سعود‭ ‬الحارثي
كاتب‭ ‬وباحث

قدمنا‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬المقال‭ -‬الذي‭ ‬نشرته‭ “‬شرق‭ ‬غرب‭”- ‬تعريفات‭ ‬مُتعدِّدة‭ ‬للرسالة،‭ ‬وبيَّنا‭ ‬أهميتها‭ ‬وقيمتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬وشخصياتها‭ ‬وتعدُّد‭ ‬أغراضها،‭ ‬وعرضنا‭ ‬لنماذج‭ ‬منها،‭ ‬وسوف‭ ‬نُكمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬محاور‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬يَعْرِض‭ ‬لها‭ ‬المقالُ‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ – ‬نوفمبر‭ ‬2017م‭. 

تسيرُ‭ ‬الرسالة‭ ‬مع‭ ‬القافلة،‭ ‬وعلى‭ ‬البواخر‭ ‬والسفن،‭ ‬أشهر‭ ‬وأسابيع،‭ ‬تجتازُ‭ ‬بحارًا‭ ‬ومُحيطات‭ ‬ودولًا‭ ‬ومَنَاطق،‭ ‬صَحاري‭ ‬وجبالا؛‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬والإنسان‭ ‬اللذين‭ ‬تقصدهما؛‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬أمًّا‭ ‬أم‭ ‬أبًا‭ ‬أم‭ ‬أسرة،‭ ‬صديقًا‭ ‬أم‭ ‬حاكمًا‭ ‬أم‭ ‬شيخًا،‭ ‬أديبًا‭ ‬عالمًا‭…‬إلخ،‭ ‬وتنثرُ‭ ‬الرسالة‭ ‬أجواءَ‭ ‬الفرح‭ ‬والسعادة‭ ‬إذا‭ ‬أتت‭ ‬بأخبارٍ‭ ‬سارَّة،‭ ‬ومعلومات‭ ‬مطمئنة،‭ ‬ومكاسب‭ ‬ونجاحات‭ ‬مُنتَظَرة‭ ‬لعملٍ‭ ‬أو‭ ‬تجارةٍ،‭ ‬وأرباحٍ‭ ‬واستقرار،‭ ‬عن‭ ‬الأحباب‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والأقرباء،‭ ‬وأجواء‭ ‬يلفُّها‭ ‬الحزن‭ ‬والألم‭ ‬والقلق‭ ‬والخوف‭ ‬والأسف‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تتضمَّن‭ ‬أخبارًا‭ ‬لوفاةٍ،‭ ‬أو‭ ‬مرض،‭ ‬أو‭ ‬جفافٍ،‭ ‬أو‭ ‬اضطرابٍ،‭ ‬أو‭ ‬خسارة‭. ‬وتعيشُ‭ ‬الزَّوجة‭ ‬والأم‭ ‬والأب‭ ‬والأبناء‭ ‬أشهر‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الانتظار،‭ ‬وتلقَّف‭ ‬الأخبار‭ ‬وتوالِي‭ ‬الأسئلة‭ ‬عن‭ ‬رسائل‭ ‬الأزواج‭ ‬والآباء‭ ‬والأبناء‭ ‬التي‭ ‬يتسلَّمونها‭ ‬بشوقٍ‭ ‬وحبٍّ‭ ‬وسعادةٍ‭ ‬بالغة،‭ ‬ويتحوَّل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬عيد،‭ ‬يظلون‭ ‬يقرأون‭ ‬فيه‭ ‬الرسالة‭ ‬مرَّات‭ ‬ومرات،‭ ‬تتناولها‭ ‬الأيادي،‭ ‬وتتشمَّمها‭ ‬الأنوف،‭ ‬ويحلِّلون‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬فيها،‭ ‬ويضعُون‭ ‬التوقعات،‭ ‬ويتخيَّلون‭ ‬حياةَ‭ ‬الحبيب‭ ‬البعيد‭ ‬وفقًا‭ ‬لذلك‭ ‬التحليل‭.‬‭ ‬أطفالٌ‭ ‬وشبابٌ‭ ‬وكهول،‭ ‬يستقبلون‭ ‬القافلة‭ ‬التي‭ ‬وصلتْ‭ ‬للتوِّ‭ ‬قادمةً‭ ‬من‭ ‬زنجبار‭ -‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭- ‬مُرُورًا‭ ‬بمسقط؛‭ ‬حيث‭ ‬تُستبدل‭ ‬الجِمال‭ ‬الصحراوية‭ ‬بالسفن‭ ‬البحرية،‭ ‬يبدأ‭ ‬رجالُ‭ ‬القافلة‭ ‬في‭ ‬فكِّ‭ ‬الحبال‭ ‬المعقودة،‭ ‬وإنزال‭ ‬الأثقال‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬ظُهور‭ ‬الجِمال،‭ ‬وأبناء‭ ‬البلدة‭ ‬جميعًا‭ ‬يُراقبون‭ ‬بقلق‭ ‬وينتظرُون‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر؛‭ ‬فالزمن‭ ‬يمرُّ‭ ‬ثقيلا‭ ‬وئِيدا‭ ‬ما‭ ‬بَيْن‭ ‬وصول‭ ‬القافلة‭ ‬وعملية‭ ‬التوزيع‭ ‬التي‭ ‬يتمُّ‭ ‬فيها‭ ‬إيصال‭ ‬الرسائل‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها‭.. ‬زوجة‭ ‬تتسلَّم‭ ‬مع‭ ‬الرسالة‭ ‬الزاد‭ ‬والمئونة‭ ‬التي‭ ‬بَعَث‭ ‬بها‭ ‬زوجها؛‭ ‬فالغذاء‭ ‬شحيح،‭ ‬والمعيشة‭ ‬شاقة،‭ ‬والأطفال‭ ‬يشكون‭ ‬الجوع‭ ‬والهزال‭. ‬عجوزٌ‭ ‬طاعِنة‭ ‬في‭ ‬العُمر‭ ‬تنتظرُ‭ ‬الاطمئنانَ‭ ‬على‭ ‬ابنها،‭ ‬ومساعدة‭ ‬أو‭ ‬دواء‭ ‬عسَى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بَعَث‭ ‬بهما‭ ‬ولدها‭ ‬القائم‭ ‬في‭ “‬تانجنيكا‭”. ‬أختٌ‭ ‬أضناها‭ ‬الشَّوق‭ ‬إلى‭ ‬توأم‭ ‬روحها،‭ ‬شقيقها‭ ‬الذي‭ ‬تزوَّج‭ ‬وأَلِف‭ ‬العيشَ‭ ‬في‭ ‬زنجبار،‭ ‬تتنسَّم‭ ‬الأخبارَ‭ ‬علَّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدى‭ ‬أفراد‭ ‬القافلة‭ ‬رسالة‭ ‬أو‭ ‬قصيدة‭ ‬تروي‭ ‬بها‭ ‬ظمأ‭ ‬شوقها‭. ‬أخٌ‭ ‬ينتظرُ‭ ‬ما‭ ‬يُفيد‭ ‬إتمام‭ ‬صفقة‭ ‬شراء‭ “‬الشانبة‭”‬،‭ ‬ولديه‭ ‬الأملُ‭ ‬بأنَّ‭ ‬إخوته‭ ‬قد‭ ‬بَعَثوا‭ ‬له‭ ‬بثمن‭ ‬غَلَّتها‭. ‬وآخَر‭ ‬ينتظرُ‭ ‬المبالغ‭ ‬النقدية‭ ‬والتفويضَ‭ ‬الذي‭ ‬بمُوجَبِه‭ ‬سوف‭ ‬يشتري‭ ‬بُستانَ‭ ‬النخيل‭ ‬لابن‭ ‬عمِّه،‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬إلى‭ ‬زنجبار‭ ‬لطلب‭ ‬الرزق‭. ‬أما‭ ‬الشيخ،‭ ‬فنصيبُه‭ ‬عشرات‭ ‬الرسائل‭ ‬بحُكم‭ ‬مكانتِه‭ ‬وعلاقاتِه‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الجرائد‭ ‬والصحف‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬جريدة‭ “‬الفَلَق‭”… ‬يتشمَّمُون‭ ‬الرسائل‭ ‬ويضمُّونها،‭ ‬وتنهلُّ‭ ‬دُموعهم‭ ‬غزيرة‭ ‬مِدْرَارة،‭ ‬ومع‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬أشعلَ‭ ‬الذكريات،‭ ‬وأجَّج‭ ‬المشاعر،‭ ‬وأعادَ‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬الخَلف‭ ‬سنوات،‭ ‬يُصبح‭ ‬كلُّ‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن‭ ‬يُذكِّرهم‭ ‬بحبيب،‭ ‬وأخ،‭ ‬وصديق،‭ ‬وقريب‭… ‬تركُوا‭ ‬الأهل‭ ‬والأحبَّة،‭ ‬فارقوا‭ ‬المكان‭ ‬والنخيل‭ ‬والنسيم‭ ‬والخيل‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬أَلِفُوها‭ ‬وأحبُّوها،‭ ‬وما‭ ‬حَسِبُوا‭ ‬أنَّهم‭ ‬يفارقوها‭ ‬يومًا،‭ ‬تغنَّوا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬أشعارهم‭ ‬وأحاديثهم‭ ‬وسَمَرهم‭. ‬هذه‭ ‬رِسَالة‭ ‬يشكُو‭ ‬فيها‭ ‬صاحبُها‭ ‬آلام‭ ‬الشوق،‭ ‬وزخم‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬تؤرقه،‭ ‬يستعرضُ‭ ‬أمنياته‭ ‬التي‭ ‬يَسَأل‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬تتحقَّق‭: ‬جولة‭ ‬صباحية‭ ‬في‭ ‬بُستانه‭ ‬الظليل‭ ‬والأثير‭ ‬على‭ ‬قلبه،‭ ‬شربة‭ ‬ماء‭ ‬باردة‭ ‬من‭ ‬جحلة‭ ‬مبخَّرة،‭ ‬غَداء‭ ‬مكوَّن‭ ‬من‭ ‬أرز‭ ‬ومعصورة‭ ‬تحت‭ ‬ظل‭ ‬غافة‭ ‬قرب‭ ‬الجدول‭ ‬المائي‭ ‬الرقراق،‭ ‬نسمات‭ ‬كوس‭ ‬باردة‭ ‬مع‭ ‬الصَّحب‭ ‬والأصدقاء‭ ‬في‭ ‬الأمسيات‭ ‬اليومية،‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬القرية‭… ‬رسالةٌ‭ ‬أخرى‭ ‬يطلبُ‭ ‬فيها‭ ‬عمٌّ‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬أخيه‭ ‬الإسراعَ‭ ‬بالسفر‭ ‬إلى‭ ‬زنجبار‭ ‬للزواج‭ ‬من‭ ‬ابنة‭ ‬عمِّه‭ ‬التي‭ ‬أشرفتْ‭ ‬على‭ ‬البُلوغ‭… ‬رسالةٌ‭ ‬ثالثة‭ ‬تتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬إفريقيا،‭ ‬والوضع‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وعن‭ ‬مُجريات‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬والوضع‭ ‬المتأزِّم‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والهندوس‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬القارة‭ ‬الهندية‭… ‬رسالةٌ‭ ‬رابعة‭ ‬تستعرضُ‭ ‬أسعارَ‭ ‬القرنفل،‭ ‬ومُستويات‭ ‬الأمطار،‭ ‬والحقوق‭ ‬المستحقَّة‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬غلَّة‭ ‬القرنفل،‭ ‬سؤالٌ‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬الطقس،‭ ‬وأثمار‭ ‬النخيل،‭ ‬ومناسيب‭ ‬الأفلاج،‭ ‬وسعر‭ ‬البسر‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬والوضع‭ ‬السياسي‭.‬

وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تُرفق‭ ‬بالرسالة‭ ‬ملاحِق‭ ‬تُعْنَون‭ ‬بـ‭”‬لاحقة‭ ‬رقم‭ ‬1‭”‬،‭ ‬و‭”‬لاحقة‭ ‬رقم‭ ‬2‭”‬،‭ ‬وقد‭ ‬تصلُ‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وكل‭ ‬واحدة‭ ‬مِنها‭ ‬تتضمَّن‭ ‬معلومات‭ ‬وأخبارا‭ ‬ومشاهِد‭ ‬مُستجدَّة‭ ‬طرأت‭ ‬بعد‭ ‬كتابة‭ ‬الرسالة‭ ‬الأولى‭ (‬الأصل‭)‬؛‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬فترةِ‭ ‬انتظار‭ ‬مَوْعِد‭ ‬انطلاقة‭ ‬القافلة،‭ ‬أو‭ ‬الشخص‭ ‬المسافر‭ ‬الذي‭ ‬سيحملُ‭ ‬الرسالة‭. ‬وتؤكد‭ ‬الإحصائيات‭ ‬والإصدارات‭ ‬المتواصلة،‭ ‬وما‭ ‬تُظْهِره‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للوثائق‭ ‬والمحفوظات‭ ‬الوطنية،‭ ‬في‭ ‬معارضها‭ ‬السنوية‭ -‬ومن‭ ‬بينها‭: ‬عرض‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تمَّ‭ ‬استلامها‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬وإبراز‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تمَّت‭ ‬في‭ ‬توثيقها‭ ‬وأرشفتها‭- ‬وما‭ ‬تحتفظُ‭ ‬به‭ ‬المكتبات‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭ ‬والمتاحف‭ ‬المتعددة،‭ ‬على‭ ‬غزارة‭ ‬الرسائل‭ ‬القديمة،‭ ‬وقيمتها‭: ‬التاريخية،‭ ‬والأدبية،‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وتعدُّد‭ ‬أغراضها‭ ‬وانتشارها‭ ‬على‭ ‬مِسَاحات‭ ‬واسعة‭ ‬داخل‭ ‬السلطنة‭ ‬وخارجها‭. ‬وتعدُّ‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬اليوم‭ ‬مصدرًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬للباحث‭ ‬والكاتب‭ ‬في‭ ‬مُختلف‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬يكتُب‭ ‬فيها‭: ‬التاريخية،‭ ‬والفقهية،‭ ‬والأدبية،‭ ‬وسِيَر‭ ‬الشخصيات،‭ ‬واعتمدتْ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والكتب‭ ‬والمؤلفات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬حديثا‭ ‬عليها،‭ ‬والتي‭ ‬تطلبت‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والتنقيب،‭ ‬والمقارنات‭ ‬والترميم،‭ ‬وفك‭ ‬الخط‭ ‬والرمز،‭ ‬ومعالجة‭ ‬بعض‭ ‬الإشكالات،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬لبعضها،‭ ‬وقد‭ ‬استثمرَ‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالتأليف‭ ‬والكتابة‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬في‭ ‬المكتبات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬وفي‭ ‬خزانات‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬وأبنائهم‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬البارزة‭ ‬خاصة،‭ ‬والعلماء‭ ‬الذين‭ ‬ارتبطُوا‭ ‬بعلاقات‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬وشرائح‭ ‬البشر‭ ‬داخل‭ ‬السلطنة‭ ‬أو‭ ‬خارجها،‭ ‬وتحمَّلوا‭ ‬عبء‭ ‬القضايا‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وكانوا‭ ‬أطرافا‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القضاء‭ ‬والإفتاء‭ ‬والصلح‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وشهودا‭ ‬ووكلاء‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬وكتابة‭ ‬الوصية‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬عبر‭ ‬التوثيق‭ ‬الخطي،‭ ‬وتمَّ‭ ‬توثيق‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬وإلحاقها‭ ‬كمرفقات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الكتب،‭ ‬وهي‭ ‬خدمةٌ‭ ‬أخرى‭ ‬جليلة‭ ‬للمكتبة،‭ ‬والباحثين‭ ‬الآخرين،‭ ‬والأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬وحفظه‭ ‬من‭ ‬التلف،‭ ‬وتقديمه‭ ‬كمصدر‭ ‬مهم‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والكتابة‭. ‬فالدكتور‭ ‬محسن‭ ‬بن‭ ‬حمود‭ ‬الكندي‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬الذي‭ ‬اشتغل‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ “‬السيرة‭”‬،‭ ‬وتناول‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬العُمانية‭ -‬في‭ ‬كتبه‭: “‬الصحافة‭ ‬العُمانية‭ ‬المهاجرة‭: ‬صحيفة‭ ‬الفلق‭ ‬وشخصياتها‭.. ‬الشيخ‭ ‬هاشل‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬المسكري‭ ‬نموذجا‭”‬،‭ ‬و‭”‬عبدالله‭ ‬الطائي‭ ‬وريادة‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬عُمان‭”‬،‭ ‬و‭”‬الشيبة‭ ‬أبو‭ ‬بشير‭ ‬مُحمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬السالمي‭.. ‬رحلة‭ ‬حياة‭ ‬ومسيرة‭ ‬واقع‭”- ‬اعتمدَ‭ ‬اعتمادًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬على‭ ‬الرسائل‭ ‬كمصدرٍ‭ ‬أساسيٍّ‭ ‬لها؛‭ ‬فكتابه‭ ‬الأخير‭ -‬الذي‭ ‬صَدر‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬مجلدات،‭ ‬عن‭ ‬رياض‭ ‬الريس‭ ‬للكتب‭ ‬والنشر‭- ‬تمَّ‭ ‬تخصيص‭ ‬المجلديْن‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬بعنوان‭ “‬الوثائق‭ ‬والمدونات‭”‬،‭ ‬واللذين‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬صفحاتهما‭ ‬الـ700‭ ‬صفحة،‭ ‬لرسائل‭ “‬الشيبة‭”‬،‭ ‬ويتحدَّث‭ ‬الباحث‭ ‬الدكتور‭ ‬محسن‭ ‬الكندي‭ ‬عن‭ ‬الإشكالات‭ ‬والمعيقات‭ ‬التي‭ ‬واجهته‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل؛‭ ‬إذ‭ “‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬من‭ ‬وثائق‭ ‬الشيبة‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬رسائله،‭ ‬بالأمر‭ ‬الهيِّن‭ ‬الميسور،‭ ‬وقد‭ ‬كلَّفنا‭ ‬مرارًا‭ ‬السفر‭ ‬والتنقُّل‭ ‬داخل‭ ‬عُمان‭ ‬وخارجها‭ ‬مئات‭ ‬الكيلومترات‭…”. ‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬ثمَّة‭ ‬مُعضِلة‭ ‬أخرى‭ ‬أحاطتْ‭ ‬برسائل‭ ‬الشيبة؛‭ ‬فعلى‭ ‬الرَّغم‭ ‬من‭ ‬كَثْرَتها،‭ ‬لم‭ ‬نستَطِع‭ ‬الوصولُ‭ ‬إليها‭ ‬بصُورة‭ ‬مُكتملِة؛‭ ‬لعدم‭ ‬وُجُود‭ ‬أصول‭ ‬لها‭ ‬بأيدِي‭ ‬من‭ ‬وُجِّهت‭ ‬إليهم،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الرَّغبة‭ ‬في‭ ‬إبدائِها‭..”. ‬واستفادَ‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬الفلاحي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬بطين‭.. ‬لمحات‭ ‬عنها‭ ‬تذكرة‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭” ‬من‭ ‬الرسائل‭ -‬التي‭ ‬استحوذتْ‭ ‬على‭ ‬الشَّطر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭- ‬في‭ ‬رَصْد‭ ‬تاريخ‭ ‬قريته،‭ ‬والتقديم‭ ‬لشخصياتها،‭ ‬والتعريف‭ ‬بإسهاماتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعلمية،‭ ‬وضِمن‭ ‬كتابِه‭ -‬الذي‭ ‬طُبع‭ ‬على‭ ‬نفقة‭ ‬مؤسسة‭ “‬الرؤيا‭” ‬للصحافة‭ ‬والنشر‭- ‬مُرفق‭ ‬دَسِم‭ ‬منها،‭ ‬تصوِّر‭ ‬حركة‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬بطين‭ ‬وعدد‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الشخصيات،‭ ‬وتسلِّط‭ ‬الضَّوء‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأدبية‭ ‬لمرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭ ‬القرن،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وثائق‭ ‬كثيرة؛‭ ‬منها‭: “‬الوكالات‭ ‬والوصايا‭ ‬وصكوك‭ ‬البيع‭…”‬،‭ ‬وقد‭ ‬تمَّ‭ ‬أخذها‭ ‬كعينة‭ -‬عشوائيًّا‭ ‬كنموذج‭ ‬لأمثالها‭- ‬والتي‭ ‬ينعِي‭ ‬الكاتب‭ ‬ضياعَ‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ “‬بفعل‭: ‬الرمة،‭ ‬والمطر،‭ ‬ومرور‭ ‬السنين‭”. ‬وتضمنت‭ “‬موسوعة‭ ‬عُمان‭ ‬الوثائق‭ ‬السرية‭” -‬التي‭ ‬أعدها‭ ‬وترجمها‭ ‬الأخ‭ ‬مُحمَّد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬الحارثي‭- ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬ضمن‭ ‬ملاحقها،‭ ‬تعرضُ‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬وشخصيات‭ ‬المرحلة،‭ ‬ودورها‭ ‬التي‭ ‬تغطيها‭ ‬الموسوعة‭. ‬واحتوَى‭ ‬كتابي‭ “‬من‭ ‬زنجبار‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬السلام‭” -‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ “‬بيت‭ ‬الغشام‭” ‬للنشر‭ ‬والترجمة‭- ‬على‭ ‬ثلاثٍ‭ ‬وثلاثين‭ ‬رسالة‭ ‬لمراحل‭ ‬زمنية‭ ‬ومواضيع‭ ‬متعددة‭ ‬ولطوابع‭ ‬قديمة‭ ‬ما‭ ‬زلتُ‭ ‬أحتفظُ‭ ‬بها‭ ‬ضمن‭ ‬ملفِّ‭ ‬الرسائل‭. ‬ويبذلُ‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ -‬من‭ ‬أمثال‭: ‬مُحمد‭ ‬بن‭ ‬عامر‭ ‬العيسري،‭ ‬وسلطان‭ ‬بن‭ ‬مبارك‭ ‬الشيباني‭- ‬جهودًا‭ ‬مُقدَّرة‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ “‬ذاكرة‭ ‬عُمان‭”‬؛‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬القديمة‭ ‬كمصدر‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬التحقيق‭ ‬لعشرات‭ ‬المخطوطات‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والمؤلفات‭ ‬وسير‭ ‬العلماء‭ ‬والأدباء،‭ ‬ونشرها‭ ‬تباعًا،‭ ‬ولهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬إنجازات‭ ‬مُقدَّرة‭ ‬يشكرون‭ ‬عليها‭. ‬وتعرضُ‭ ‬بعض‭ ‬الرسائل‭ ‬لتفاصيل‭ ‬دقيقة،‭ ‬وتناولت‭ ‬مواضيع‭ ‬تتَّسم‭ ‬بالشمولية‭ ‬والتنوع،‭ ‬ونقلتْ‭ ‬في‭ ‬صفحاتها‭ ‬أحداثًا‭ ‬وتطورات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية؛‭ ‬فتَتَعاظم‭ ‬بذلك‭ ‬قيمتُها‭ ‬لتكون‭ ‬مصدرًا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والكتب،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬أغراضها،‭ ‬لتعدُّد‭ ‬وشمولية‭ ‬موضوعات‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬ومحاورها،‭ ‬ويصلُ‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الصفحات،‭ ‬وتصلح‭ ‬بعد‭ ‬مراجعتها‭ ‬وتنقيحها‭ ‬لتصدر‭ ‬في‭ ‬كتيبات‭ ‬صغيرة‭ ‬مطبوعة‭ ‬مع‭ ‬الملحق‭ ‬أصل‭ ‬الرسالة،‭ ‬وهو‭ ‬مشروعٌ‭ ‬لو‭ ‬تبنَّته‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬المختصة‭ ‬لتمكنا‭ ‬بحقٍّ‭ ‬من‭ ‬حفظ‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬العُمانية‭.‬

وصحَّحت‭ ‬العديدُ‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬مفاهيم‭ ‬وقناعات‭ ‬وأخطاء‭ ‬تاريخية،‭ ‬وأبرزت‭ ‬أحداثًا‭ ‬اجتماعيَّة‭ ‬وسياسيَّة‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬بعضُ‭ ‬الباحثين،‭ ‬أو‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬أحاديث‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬وقدَّمت‭ ‬معلومات‭ ‬قيمة‭ ‬لتواريخ‭ ‬ووفيات‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات،‭ ‬وسجَّلت‭ ‬ما‭ ‬قدموه‭ ‬للمكتبة‭ ‬من‭ ‬مؤلفات‭ ‬وأعمال‭ ‬وآراء‭ ‬وفتاوى‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات‭. ‬وتضمَّنت‭ ‬تفصيلات‭ ‬دقيقة‭ ‬لأحداث‭ ‬تاريخية‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬معلومة‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬كتبُوا‭ ‬عنها،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مشروعاتهم‭ ‬في‭ ‬طَوْر‭ ‬الإعداد‭. ‬وأعرف‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬تأخَّرت‭ ‬لسنوات‭ ‬لأسباب‭ ‬فنية،‭ ‬أو‭ ‬لنقص‭ ‬أو‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬معلومة‭ ‬أساسية‭ ‬أو‭ ‬تثبتا‭ ‬في‭ ‬التحقيق‭.. ‬وجاء‭ ‬التأخير‭ ‬لصالح‭ ‬تلك‭ ‬المشروعات‭ ‬الكتابية‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬رسائل‭ ‬مهمة‭ ‬ذات‭ ‬علاقة‭ ‬بها‭ ‬أضافت‭ ‬جديدا‭ ‬عليها‭. ‬ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أنْ‭ ‬يتعامَل‭ ‬البعضُ‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬إرثًا‭ ‬خاصًّا،‭ ‬وشأنًا‭ ‬من‭ ‬شُؤون‭ ‬الأسرة،‭ ‬وسرًّا‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬الآباء‭ ‬لا‭ ‬يُعلنون‭ ‬عن‭ ‬وجودها،‭ ‬ولا‭ ‬يُبادرون‭ ‬إلى‭ ‬تقديمها‭ ‬للجهات‭ ‬الخاصة‭ ‬لترمِيمها،‭ ‬وتصويرها،‭ ‬وتوثيقها‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬بقاءها‭ ‬حيَّة‭ ‬مدى‭ ‬الزمن‭. ‬ولا‭ ‬يسمحون‭ ‬حتَّى‭ ‬للباحثين‭ ‬والمشتغلين‭ ‬بالتأليف‭ ‬بالاطلاع‭ ‬عليها،‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬لخدمة‭ ‬مشاريعهم‭ ‬الكتابية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الجرعات‭ ‬التوعوية‭ ‬لإقناع‭ ‬هؤلاء‭ ‬بأنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬هي‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للوطن،‭ ‬وتعدُّ‭ ‬اليوم‭ ‬مِلكًا‭ ‬عامًّا‭ ‬ووثيقة‭ ‬وطنية‭ ‬لا‭ ‬يجُوز‭ ‬التكتم‭ ‬عليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬شيئا‭ ‬شخصيًّا‭.‬

وتُشكِّل‭ ‬رسائل‭ ‬الحُكَّام‭ ‬والزعماء‭ ‬عبر‭ ‬الفترات‭ ‬الزمنية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬مادة‭ ‬خصبة‭ ‬لدراسة‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية،‭ ‬واهتمامات‭ ‬أولئك‭ ‬الزعماء،‭ ‬ورصد‭ ‬مُستوى‭ ‬الثقافة‭ ‬والحنكة‭ ‬والإدارة‭ ‬التي‭ ‬يتمتَّعون‭ ‬بها،‭ ‬وعُمق‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬ربطتهم‭ ‬بشيوخ‭ ‬القبائل‭ ‬وشرائح‭ ‬المجتمع،‭ ‬وسرعة‭ ‬وبساطة‭ ‬التواصل‭ ‬مقارنة‭ ‬باليوم،‭ ‬وأهمية‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وتعزيز‭ ‬الولاءات،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬وتكوين‭ ‬رأي‭ ‬يكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭ ‬والصواب،‭ ‬وتعود‭ ‬نتائجه‭ ‬لصالح‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬الأطراف‭ ‬المتصارِعة‭ ‬والمتنافرة،‭ ‬أو‭ ‬لطرف‭ ‬من‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬بمحتوى‭ ‬الرسالة،‭ ‬هذا‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تُمثلها‭ ‬وأحداثها‭. ‬وتقدِّم‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬كذلك‭ ‬صورةً‭ ‬أخرى‭ ‬للتعرُّف‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬والمناطق‭ ‬التي‭ ‬تُهيمن‭ ‬عليها،‭ ‬ومقدار‭ ‬التغيُّر‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬السياسية‭ ‬توسعًا،‭ ‬أو‭ ‬انكماشًا،‭ ‬وأسماء‭ ‬البلدان‭ ‬والسياسات‭. ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬أنَّ‭ ‬الأرشيف‭ ‬العُماني‭ ‬يتضمَّن‭ ‬كمًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬التواصل،‭ ‬وعُمق‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الحُكام‭ ‬والشيوخ‭ ‬والشخصيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬مُختلف‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬تُعبِّر‭ ‬عن‭ ‬الحميمية‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وتأكيدا‭ ‬لهذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬مُرَاجعتي‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬يدخل‭ ‬تصنيفها‭ ‬ضِمن‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬وتحتفظُ‭ ‬بها‭ ‬مكتبتي‭ ‬الخاصة،‭ ‬فسوف‭ ‬أعرضُ‭ ‬بعضَ‭ ‬النماذج‭ ‬باختصار‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬المساحة‭ ‬المخصَّصة‭ ‬للمقال‭: ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬بن‭ ‬فيصل‭ ‬من‭ ‬مومباي‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬أبريل‭ ‬1953م،‭ ‬والتي‭ ‬تميَّزت‭ ‬بخط‭ ‬عربي‭ ‬أنيق‭ ‬تضمَّنت‭ ‬خبرا‭ ‬بـ‭”‬عودة‭ ‬السلطان‭ -‬أيده‭ ‬الله‭- ‬من‭ ‬لندن‭ ‬إلى‭ ‬عدن،‭ ‬ومنها‭ ‬قصد‭ ‬ظفار‭”‬،‭ ‬والمقصود‭ ‬بالطبع‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬مع‭ ‬الدعاء‭ ‬بأن‭ “‬يسُر‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬مُحب،‭ ‬ويكبِت‭ ‬كلَّ‭ ‬حسُود‭ ‬جهول‭…”‬،‭ ‬فقد‭ ‬عرَّفتنا‭ ‬الرسالة‭ ‬بأنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬زار‭ ‬عدن‭ ‬بعد‭ ‬لندن،‭ ‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬استشعار‭ ‬بنعمة‭ ‬الأمن،‭ ‬وضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬بالعمل‭ ‬والدعاء‭: “‬وما‭ ‬ذكرته‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬والاطمئنان،‭ ‬فيلزمنا‭ ‬سرًّا‭ ‬أن‭ ‬نشكر‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ونحمده‭ ‬على‭ ‬نعمه‭ ‬ومننه‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬ولا‭ ‬تحصى‭..”. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬مايو‭ ‬1954،‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬مؤلمة‭ ‬وصفها‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ “‬بداهية‭ ‬الدهياء‭.. ‬موت‭ ‬العلامة‭ ‬الخليلي‭”‬؛‭ ‬فبسبب‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬المتجاذِبة‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬والسلطنة‭ ‬آنذاك،‭ ‬نجد‭ ‬أنَّه‭ ‬لم‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ ‬لقب‭ ‬إمام،‭ ‬رغم‭ ‬أنَّه‭ ‬مُنتخب‭ ‬ومُعترف‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مُعظم‭ ‬العُمانيين‭. ‬وبرغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الخلافَ‭ ‬لم‭ ‬يُنقص‭ ‬من‭ ‬قدره‭ ‬ومكانته‭ ‬عنده‭ -‬فالرجال‭ ‬تقدِّر‭ ‬الرجال‭- ‬في‭ ‬وصف‭ ‬خسارته‭ ‬الكبيرة‭. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬8‭ ‬جمادى‭ ‬الأولى‭ ‬1372‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬السَّفر‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬عُمان‭: “‬فقد‭ ‬اقتضتْ‭ ‬بعضُ‭ ‬المصالح‭ ‬بالسفر‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بعد‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مسقط،‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬ولدنا‭ ‬قابوس‭ ‬بظفار‭…”. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭: “‬وكما‭ ‬علمت‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬البريطانية‭ ‬توسَّطت‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬البريمي‭..”. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬أُرِّخت‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬شوال‭ ‬1376،‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ “‬الأخ‭ ‬طارق‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬وجَّهناه‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الطرف‭ ‬ومعه‭ ‬الجنود‭… ‬فنأمُركم‭ ‬بأن‭ ‬تكونوا‭ ‬معه‭ ‬بكل‭ ‬جد‭ ‬واجتهاد‭…”‬،‭ ‬وهي‭ ‬إشاراتٌ‭ ‬مُوثَّقة‭ ‬بالتواريخ،‭ ‬تُقدِّم‭ ‬معلومات‭ ‬موجزة‭ ‬تفي‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬مصدرًا‭ ‬مُوثوقا‭ ‬لأيِّ‭ ‬عمل‭ ‬كتابي‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بها‭. ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬السيد‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬فيصل‭ ‬بن‭ ‬تركي،‭ ‬وهو‭ ‬عم‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬تاريخها‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬شوال‭ ‬1366‭ ‬هجري،‭ ‬مما‭ ‬تضمَّنته‭: “‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬سُكون،‭ ‬وفي‭ ‬27‭ ‬رمضان‭ ‬حَصل‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬استقلال‭ ‬الهند،‭ ‬وتقرر‭ ‬بها‭ ‬حكومتان؛‭ ‬الواحدة‭ ‬منهما‭ ‬للهنود‭ ‬المسلمين‭ ‬وأُطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬حكومة‭ ‬باكستان‭ ‬وعاصمتهم‭ ‬كراتشي،‭ ‬وثانية‭ ‬حكومة‭ ‬الهند‭ ‬للهندوس‭ ‬وعاصمتهم‭ ‬دلهي،‭ ‬وبومباي‭ ‬صارت‭ ‬لهم،‭ ‬وقد‭ ‬قُسمت‭ ‬الهند‭ ‬كلها‭ ‬بينهما،‭ ‬وحسب‭ ‬الاتفاق‭ ‬الواقع‭ ‬تقرَّر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬تحت‭ ‬الاتحاد‭ ‬البريطاني‭..”. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬ثاني‭ -‬ديوان‭ ‬حاكم‭ ‬قطر‭- ‬أكَّدت‭ ‬أن‭ “‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬استقامَ‭ ‬عليه‭ ‬الأسلاف‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭ ‬لن‭ ‬يزيده‭ ‬إنْ‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬مرَّ‭ ‬الأزمان‭ ‬إلا‭ ‬تَوكيدا‭ ‬أمام‭ ‬التيارِ‭ ‬الطاغي،‭ ‬وفَّقنا‭ ‬الله‭ ‬وأياكم‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬جمع‭ ‬الكلمة،‭ ‬ولم‭ ‬الشعث،‭ ‬وخذل‭ ‬أعداء‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭..‬‭.”. ‬وتعبر‭ ‬رسالة‭ ‬صقر‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬القاسمي،‭ ‬بتاريخ‭ ‬20‭/‬5‭/‬1369‭ ‬هجري،‭ ‬والتي‭ ‬طبع‭ ‬على‭ ‬صفحتها‭ ‬شعارٌ‭ ‬باللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والإنجليزية،‭ ‬بعنوان‭: “‬سلطان‭ ‬بن‭ ‬صقر‭ ‬القاسمي،‭ ‬الشارقة‭ – ‬ساحل‭ ‬عُمان‭)‬،‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬وصداقة‭ ‬متينة‭ ‬مع‭ ‬المرسل‭: “‬تحيات‭ ‬عاطرة،‭ ‬وأشواق‭ ‬حارة‭ ‬تغشى‭ ‬صاحب‭ ‬القول‭ ‬الفصل‭ ‬والشهامة‭ ‬والنبل‭ ‬أخي‭ ‬الهمام‭ ‬الأبر،‭ ‬حميد‭ ‬الفضائل‭ ‬والخصائل‭ ‬الشيخ‭… ‬كان‭ ‬بوُدِّي‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬العزيز‭ ‬أن‭ ‬أبل‭ ‬صَدى‭ ‬قلبي‭ ‬بمشاهدتكم‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭…”‬،‭ ‬وتؤكِّد‭ ‬الرسالة‭ ‬أنَّ‭ ‬تواصلا‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬واهتمامًا‭ ‬أدبيًّا‭ ‬مُشتركا‭ ‬بين‭ ‬المرسل‭ ‬والمرسل‭: “‬الواصل‭ ‬إليكم‭ ‬ديوان‭ ‬شاعر‭ ‬النيل‭ ‬وفقيد‭ ‬الشعر‭ ‬مُحمد‭ ‬حافظ‭ ‬بك،‭ ‬هدية‭ ‬وذكرى؛‭ ‬فعَسَاه‭ ‬يحوز‭ ‬القبول‭…”‬،‭ ‬وما‭ ‬أجملها‭ ‬وأثمنها‭ ‬من‭ ‬هدية‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬إلى‭ ‬صديقه‭. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬ديسمبر‭ ‬1961م،‭ ‬أشارتْ‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ “‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭”‬،‭ ‬تضمَّنت‭ ‬ردًّا‭ ‬على‭ ‬تعزية‭ ‬مُوجَّهة‭ ‬له‭ ‬بوفاة‭ ‬والده‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭. ‬تؤكِّد‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬المختصرة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التواصل،‭ ‬وحجم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬والحكام‭ ‬والزعماء‭ ‬داخل‭ ‬السلطنة‭ ‬وخارجها،‭ ‬وتقدِّم‭ ‬الإشارات‭ ‬التي‭ ‬تضمَّنتها‭ ‬معلومات‭ ‬تصلُح‭ ‬لأنْ‭ ‬تكون‭ ‬مَصَادر‭ ‬يُمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها،‭ ‬ومقارنتها‭ ‬بالمصادر‭ ‬الأخرى،‭ ‬أو‭ ‬تعزيزها،‭ ‬والإضافة‭ ‬إليها،‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الدراسات‭ ‬وتقديم‭ ‬المؤلفات‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬وأحداث‭ ‬المراحل‭ ‬التاريخية‭.‬

الخلاصة‭:‬
تُؤكِّد‭ ‬المشاهدات‭ ‬والنماذج‭ ‬التي‭ ‬عَرَض‭ ‬لها‭ ‬المقال‭ ‬في‭ ‬جزأيه،‭ ‬والإصدارات‭ ‬العُمانية‭ ‬المُتَتابعة‭ ‬التي‭ ‬تعتمدُ‭ ‬على‭ ‬الرِّسالة‭ ‬كمصدرٍ‭ ‬أساسيٍّ‭ ‬من‭ ‬مَصادرها،‭ ‬والمعارض‭ ‬التي‭ ‬تُقيمها‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للمخطوطات‭ ‬والوثائق‭ ‬الوطنية،‭ ‬على‭ ‬غزارة‭ ‬الرسائل‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬نتاجًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬للازدهار‭ ‬الذي‭ ‬شهدتهُ‭ ‬الحضارة‭ ‬العُمانيَّة،‭ ‬وعلاقة‭ ‬العُمانيين‭ ‬العَميقة‭ ‬مع‭ ‬مُختلف‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب،‭ ‬وإسهاماتهم‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬الإنسانية‭ ‬العلمية،‭ ‬وأسفارهم‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الرزق،‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والصيد،‭ ‬وربانا‭ ‬وقادة‭ ‬وعاملين‭ ‬في‭ ‬مَجالات‭ ‬مُتعددة‭ ‬في‭ ‬السفن‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬تجُوب‭ ‬بحارَ‭ ‬وقارات‭ ‬العالم‭. ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تِلكم‭ ‬الرسائل‭ ‬مُتناثرة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬دُول‭ ‬العالم‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬المتاحف‭ ‬والمكتبات‭ ‬والبيوت‭ ‬ومراكز‭ ‬البحوث‭ ‬ودوائر‭ ‬الأرشفة‭… ‬وغيرها،‭ ‬وبالأخص‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العُمانية،‭ ‬ونتيجة‭ ‬للعلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬الوثيقة‭ ‬التي‭ ‬ربطتها‭ ‬بعُمان،‭ ‬وتواجد‭ ‬العُمانيين‭ ‬هناك‭ ‬قبل‭ ‬قُرونٍ‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬كانتْ‭ ‬فيه‭ ‬الرسالة‭ ‬هي‭ ‬صِلَة‭ ‬التواصل‭ ‬الوحيدة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

تُعبِّر‭ ‬الرسالةُ‭ ‬عن‭ ‬مرحلةٍ‭ ‬تاريخيةٍ‭ ‬أصبحتْ‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬البعيد؛‭ ‬فتصلُنا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬فيه،‭ ‬لما‭ ‬تحتويه‭ -‬أي‭: ‬الرسالة‭- ‬من‭ ‬معلومات‭ ‬قيِّمة‭ ‬عن‭ ‬الزراعة‭ ‬والتجارة،‭ ‬ومُقوِّمات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬تلكم‭ ‬الفترات،‭ ‬ومواسم‭ ‬الجفاف‭ ‬والخصب‭ ‬والكوارث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬وتقاليدها‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والأحياء‭ ‬السكنية،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬إحياء‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وتنقلُ‭ ‬لنا‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬على‭ ‬ضَوء‭ ‬أسلوبِ‭ ‬الكتابة‭ ‬وأدبياتها‭ ‬وقوَّة‭ ‬لُغتها‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬وما‭ ‬تحتويه‭ ‬الرسالة‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬فقهية‭ ‬وحوارات‭ ‬أدبية‭ ‬شيِّقة،‭ ‬وتعرض‭ ‬للإصدارات‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬ونتائج‭ ‬الحوارات‭ ‬والمناقشات‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالأوقاف،‭ ‬وتتضمَّن‭ ‬تواريخ‭ ‬مواليد‭ ‬ووفيات‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬فضلًا‭ ‬عمَّا‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬للأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬ونشاط‭ ‬الحُكَّام‭ ‬والزعماء؛‭ ‬لذلك‭ ‬باتتْ‭ ‬الرِّسالة‭ ‬مصدرًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬للكتاب‭ ‬والباحثين‭ ‬والمهتمين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العُماني،‭ ‬وسير‭ ‬شخصيَّاته‭ ‬والحياة‭ ‬القديمة‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬المختلفة‭.‬

مِنَ‭ ‬المُؤسف‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬البعض‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬إرثًا‭ ‬خاصًّا‭ ‬وشأنًا‭ ‬من‭ ‬شؤون‭ ‬الأسرة،‭ ‬وسرًّا‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬الآباء،‭ ‬لا‭ ‬يُعلنون‭ ‬عن‭ ‬وجودها،‭ ‬ولا‭ ‬يُبادرون‭ ‬إلى‭ ‬تقديمها‭ ‬للجهات‭ ‬الخاصة‭ ‬لترميمها‭ ‬وتصويرها‭ ‬وتوثيقها‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يُبقيها‭ ‬حيَّة‭ ‬مَدَى‭ ‬الزمن‭. ‬ولا‭ ‬يسمحُون‭ ‬حتى‭ ‬للباحثين‭ ‬والمشتغلين‭ ‬بالتأليف‭ ‬بالاطلاع‭ ‬عليها،‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬لخدمة‭ ‬مشاريعهم‭ ‬الكتابية‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬يحثُّنا‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الجرعات‭ ‬التوعوية‭ ‬لإقناع‭ ‬هؤلاء‭ ‬بأنَّ‭ ‬الرسائل‭ ‬القديمة‭ ‬هي‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للوطن،‭ ‬وتعدُّ‭ ‬اليوم‭ ‬مِلكًا‭ ‬عامًّا،‭ ‬ووثيقة‭ ‬وطنية،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التكتُّم‭ ‬عليها؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬شيئًا‭ ‬شخصيًّا‭.‬

كَوْن‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬فرضتْ‭ ‬نَفْسَها‭ ‬كمصدرٍ‭ ‬مُهمٍّ‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والإصدارات‭ ‬العُمانية؛‭ ‬فهي‭ ‬كَذَلك‭ ‬تُعدُّ‭ ‬مُحفِّزا‭ ‬للباحثين‭ ‬والكتاب‭ ‬العُمانيين‭ ‬للاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬دراسات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحياة‭ ‬العُمانية‭ ‬القديمة،‭ ‬التي‭ ‬تُبرز‭ ‬دورَ‭ ‬العُمانيين‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬مُجتمع‭ ‬أهلي‭ ‬مُتَكامِل،‭ ‬مُعتمد‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬موارده‭ ‬المائية‭ ‬ومشاريعه‭ ‬العامة‭ ‬كالمساجد،‭ ‬والمدارس،‭ ‬والأسواق،‭ ‬والمجالس،‭ ‬وأموال،‭ ‬الأوقاف،‭ ‬والقضاء‭… ‬وغيرها،‭ ‬وتقاليد‭ ‬وقيم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتكافله،‭ ‬ومقوِّماته،‭ ‬ودراسة‭ ‬أنشطته‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وجهوده‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الزراعة‭ ‬والصيد،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الثروات‭ ‬المتوفِّرة‭ ‬في‭ ‬تعزيزِ‭ ‬مَوَارده،‭ ‬وازدهار‭ ‬حياته‭ ‬المعيشية،‭ ‬وعلاقاته‭ ‬الخارجية،‭ ‬وتجارته‭ ‬في‭ ‬أصقاع‭ ‬المعمورة‭.. ‬فمُجتَمع‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬الحاجة‭ ‬لاستلهام‭ ‬نجاحات‭ ‬الماضي‭ ‬وتطويرها‭ ‬بما‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬العصر‭.‬

لقد‭ ‬أَجْمَع‭ ‬النّقادُ‭ ‬العرب‭ ‬القدامى‭ ‬على‭ “‬أدبية‭ ‬النص‭ ‬التراسلي‭”‬،‭ ‬ويُدخله‭ ‬العديدُ‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬ضِمن‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية؛‭ ‬كونها‭ -‬أي‭: ‬الرسائل‭- ‬نصًّا‭ ‬نثريًّا‭ ‬كُتب‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ويُعبِّر‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬إنسانية،‭ ‬ويحمل‭ ‬أفكارًا‭ ‬وثقافة‭ ‬المرسل،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬يُمكن‭ ‬أنْ‭ ‬تُشكل‭ ‬في‭ ‬مُجملها‭ ‬مذكرات‭ ‬لمشاهد‭ ‬وصُور‭ ‬الحياة‭ ‬للمرحلة‭ ‬التي‭ ‬كُتبت‭ ‬فيها‭. ‬وبهذه‭ ‬الصفة،‭ ‬فالرسائل‭ ‬القديمة‭ ‬تحملُ‭ ‬جماليات‭ ‬فنية‭ ‬وأدبية‭ ‬تُعبِّر‭ ‬عن‭ ‬عُمق‭ ‬اللغة‭ ‬والمحتوى،‭ ‬والبلاغة‭ ‬والدِّقة‭ ‬في‭ ‬التعبير،‭ ‬والغزارة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬انتقاء‭ ‬المفردات،‭ ‬والكثير‭ ‬منها‭ ‬كُتِب‭ ‬بخطٍّ‭ ‬عربيٍّ‭ ‬أنيق،‭ ‬بل‭ ‬حتَّى‭ ‬الورق‭ ‬والأظرف‭ ‬وألوان‭ ‬الكتابة‭ ‬والطوابع‭ ‬البريدية‭… ‬تُعبِّر‭ ‬عن‭ ‬أزمنة‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتُشكِّل‭ ‬في‭ ‬مُجملها‭ ‬إرثًا‭ ‬متنوعًا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يَدرسه،‭ ‬ويستخرج‭ ‬جمالياته،‭ ‬ويقدِّم‭ ‬بشأنه‭ ‬بحوثًا‭ ‬متخصِّصة‭ ‬تُبرز‭ ‬قيمةَ‭ ‬تلك‭ ‬الرسائل،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الازدهار‭ ‬الأدبي‭ ‬والعلمي،‭ ‬والتواصل‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬والأفراد،‭ ‬وتقديم‭ ‬مرئيَّات‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭.‬

‭… ‬تتضمَّن‭ ‬الرسائل‭ ‬القديمة‭ ‬كذلك‭ ‬كنزًا‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬قُوامها‭ ‬كمِّيات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬والمصطلحات‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬تمزجُ‭ ‬بين‭ ‬العامية‭ ‬والعربية،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬يعتقدُ‭ ‬الكثيرون‭ ‬أنَّها‭ ‬عامية،‭ ‬لكنها‭ ‬عربية‭ ‬قحة،‭ ‬أو‭ ‬محلية‭ ‬خالصة،‭ ‬وأسماء‭ ‬القرى‭ ‬والجبال‭ ‬والأفلاج‭ ‬والأودية‭ ‬والمناطق‭ ‬العُمانية،‭ ‬واحتوتْ‭ ‬على‭ ‬الكثيرِ‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأنظمة‭ ‬والأعراف‭ ‬والأساليب‭ ‬التي‭ ‬تُشكِّل‭ ‬هُوية‭ ‬المجتمع،‭ ‬وقوام‭ ‬معيشته؛‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭: ‬نظام‭ ‬الري،‭ ‬والزراعة،‭ ‬والتجارة،‭ ‬وعمليات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأوقاف،‭ ‬والمساجد،‭ ‬والأسواق،‭ ‬هذا‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬القضايا،‭ ‬والصلح‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬والمساجلات‭ ‬الأدبية؛‭ ‬لذلك‭ ‬باتَ‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬أنْ‭ ‬تَخْضَع‭ ‬كلُّ‭ ‬هذه‭ ‬المحاور‭ ‬والمعلومات‭ ‬إلى‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬التي‭ ‬تُبرز‭ ‬جوانبَ‭ ‬مُشرِقة‭ ‬من‭ ‬حَياة‭ ‬العُمانيين،‭ ‬وأدوارهم‭ ‬الحضارية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

1,286 total views, 5 views today