Shaikha

شيخة البادي

ليس أقسى من أنْ تقع لحظة وبعد تاريخٍ خصب بالكفاح والعطاء، فـي شرك السؤال: «من أنا؟». يشعرك هذا السؤال بالهباء واللامعنى. يجرّدك من كلِّ شيء، يجعل حياتك بكرًا، غضّة، فارغة… ومن هنا تأتي بعض مكابداته.

هكذا تفتتح يمنى العيد سيرتها «أرق الروح» (الطبعة الأولى، دار الآداب، بيروت، 2013م، وتقع في 247 صفحة) بالسؤال: «من أنا؟ هل أنا حكمت أم أنا يمنى» لتشعرني، بثقلِ طبقاتِ الغربة الجاثمة في الذات، والوجع الموشوم في أَعماق الذاكرة.

***

اختارت «يمنى» الهروبَ من «حكمت»… كما سمّاها والدها بفعل مرجعيته الثقافية التركية، وظلّ هذا الاسم يؤرقها طفلةً ويافعة، تكتب «طفلة لم آلف اسمي ولم أستسغه يافعة» (ص: 14)، وظلّ يؤرقها أيضًا حتى بعد أنْ تحايلت عليه بـ«يمنى العيد» لتعود تحاوره عبر سيرتها، تكتب: «تبدو لي يمنى أحيانًا مجرّد معادل لعدد من الكتب التي كتبتها، لحبل من الكلام والأفكار، للغة تغرّبت بها عن حكمت، لمجموعةٍ من المعارف هندستْ عقلَ يُمنى وصنعتْ لها صورةً بها صار يعرفها الآخرون، البعيدون عن زمن حكمت…» (ص: 12-13)، لكنّها هنا تتوقف، لتعود إليه، تحاوره، تبحث عن عذرية طفولته المستلبة، ثم تودّعه، وداعها لأبيها، ولمدينتها القديمة، ولبيتها، وللأماكن التي ارتبطت بها وأحبتها.

إنّما لماذا هربتْ يُمنى من حِكْمَت؟ أَرَغْبةً في إِعادة بناءِ حياتها بشكلٍ لا تتحكّم في تسييجه مشاعرُ الرفض لها من قِبل أهلها؛ حيث غيّرت معادلة الأبناء في الأسرة إلى ثلاث بنات، وصبيين، بعدما كان العكس قبل وفاة أخيها «عبد الحليم» ومجيئها؟

أهو الإصرار على الهروب من تلبّس «الذكورة» حكمت؟ ومن ذلك حينما كان الكاتب المصري ميشال كمال يبحث عن «الشاب حكمت» كاتب المقال في صحيفة «الطريق»؟! (وهو أول مقالٍ لها).

أحقًا هو إِحساسٌ بثقلِ «الكاف»، وخشونة السكون على التاء في آخر هذا الاسم؟! ولكنّ السؤال أيضًا: لماذا يمنى العيد؟ لماذا «يمنى»؟ ولماذا «العيد» وليس «عليًّا»- اسم والدها، الذي ينتمي إلى عائلة هي الأخرى تحمل لقبين لكلٍّ منهما قصة وتاريخ: «الصبّاغ»، و«المجذوب»؟!

يمنى أو حكمت، سلفًا، وبعد أنْ انتهيت من قراءة سيرتها، إنسانة كبرت وظلّت طفلة، رغم ما في هذه الطفولة من ألم ومكابدة، ورفض. إنسانة تحدّت العالم الذي وصفته بأنّه ضاق بها، وودّت أنْ تنساه ولم تنسه (ص: 15). عالم جاءته مقنّعة، يلفُّ وجهها الغشاء الذي تكونت ونمت فيه داخل رحم أمها، ورفضت البقاء فيه إلا كما تشاء!

***

هذه السيرة ترسمُ في أغلبِها، ما لا يقلّ أهمية عن يمنى التي عرفتها ناقدة، وكاتبة، إنها تتحدث -وكما وردت الإشارة سابقًا- عن طفولة الكاتبة، والسنوات الأولى من عمرها، فتنبش هذه الطفولة وما فيها من وجع ومكابدة وفوضى ورعب، مع إشارات سريعة إلى المرحلة المبكرة في تكوينها الفكري…

تشهدُ أحداثَ يونيو 1941م، ودخول القوات البريطانية صيدا… ويحفر دويُّ القذائف الهلعَ في روحها… فتأتي السيرة مكلومة بصور الأطفال -عمومًا-  في الحرب؛ أطفال مفجوعين، لا يجدون ما يحتمون به غير التشبث بأطراف أثواب أمهاتهم هربًا من ضجيج أصوات القنابل… ترسم صورة الطفل الذي يصحو على حياةٍ دامية، مغلفة بالفقد، والحرمان… الطفل الذي ينام على شوارع مدينة سماؤها تمطر صواريخ، وقذائف تجرِّح الفضاء، وتكسِّر هواءه-كما تصفها الكاتبة… طفل يعيشُ مؤامرةَ الحرب، في هلعٍ وجوع، وبرد، وعُري… طفل يُسجّل في ذاكرته بشاعة مشاهد الحرب والكراهية، والموت، والعزاء، وأوجاع الفقد، وصورة ثروت وشفيقة تنزفان دماءهما، وتفارقان الحياة، وصورة محمّد الدرة وشهداء فلسطين اليوم.

طفل تسرق يد الموت منه عزيزًا، كما فجعت يمنى بالحرب تقتنص روح أمين (ابن خالتها منيفة) فظلّت، أبدًا، تحلم بعودته، كما تحلم بعودة زمن حكايات عمها عبد القادر، عن صيدا، والتاريخ، وزمن مساءات حيّ رجال الأربعين، وألعاب الطفولة، وانتظارات الحنطور، وذكريات المدرسة، والسطوح المتجاورة، والرحلة بين صيدون البحريّة، وصيدون البرِّيّة، وذكريات الطفل الذي يوهم أهله أنّه صام رمضان، بينما كان قد التقم في النهار على حين غفلة من أهله بعض الخبز وما تيسّر…

وإلى هذا، طفل مخاتل متربِّص تتلبسه روحُ «نورا» في فيلم «صبي على السطح»، حيث يراقب –من تحت الظلام- الحميمي الذي يكشفه الليلُ وتلاصقُ السطوح، وكأنّه إذا طلعَ الصباح، لم يدرِ بشيء.

طفلٌ لم يجد إلا الصمت فضاءً للمحاورة والمساءلة والتفكير، حيث لا ظروف أسرية هيأت له بخلاف هذا، تكتب يمنىأ: «لا أذكر أنِّي كنت أتكلَّمُ مع من حولي. لا أذكر من سنوات طفولتي سوى الصمت ومشاعر دفينة، وغامضة…» (ص: 14-15)، حتّى والدتها، ورغم ما بينهن من حب، غير أنها لم تستطع النفاذ إلى أعماق الطفلة وكسر حجب الصمت، تكتب يمنى: «غمرتني أمّي بحبِّها… لكنّ هذا الحب لم يكن قادرًا على قراءة دواخلي، والاهتمام بما هو نفسي، وعميق، راكد في اللاّوعي الطفولي وعصيّ على الكلام». (ص:97).

لكنّه، ومع هذا، لعله هو الصمت نفسه الذي دفع بيمنى لاحقًا للاستسلام لإغراءات النصوص وإغواءاتها، والإصغاء إليها، وإضاءة خفاياها. لعله هو نفسه الذي أصابها بحُرْقة الكتابة، وأتاح لها الانفتاح على الفضاء الأوسع، على الذات، لتقويم ارتخائها، وتشذيبها، ومن ثم دفعها إلى المغامرة، والكفاح، وتشكيل صوتها الخاص.

***

ورغم كلِّ هذا، فهي سيرة موغلة في نشدان الفرح والحياة، والحب والحنان الذي ظلّت تطلبه من والدها حتى بعد وفاته، وهنا سأحتفظُ باقتباس هذه الفقرة كاملةً لتضمنها ما ألحّت الكاتبةُ في الإشارة إليه في مواضع عديدة عبر سيرتها، لتؤكّد فكرة مهمة يجب أنْ ننتبه إليها في تربية أبنائنا اليوم، إذ تكتب: «…ما زلت بعد كل هذا الزمن الذي طواك تحت التراب، أشعر بحاجتي إلى ذراعيك كي يضمّاني بحنان إلى صدرك الرحب. سأوصي بدفني قربك علَّ ترابك يضمني إليك فأحظى في مماتي بما لم أحظ به في حياتك. لم تجلسني على ركبتيك المطويتين، في حضنك، في وقت مرضي، كما يفعل بعض الآباء اليوم، هؤلاء الذين ارتضوا الـ X  فيهم، فحاوروها وأصغوا لإيقاعات اختلافها ودفق الحياة منها… لكنك رغم ذلك كنتَ كريمًا في كلِّ ما طلبته منك. طلبتُ العلمَ فوفَّرته لي. غير أنّ الحنان، الدفء لا يُطلب يا أبي…» (ص:241). وتكفي العبارة الأخيرة من الفقرة المقتبسة لتشي بحجم الحرمان، والهشاشة والتصدع الذي طُبعت به هذه العلاقة بين الطفلة والأب، أو الذي كانت تشعر به الكاتبة في الأقل، لنلتفت في تربيتنا أنَّ الحرمان المادي، في بعض درجاته، قد يبدو متجاوزًا مقاربَة بالحرمان العاطفي.

***

وعبر هذه السيرة، تحضرُ ذكرى إضراب الأهالي، والمدارس في صيدا عام 1943م احتجاجًا على اعتقال رؤساء لبنان من قبل قوات الانتداب الفرنسي، ومشاركة التلاميذ في هذا الإضراب، ثم إصابتها برصاصة الانتداب الفرنسي، الرصاصة التي ما كان لها أنْ تميتها، بل أنْ تزيدها حياة، وشغفًا بالبحث والقراءة في تفاصيل انتمائها وهويتها، هوية الإنسان، ومعرفة جذورها البعيدة وتاريخها المتعدّد والثري، الذي لا ينحصرُ في متن طوائف أو أحزاب أو جماعات أو نخب معينة.

ذهبت يمنى الطفلة إلى ساحة الاحتجاج راكضة، وعادت محمولة على ذراعيْ مجهول، لتجد نفسها فوق سرير أبيض، تغطي قدميها أكوامٌ من القطن، ويتمارى الناس من حولها ما إذا كانت لا تزال حيّة، ثم يقترح الطبيب والجرّاح الإنجليزي بتر قدمها اليمنى لولا إصرار الدكتور نزيه البزري في أمل عودة الإحساس إلى قدمها.

هذه الذكرى جزء من ألم عاشته يمنى، ليحولها ليس على مستوى الحلم بالركض في أزقة الحارة، وملعب المدرسة، والقفز في الهواء، والاتكاء على رؤوس أصابعها، وتسلق هضبة الموريكس، وصعود درج بيتها بخفة وشغب، وركوب مرجوحة العيد… ليس على مستوى هذا فحسب، إنما أيضًا على مستوى سؤال طرحته بصوت مكلوم: «متى ينعم الأطفال فوق هذه الكرة الأرضيّة، الصغيرة، بالسلام!». (ص:86)

***

وتكتب باقتضاب عن الزمن بعد استقلال بلادها، زمن نمو الحداثة الوافدة -كما تصفها-، وعن رحيلها المبكّر إلى بيروت لأجل الدراسة، ثم الاستقرار فيها.

ولمّا كانت تكاليف الدراسة في بيروت باهظة، ويمنى من جرحى الاستقلال فقد كان ثمّة أمل بتكفّل الدولة بتعليمها، فاصطحبها نسيبُ جارتها إلى السراي الحكومي في بيروت لمقابلة رئيس الوزراء رياض الصلح، لكنَّ الرئيس الذي شارفت يمنى على الموت بسبب رصاصة أصابتها وهي في مظاهرة رفضًا لاعتقاله لم ينظر إليها، ولم يأبه بطلبها.

ولا تقلُّ مرحلة انتقال الكاتبة من صيدا إلى بيروت أهميّة عمّا سبق، إنّه انتقال من وسط سادته التربية العفويّة إلى وسط ثقافي مختلف، حيث مدرسة القديس يوسف، وتربية الراهبات، واللغة الفرنسية، وخلافات الانتماء الديني، ومشاعر الغربة في هذا الوسط، الذي تركته بعد عامٍ دراسي، لتحمل منه ذكرى الراهبة «شانتال» التي لم يكن لها فضل انفتاح يمنى على اللغة الفرنسية وإتقانها لها فحسب، إنّما أيضًا حماية بيتها من الجنود الإسرائيليين بعد احتلالهم صيدا عام 1982م، وقد كان هذا بسبب عثورهم في البيت فور احتلاله على صورتها (أي صورة الراهبة «شانتال») تضع يدها على صليب يستقرّ فوق صدرها…

ثم انتقلت يمنى إلى مدرسة عبرين المسيحيّة أيضًا، فأحبتها كما لم تحب مدرسة القديس، إذ أشعلت هذه المرحلة فيها جذوة أسئلة كانت قد بدأت تتقد مبكرًا، منذ زمن الحكايات الأولى في صيدا. أسئلة تتعلق بالإنسان، والنفس البشرية، والدين، والهوية، والانتماء، والتسامح، والاختلاف بين البشر والثقافات، والحب، والزواج، والحياة عمومًا، لتكون بذرة البحث عن الذات، ووضع لبنات خلخلة الراكد والمُسَلَّم من الأفكار.

***

ثم كانت مرحلةُ التحاقها بالجامعة اللبنانية في نهاية خمسينيات القرن العشرين فرصةً المخاض بـ«يمنى»، تصف هذه المرحلة: «كنت كمن يبعثر ماضيه وما راكمته طفولتي ومراهقتي من مرارة وضيق ومشاعر بالفقدات والموت… » (ص: 133)، وتروي لنا ذكريات الدراسة هنا، والقراءات الأولى، وذكريات المكتبة الشرقية التابعة للجامعة اليسوعية، وسينما روسكي، وشارع المتنبي، وقهوة الإزاز، والأهم أيضًا علاقتها الجميلة بـ«نزيه»، وارتباطهما لاحقًا في نهاية 1958م، لتكون بيروت، بعد صيدا معادلاً للحب النقي، الصادق، الذي ظلّ يدفعها للعطاء، وللبحث عن الـ«أنا» بداخلها.

وفي ثانوية صيدا للبنات تقبضُ يمنى على جمر التحدي، أنْ تسعى إلى التغيير الذي حلمت به على مستوى الوطن والإنسان، من خلال التكوين الفكري الخاص للطالبات؛ فلم يكن، على سبيل المثال، مُشاعاً  أو سهلاً استحداثُ حصّة «في التربية الجسديَّة-الأنثويَّة» في مدرسة للبنات، ولا مسرح، ولا إنشاء مختبر، ولا التفكير في فتح حوض سباحة. يمنى التي نشأت بين حواجز سلطة الأخ والأب، كانت تريد أنْ تقول لهذه السلطة الذكورية «لا». كانت تربي جيلاً يؤمن بالاختلاف، جيلاً لا يتلكأ أو يتردد أو يُلجم بجريرة أنه «جسد أنثوي»، جيلا يُشارك في بناء وطنه.

***

سيرة تسرد خبايا أرق طفلة من زمن الحرب، والدماء والرعب والحرمان، والحريات المكبّلة، لعلها توقظ بعض إحساسنا حين تكبر وتصرخ في وجه العالم: «الرصاصة التي تقتل الأطفال واحدة» (ص:77)، ولتتألم لمأساة إنسانية عامة نعيشها، إذ تكتب: «كأن زماننا العربي، بما هو زمنٌ لحياةٍ كريمة، صفر، أو زمن لا يبدأ. زمن يتماثل بذاته، ببؤسه، ونكوصه، بعجزه عن الدخول في التاريخ، تاريخ النهوض لتحقيق العدالة والحرِّيّة والكرامة.. هذه المفردات التي تشتعل اليوم بالنار وتتلوّن بالدماء» (ص: 174).

***

أمّا يمنى ورحلة الدراسة والتأليف والترجمة والتدريس الأكاديمي، يمنى التي كتبت أكثر من اثني عشر كتابًا بالإضافة إلى كتبٍ جماعية أخرى وترجمات، وحاضرت في جامعات باليمن وتونس وباريس، وفازت بجوائز أبرزها جائزة مؤسسة العويس الثقافية لعام 1993-1992م في الأدب والنقد، «يمنى العيد» التي لم تكتب عنها «حكمت» هنا شيئاً، فإنّي أظنّ المؤلفة ستكتبها، أو قد كتبتها في جزء آخر لم تعد به، وإنْ وعدت أنَّها ستفتح النوافذ، وستكتب في ضوء نورها.

4,885 total views, 8 views today