار- مجموعة قصصية بعنوان: “من يذكر تلك الأيام”، كانت من حكايا الجنود المرابطين في الجبهة السورية في حرب أكتوبر 73، وآرنست همنجواي: “لمن تدق الأجراس”، الزمن الحكائي: 1936، المكان الحكائي: إسبانيا، الحرب: الحرب الأهلية في إسبانيا؛ تتناول الرواية تفاصيل الحرب الأهلية بحكم العمل الصحفي لهمنجواي، والذي أوقفه على تفاصيل الأحداث بشكل أعانه على صياغة عمل روائي اشتقت تفاصيله من الميدان، مُقتربة من الفضاءات النفسية، فضلا عن الظروف والملابسات والتبعات الأخرى لهذه الحرب. حسن محسب: “المصير”، الزمن الحكائي: 1973، المكان الحكائي: مصر/الإسماعيلية، الحرب: حرب أكتوبر 73؛ وتتناول البطولات الشعبية التي أظهرها المواطنون واستبسالهم أثناء الحرب. وعبدالسلام العجيلي: “أزاهير تشرين المدماة”، الزمن الحكائي: 1973، المكان الحكائي: الجبهة السورية في حرب أكتوبر، الحرب: حرب أكتوبر 73.

وهناك العديد من الروايات التي ساهمت في فهم السياق الموازي للمعارك والحروب،وساعدت في بعث قيم السلام والانتصار لروح الإنسان، باعتبارها قيمة مركزية في التعاطي الأدبي مع مختلف تجاذبات وانعطافات الحياة.

لقد رصدتْ الآداب والفنون الحروب، وحاول بعضها أن يرمي مغناطيسا جاذبا في نواة الوعي الإنساني العام -كما فعلت وتفعل دومًا وأبدًا الصورة التي التقطها الصحفي “نيك آوت”، وكانت المحفز الأبدي لدمعة الطيار المقاتل جون بلامار، الذي قصف بالقنابل المدمرة مدينة فيتنامية خرجت على إثرها طفلة “آنذاك” تهرول بهلع وهي عارية؛ ليلتقط الصحفي صورتها التي اخترقت كل قلب، وبيت، وكانت سببًا في بعث الرأي العام المعارض للحرب وتصاعده، إلى أن توقفت الحرب على فيتنام.

… إنَّ الأسفَ العميق الباكي الذي أبداه الطيار الأمريكي جون بلامار وهو يصافح “كيم فوك”، بعد مرور سنين طوال على انتهاء الحرب.. تلك الطفلة التي كبرت وتحوَّلت لناشطة سياسية وفاعلة مجتمعية ضد الحروب والقتل والدمار، إنَّ هذا الأسف هو الذي تبحث عنه الآداب قبل وأثناء وبعد المعارك، حتى تقف البشرية عند نبع المحبة والسلام، ممجِّدة السلاح الأوحد الذي قالته ورفعته “كيم فوك” في مقولتها الأبرز: “إنَّ التسامح أقوى بكثير من أي سلاح في العالم”.

3,717 total views, 2 views today