سعود الحارثي

يُمْكِن أنْ نُعرِّف الرسالة بأنَّها أداة، أو وسيلة التقاء، أو همزة وصل غير مباشرة، بين طرفين: مُرْسِل، ومستقْبِل متلقٍّ لها.. وهي تعبيرٌ صادقٌ عن التواصل، وفي الوقت ذاته فهي إحدى طرق الحوار بين البشر، ولكل رسالة هدف محدد، ومضامين تكبُر أو تصغُر، تنتهي بالانتهاء من قراءتها أو تنتشر وتبقى، تضيق أو تتسع بحسب فحوى الرسالة، وقيمتها البلاغية والموضوعية، والنتائج المرجوة منها، ومكانة ومسؤوليات مُعدِّيها والموجَّهة إليهم تلك الرسالة: أفرادا كانوا أو جماعة، وفيما إذا كانت تحمل صفة الاستمرار والتطوُّر والإبداع والحياة من عدمه. وقد تكون الرسالة ذات أهداف سياسية، أو فكرية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو توعوية، أو تلك الأغراض جميعها، وقد تخفي الرسالة وراء شعارها الجميل ومسمَّاها الجاذب غايات تختلف عما هو ظاهر للقارئ، ومرامي لا يكتشفها إلا الحاذق والحصيف من القرَّاء والباحثين والمطلعين. وقد تُحقِّق الرسالة جميع أو بعض أهدافها، وقد تفشل في ذلك، وللنجاح والفشل أسباب ونتائج، ولا تتضمَّن بعض الرسائل أكثر من إشارة أو صورة عابرة أو بضع كلمات تكون غاية في العُمق والتبحُّر، تتطلب لفهم فحواها صفحات من الشرح والتفسير وفك الرموز، وقد تطول الرسالة فتصل إلى المئات من الصفحات، وتحمل النصوص الأدبية -من شعر، ورواية، ومقال- رسائل يسعى المؤلف عبرها لطرح أفكاره ورؤيته وفلسفته حول المجال أو المجالات التي يكتب فيها إلى القارئ. والرسالة الصادقة في أهدافها هي تلك التي تتفق غايتها الحقيقية مع ما تعرضه من مضامين ومُسمَّيات وشعارات معلنة، والتي تسعى لنشر قِيَم الخير وإصلاح الإنسان وتقويمه وتنمية مهاراته. وللرسالة وسائل مُتعددة: الشفهية، والكتابية، والصورة، وأخرى تعتمد على الإشارة أو الإبداع الفني بمختلف طرقه، والذي أخذ مع التطور المعرفي والتقدم الكبير الذي تشهده الوسائل الإعلامية ووسائطها المتعددة مناحي وصورًا متشعبة؛ ففيلم “الرسالة” -على سبيل المثال- لمصطفى العقاد الذي يُقدِّم رسالة الإسلام منذ انطلاقتها إلى مرحلة انتشارها ورسوخها، وتركيزه على مضامين هذه الرسالة ومعانيها التي نزلت من أجل صالح الإنسان وهدايته؛ وذلك بتخليصه من الشرك والانحلال والانحراف الذي كان سائرا عليه، وتقويمه والارتقاء به: فكريا وروحيا وحياتيا، وعرضه لبعض الصور المشرقة عن حياة المسلمين وجهادهم وتفانيهم في سبيل نشر الرسالة وتعميمها، حقَّق نجاحا كبيرا في التعريف برسالة الإسلام وتضحيات النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الأجلاء، في معظم دول العالم ومدنه، وقد أدَّت الرسالة أهدافها باقتناع أعداد كبيرة من البشر بالإسلام. إن “الرسالة” الفيلم بإبداعه وتميزه ومؤثراته المرافقة التي ظهر بها للعامة قدم رسالة الإسلام لجمهور الناس.
وَأَصْبَحت الرِّسالة مُصطلحا وشعارا خاصا للعديد من القنوات التليفزيونية والمجلات والمدونات؛ منها: ما كانت رسالته إصلاحية تعليمية توعوية تبتغي نشر العلم والخير والثقافة والتقدم، ومنها ما أخذ من الرسالة شعارا لنشر قيم التعصب والزيف والجهل. وما أحوج الإنسان التائه وسط أكوام هائلة من الرسائل التي تقذف بها وسائل الإعلام ووسائطه المختلفة -قليل منها ما هو مفيد وصالح- إلى رسالة هادفة مفيدة تحمل العلم والمعرفة وتفند المزاعم وتقوم السلوك والأفكار المنحرفة. وعندما يتفق المتلقِّي أو يأخذه الإعجاب أو يتأثر إيجابا بفحوى الرسالة وتنال استحسانه؛ فذاك يعني أن الرسالة عميقة في مضمونها رصينة في صياغتها، تمكنت من التأثير والتواصل مع قارئها وإرضاء طموحه، وذاك هو عين الرضا؛ فالرسالة إذن حققت أهدافها.

وَقَد خَصَّص العربُ في مُؤلفاتهم الأدبية أقساماً خاصَّة بالرسائل؛ باعتبارها صنفًا من صنوف الأدب كالشعر والقصص، وتعرَّضت هذه المؤلفات لأشكال الرسائل وسماتها وأهدافها وتطورها التاريخي، وقدمت نماذج جميلة لها، وقد صنَّفها السيد أحمد الهاشمي في كتابه “جواهر الأدب” إلى ثلاثة أقسام: الرسائل الأهلية، والرسائل المتداولة، والرسائل العلمية. ويقول في التعريف بها: “هي مخاطبة الغائب بلسان القلم، وفائدتها أوسع من أن تحصر من حيث أنها ترجمان الجنان، ونائب الغائب في قضاء أوطاره، ورباط الوداد مع تباعد البلاد، وطريقة المكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما…”. وكانت المراسلات المتبادلة بين الأدباء والأعيان والحكام والعلماء غاية في الإبداع من حيث جماليات الخط والصياغة والتمكُّن من طرح الأفكار والربط المحكم في الانتقال من محور إلى آخر، وتقوم مقام الإعلام في أيامنا الراهنة مع الاختلاف في الوسائل والأساليب التي تتيح سرعة الانتشار والتواصل مع أكبر عدد من الناس. ومن أشهر الرسائل في التراث العربي: رسائل الجاحظ، التي جُمعت في ثلاثة مجلدات؛ تضمَّن الأول: الرسائل الكلامية، وتعرض الثاني للرسائل الأدبية، فيما احتوى المجلد الثالث على الرسائل السياسية، وتعرض كل رسالة لموضوع منفصل عن الآخر، أراد الجاحظ من خلالها إيصال آرائه الفكرية والفلسفية إلى القارئ.

وَقَد وَلَّد التطوُّر الهائل الذي يشهده العالم في شتى المجالات -ومنها: تكنولوجيا، الاتصالات- سرعة فائقة في انتقال الرسائل، تجاوزت الأزمان التقليدية فأصبحت تنتقل بشكل مباشر ما بين الشرق والغرب دون أية حواجز أو معوقات، وأضحى الإنسان يتلقى وهو قابع في غرفة نومه سيلا متدفقا من الرسائل المتنوعة: سياسية، وفلسفية، وطبية، واقتصادية، ودينية، عبر وسائل ووسائط وأدوات متعددة، مشكلة من حيث الكم والمضمون خطرا بالغا على الأفراد والمجتمعات؛ بسبب ما يحمله الكثير منها من ثقافات وأفكار ورؤى وأنماط وسلوكيات هدامة، وابتزاز أخلاقي ومالي يهضمها –للأسف- الكثير من قارئيها -الذين يقعون في الشراك- مثلما هي عليه بعللها وأدرانها، ومفاهيمها المغلوطة ومقاصدها البغيضة في السعي للصيد في الماء العكر دونما تفحص وتمعُّن أو تفكُّر في مَعانيها وأهدافها الحقيقية، ولا يكلف البعض أنفسهم عناء البحث في آثارها وغاياتها التي تستهدف البسطاء من الناس لتصبح الآثار جد جسيمة على الأفراد والمجتمعات. هذا الواقع الخطير، وهذه الفوضى العارمة في بثِّ الرسائل، يتطلب منا جميعا التكاتف والعمل بجد وإخلاص على تكثيف الرسائل المضادة التي تحمل المعرفة والخير والصلاح، وتكشف الحقائق وتزيل اللبس، وتقدم جرعات توعوية تناسب القارئ وتحميه من مخاطر الرسائل المضرة. وفي المقابل، فقد نَتَج عن هذا التطور التكنولوجي المتسارع في عالم الاتصال، الاستغناء عن الرسائل التقليدية التي باتت من الماضي، وعن الورق والقلم والأحبار التي تغنَّى بها الشعراء والأدباء، وكانت رمز العلم والإبداع والإنتاج المعرفي بمختلف مجالاته وتخصصاته، وافتقدنا الخطَّ الجميل والرسالة المكتوبة التي طالما أسعدتنا وأبهجتنا كلما وصلتنا من صديق أو حبيب أو قريب، تحمل الود والحب والشوق والأخبار الطيبة، وروحَ وعبقَ ونَفَسَ وثقافة كاتبها. فعبر رسائلهم وقصصهم التي احتفظ بها الآباء في مناديسهم الخشبية، وصناديقهم الحديدية التي خُزِّنت ردحا من الزمن في بطونها، لا تزال تلك الرسائل المتبادلة تشكل مصدراً وتاريخا لمراحل مهمة، وتتضمن تفاصيل وسردا لأحداث سياسية واجتماعية واقتصادية وسيرا لشخصيات بارزة، وتعرض لعلاقة العمانيين بمناطق شرق إفريقيا، وتقدم قراءة دقيقة عن طبيعة الحياة وأنماطها وأساليبها لتلك الفترات. وتحتوي مكتبتي المتواضِعة على نماذج لتلك المراسلات المتنوعة في أغراضها، وأحبُّ بين الفينة والأخرى أن أُبحر بين سطورها، مُتأملا مُستمتعا بجمال خطها العربي، وكأنَّ كاتبها قد أنهى كتابتها قبل أيام وليس ما يقارب القرن من الزمان، وورقها الأبيض والأزرق الذي يعبر عن مراحل زمنية مختلفة، وإبداع كتابها في انتقائهم للكلمات الفصحى المعبرة عن المعنى في أقل العبارات وأغزرها وأعمقها، وما تتضمنه من علم وأدب ورأي أصيل وحُسن اضطلاع بالسياسة، وحس وطني وشعور ديني واطلاع عميق على أحداث ومستجدات العالم وتطوراته وثقافة شعوبه. وهي في معظمها مراسلات بعث بها الآباء والأجداد وهم في عز مجدهم وعلو شأنهم وازدهار حياتهم في زنجبار وباقي مناطق شرق إفريقيا، لآبائهم وأبنائهم وأقرانهم وزوجاتهم وأحبائهم في عُمان، أو العكس: سؤالا، واطمئنانا، وشوقا للمعاهد والأطلال والأوطان والأحبة، وتداولا للأوضاع والأخبار، وتحليلا دقيقا لمختلف الأحداث والتطورات، ومعاملات تجارية تتمثل في: توكيل أشخاص، وأوامر بيع وشراء لأصول وعقارات في عُمان أو في زنجبار، وتحويلات مالية ومساجلات ومداعبات، وتساؤلات: أدبية، وثقافية، وفقهية، ونحوية، لأعلام كانت لهم مكانتهم العلمية والدينية والسياسية والاجتماعية في مناطق ومدن الساحل الشرقي من إفريقيا؛ حيث تصل رسائل الشوق والحنين مُحمَّلة بالمشاعر الحميمية وذكريات الصبا، وتتبع مواقع ومعاهد بعينها يتطرَّق إليها المرسِل في رسالته النثرية، وفي قصيدته الشعرية إن كان يقول الشعر ويتقن فنه:
سَلام مثل زهر الروض طيبا…
يَفوح كأنه مسك الختام
كَمثل حديقة بربا دبيك…
يُحركها نسيم من كشام
وَيَأتِي الجوابُ سريعا من عُمان، مُعبِّرا عن ذات الشكوى والأحاسيس:
وَهل هذي صبا الأرياف هبت…
عَلى بعد المفاوز والمواقي
كَأن شذا القرنفل في رداها…
تَحمل بالتحية والسلام
أَتذكر يا أخي عهدًا حميدًا…
قَضيناه كحلم في المنام

وَتَتمثَّل أهميَّة هذه الرسائل في التعريف أولا: بالمرحلة الزمنية التي أعدت وأرسلت فيها؛ بصفتها تتضمن تاريخا تفصيليا للحظة كتابتها. وثانيا: الأطراف ذات العلاقة بالرسالة، والتي تتدرج في أهميتها (سلطان، إمام، عالم، وجيه، قريب، وأفراد المجتمع بمختلف مشاربهم واهتماماتهم)؛ من خلال الصفات التي تطلق على المخاطب. ثالثا: أغراض الرسالة وأهميتها التاريخية والإلمام بتفاصيل الأحداث والعرض الدقيق لها. رابعا: ما تحتويه من معلومات عن الأحداث: السياسية، والطقس، والأوضاع الاقتصادية والأسعار، والأحوال الاجتماعية، والعادات والممارسات والمناسبات والأنماط السائدة، ووصف الحياة، وحركة التأليف والطباعة، والنشاط الثقافي والأدبي، وتواريخ الأحداث والمواليد والوفيات ومغارمها، وما تتضمنه من حِكم وأمثال وخبرة ونصائح للتعامل مع الحياة والناس والمشكلات اليومية، والمشاعر والشوق وعمق العلاقة…إلخ.
أَمْثِلة مُختصرة على ما تتضمَّنه الرسائل القديمة من موضوعات ومحاور تُبرز أهميتها للباحثين والمؤرخين:
رِسَالة أُرِّخت في الثالث عشر من صفر 1389هـ، ومصدرها جمهورية الكونغو الديمقراطية، أرسلها الابن إلى عمه في عمَّان ببلدة المضيرب، ولاية القابل. عبَّر المرسل في رسالته عن مشاعره الجياشة، وارتباطاته العميقة بعمه الذي اعتنى به ورباه وهو طفل صغير، قبل أن يلحق بوالده في شرق إفريقيا بحثا عن العمل وطلبا للرزق كما هي وجهة الكثير من العمانيين في تلك المراحل الزمنية التي مرت فيها البلاد بظروف اقتصادية قاهرة، وفترات من الجفاف الشديد، وشُح في الموارد، وغلاء في السلع الأساسية: “حضرة الشيخ الجليل المحترم والدي العزيز المحبوب الموقر السيد…”، وقد كانت كلمة السيد مقرونة بالاحترام وتطلق على الوجهاء والأشراف والعلماء والمشايخ، ولم تكن مقتصرة على المنتمين فقط إلى الأسرة الحاكمة.

وَلَم تَكُن الرسالة إذا كانت موجَّهة إلى عزيز له فضل التربية كالوالد والوالدة، ومن في حكمهما، تخلو من الدعاء والأمنيات الطيبة المعبِّرة عن الحب والشوق “دام بكامل الصحة والرفاه والتقدم، ومزيد من العمر الطويل، ولا أسمعني ما دمت حيا فيك مكروها سيدي العزيز”، هذا الدعاء الخالص والأمنيات الطيبة والحب المتدفق والشوق العميق مدفوعة بالوفاء وعدم نسيان: “تربيتك لي وتهذيبك الأدبي نحوي حتى جعلتني أناهز أبناء جنسي في كل المجالات الأدبية وغير الأدبية، لو كنت في هذه الحوزة لصرت كما هم…”. فكم هو جميل أن يفيض قلم الإنسان وفاء ومشاعر تشي بالامتنان والحب لمن رباه وصقل مهاراته وأعده للمستقبل ليحقق النجاح والقدرة على العيش والاستمرار والاعتماد على النفس داخل الوطن أو خارجه.

التعبيرُ عن الشوق والعلاقة المتميزة، وإظهار مشاعر الود، جزءٌ مهم تتضمنها الرسالة، خاصة عندما تكون المسافة بعيدة بين إقامة المرسل والمرسل إليه والارتباط وثيق، ومضى زمن طويل منذ آخر لقاء بينهما: “وأنت على بالي دائما، وأتذكر أوقاتك وأيامي التي قضيتها قُربك في خليج عُمان، وعسى الأيام تسمح، وأن نلتقي إن قدر الله”.

وَتَظَلُّ العلاقات بين الناس مهمة مع الشخصيات السياسية والاجتماعية التي تمتلك اتخاذ القرار، ويحرص الكثيرون على توثيق هذه العلاقات وتنميتها وتعزيزها؛ أولا: لأنها جزء أساسي من الثقافة المجتمعية وقيمه العربية والإسلامية. ثانيا: لتسهيل احتياجاتهم وتحقيق مصالحهم أو مصالح من تربطهم بهم علاقة، ويظل زعيم القبيلة والعشيرة والشخصية الأبرز في الأسرة سندا لأبنائه وأقربائه والمنتمين إلى قريته أو قبيلته، وملجأ للوقوف معهم في أزماتهم، ومعالجة مشاكلهم في أوقات العسر: “وكلنا جميعا نحاول الانتقال إلى أب وظبي أو دبي إن قدر الله”، “وإن كنت ستصل إلى الأطراف المذكورة، فسوف تساعدنا مع عظمة الشيخ زايد أو الشيخ راشد”، وهما كما نعلم حاكما أبوظبي ودبي في تلك المرحلة: “لأنك معروف عندهم، وكلمتك جارية، ولنا أمل في ذلك، والأمل فيك جميل”. ولا يفوت معد الرسالة أن يضمنها عبارات التهذيب والامتنان لمن يضع فيه أمله، وإن كان والده أو عمه.
وَيُعدُّ الجانبُ الاقتصادي محورا أساسيا تتضمنه كل رسالة: درجة التفصيل الدقيق أحيانا في تعبير واضح عن أهمية الموارد والتجارة وأسعار السلع في حياة العمانيين، والتي كانت الدافع الأساسي لهجراتهم المتتابعة إلى شرق إفريقيا ودول العالم طوال العقود السابقة القديمة والحديثة، وحركة “البيع والشراء هذه الأيام راكدة… ولا فائدة محسوسة”، و”البواخر التجارية تحمل في كل يوم الزيت الخام بما يبلغ 30.000 طن يحمل إلى الخارج، وكل العمال من الأجانب”.

رِسَالة أُخْرَى أُرِّخت في 27 صفر 1374 هـ. مصدرها زنجبار، أرسلها الأبناء إلى أعمامهم في عُمان: “بلدة المضيرب، ولاية القابل، إلى المشايخ الكرام الأجلاء المحترمين الأعمام”. نلاحظ في جميع الرسائل الانتقاء الدقيق للكلمات التي تعبر عن عمق الاحترام والتقدير للمخاطب، والأدب الجم، والأحاسيس الجياشة، والعلاقات الوطيدة، وإهداء الأمنيات الطيبة أيًّا كانت درجة القرابة والمكانة الاجتماعية: “حفظكم الله وأدام لكم الصحة والعافية”، و”ومنذ زمان لم نقف على كتبكم الكريمة إلا كتابا واحدا وصل منذ يومين من جنابك”.

“وَعَسى أن الأمر تم على غير ما خطر بقلوب الأكابر من الخلافات والتدليس المغري، وأنكم اليوم استقرَّ بكم الرحيل بوطنكم تحت علم رابطة الشعوب الإسلامية، ظافرين غانمين بهمة الساعين لاستقرار أمن البلاد وتوطيدها، والساهرين الأعين لحياتها وإنعاش مستقبلها”. يتضح في هذه العبارات مدى الاهتمام بأمن الوطن وسلامته واستقراره ووحدة أراضيه في وقت كانت فيه الصراعات السياسية بين الإمامة والسلطان على أشدها، وشيوخ القبائل في مناطق عمان تتوزع ولاءاتهم بين “مسقط ونزوى”. ومع ذلك، يظل الأمر مأمونا وطبيعيا؛ فالنظامان السياسيان وإن اختلفا في التوجهات والرؤى وطبيعة الحكم بين السياسي والديني، إلا أنهما يتفقان وينسجمان في كل ما من شأنه تحقيق مصلحة الوطن والدفاع عنه، وقد شهدت الأحداث على تعاونهما واتحادهما لمواجهة التدخلات والأطماع الخارجية. أما مكمن الخطر، فتمثل في بعض القيادات -وإن كانت قليلة- التي اصطفت مع الخارج، أو كانت في حالة من التذبذب وعدم الاستقرار، ومحاولة قوى إقليمية وسعيها لشراء الذمم بالأموال التي كانت شحيحة وعزيزة في وقتها، ويسيل لبريقها اللعاب، وقادرة على حسم مواقف ضعاف النفوس، إنها القلوب، تتحول مع تقلبات السياسة بعضها بفعل المال ومفعوله السحري، وأخرى إعجابا وهوى تزيِّنه النفوس وأمراضها، وثالثة تجري خلف التوجهات والتوافقات المذهبية والقبلية التي تغلب أحيانا -وفي ظروف سياسية حساسة- على وحدة ومصلحة الوطن.. سراب تنخدع به برهة من الزمن سرعان ما يتكشف عواره ووهنه ورهافته. ولا شك أنَّ وحدة الشعب العُماني ولُحمته وولاءه المطلق للوطن وما يعيشه من تعايش وتسامح ووئام اليوم، بات مضرب المثل، ونموذجا يُحتذى به، إنَّما يأتي ضمن أبرز وأعز مكاسب النهضة العمانية الحديثة.
كَذَلك، تتضمَّن الرسالة دلالات على مستوى التعليم والوعي وتنوع الثقافة والإلمام بمفردات اللغة والقدرة على توظيفها في التعبير عن المواقف والمشاعر بأسلوب بليغ وصياغة شاعرية جميلة: “أخوك وكافة الآل هم جميعا -من كرم الله- في خير وأمان وكرم وإحسان، يشكرون المولى على ما منَّ به عليهم، ما زلتم في إقبال على بلوغ الآمال في سائر الأحوال، محروسين من كل الأهوال، وما هنا من جديد فنعرفك به غير ارتفاع النارجيل بما لم يكن يرجى في هذا الوقت، وربما تبلغكم الأخبار عن حقيقته من أنه يجاوز الستين شلنجا، والثمرة في القرنفل قد تبيَّنت، وفي القياس لا تنقص عن النصف إلى زيادة، والأمطار ما برحت تعاودنا، لكنَّ الشمس أكثر منها، وعسى بقوتها تزداد الثمرة كما هي العادة، والغيب لله، والشوانب كأنها في ارتقاء الثمن قليلا من تحريك الغلة هذه السنة…”، فتظل أسعار القرنفل والنارجيل ومستوى الثمار والأخبار المحلية والوفيات في عُمان، أو مناطق الشرق الإفريقي، ثابتة في جميع الرسائل: “ولم يزد ببلدك زنجبار من جديد أخبار سوى انقطاع الأمطار من مدة أشهر، وكادت الأشجار قريبا من الاضطرار، والحمدلله على السراء والضراء، والأمل في المولى خير، والأسعار من فضل الله متماسكة، النارجيل من 45 شلنجا الألف، والقرنفل على حساب الفراسلة 23 شلنا، وقد توفي الشيخ هلال بن سالم الرحبي ولكل أجل كتاب…”.

وَأَخْبَار الحُكم والسياسة وتطوراتها لا تغيب أبدا عن تلك الرسائل، كدليل آخر على أهميتها: “.. وحركة البلاد لاستقبال عيد سلطانها الفضي، ثم يعقب العيد سفر إلى الجزيرة، ثم إلى أوروبا بعد شهرين، لحضور تتويج إمبراطور بريطانيا العظمى، وما يكون بعد ذلك يعلمه الله، وقد وصلتنا كتبك التي من مومبي ومسقط، فحمدنا الله وشكرناه على سلامتكم ووصولكم الوطن على العافية والسلامة، ولكن يا أخي لقد أوحشت بلدا وآنست بلدا، وأحزنت ببعادك قوما وفرحت بقدومك قوما…”. “والسيد خالد بن برغش رخص أولا بأن يسير إلى دار السلام، وحكومتها امتنعت، والآن فيما بلغنا سيتوجه إلى لامو، وما ندري ماذا سيكون غدا”.

وَتَظلُّ أخبارُ العالم وتقلباته وصراعاته السياسية والغيرة على الأمة، والدعوة للوحدة والتآلف، ومتابعة أحوال الأمم وتقدمها والمراس السياسي، وبعد النظر، ومقارنة الأوضاع المحلية والإقليمية بالعالمية، ودعم الجمعيات الحقوقية مما تتضمنه تلك المراسلات، ما يؤكد على مستوى الوعي والثقافة والاطلاع الواسع والدرجة العلمية والنبوغ التي تميَّز بها العمانيون آنذاك: “ولا هنا من الأخبار ما يلزمنا شرحه غير هذه النبذة اليسيرة، أولا وقوع الجمعية العربية كان خيالا، والآن صارت بالعيان شاهدة، وقد انتظمت إلى الغاية التي لا تدرك ظنا في الحياة الدنيا، ولكن لطف الله بعباده حيث انتبهوا لمستقبلهم الحالِك، واجتمعوا، وتآلفوا، وكلٌّ يحث صاحبه على الانضمام والاتحاد، والحمد لله على تيسير ذلك.. أما أوروبا، فأيرلندا نالت استقلالها بالأمس، ومصر رجعت خايبة لم تنل من الاستقلال لا اسما ولا فعلا، والهند بعدها مصممة على نيل استقلالها، وغاندي الزعيم لا يقر له قرار ولا يتم له سرور إلا بحياة سعيدة أو موت سعيد… والأسعار كل يوم تتراخى، وقد تآخت الدول العظمى الثلاثة إنجلترا وفرنسا وجرمانيا، وقياصرها وصلوا إلى مصر، وسيصلون إلى زنجبار في السنة الجديدة”.

أَخِيْرًا.. وبرغم الجهود التي تبذل لجمع وتوثيق هذه الرسائل والحفاظ عليها من التلف والضياع، إلا أننا في حاجة شديدة للمزيد من الحراك والنشاط والتوعية والبحث والتقصي في داخل السلطنة وخارجها، لجمع وتوثيق أكبر قدر من هذه الرسائل التي تحتوي على جزء مهم من تاريخ عُمان، وتشكل أرشيفا وطنيا، وثروة حقيقية، فلا ينبغي إذن -وبأي شكل من الأشكال- التفريط في رسالة واحدة منه ما دامت الفرصة مواتية للحصول عليها.

407 total views, 2 views today