حسين بن علي بن محمد الزعابي

أثبتت أبحاث علماء الإثنوغرافيا والأنثربولوجيا والآثار أن أغلب شعوب الأرض كانت تؤمن بالحياة ما بعد الموت، ولكن اختلافهم كان يتمحور حول مفهوم الثواب والعقاب الأبديين، فبعض الشعوب البدائية على حسب الدراسة التي أجراها جيمس فريز لم يعتقدو بوجود العذاب والعقاب بعد الموت؛ بينما اعتقدت شعوب بدائية أخرى بوجود جنة وجحيم واختلفوا في رؤيتهم لهذه الجنة وهذا الجحيم باختلاف ثقافاتهم وبيئتهم وحضارتهم .أما بالنسبة للمسلمين بشتى مذاهبهم فقد اتفقوا على أن مآل الإنسان في نهاية المطاف وبعد الحساب الأُخْروي والمعاد إما جنة وهي تمثل (مطلق السعادة)، وإما نار وهي تمثِّل (مطلق الشقاء)، وإن وقعت بعض الاختلافات الطفيفة بين أبناء المذاهب الإسلامية في رؤيتهم لبعض التفاصيل المتعلقة بالجنة والنار فإنها تبقى خلافات طفيفة وعرضية لا تمس جوهر الموضوع؛ وقد وقعت نتيجة اختلاف تأويل وتفسير بعض الآيات القرآنية وركون كل مذهب إلى نصوصه الروائية. إلا أن هناك جزء يسير من خواص المسلمين كالفلاسفة والعُرفاء والمتصوفة كانت رؤيتهم للجنة والنار مخالفة بشكل كبير لرؤية الغالبية المطْلَقة من الأمة؛ وخلافهم لم يكن عرضيًّا يمكن قبوله لدى الفقهاء، بل كان خلافًا جوهريًّا، مما استدعى تكفير الكثير من الفقهاء والمفكرين المسلمين لهؤلاء الحفنة من البشر؛ كتكفير المفكر الإسلامي أبو حامد الغزالي(ت:550هـ) للفلاسفة في كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة) مستندًا على أسس ثلاث يحوي كل أساس على نقاط عديدة مرتبطة ببعضها البعض من ضمنها: إنكارهم بوجود النار الجسمانية، ووجود الجنة والحور العين ! والتكفير لم يقتصر على الفلاسفة فحسب، وإنما لم يختلف الحال كثيرًا مع المتصوفة والعُرفاء فلقد دفعوا ثمنًا باهضًا لاختلاف رؤاهم عن رؤى العامة. بعد هذه المقدمة البسيطة أرى إننا بحاجة ماسة لفهم رؤية الفلاسفة والعُرفاء والمتصوفة للجنة والنار(السعادة والشقاء الأبديين) بشكل مختصر حتى نستطيع فَهم ومعرفة مفهوم الجنة والنار عند المفكر والفيلسوف العراقي المثير للجدل أحمد القبانجي؛ الذي حاول دمج رُؤى الفلاسفة والعُرفاء والمتصوفة وبعض الديانات للجنة والنار مع فكره الوجداني وصهرهما معًا جميعًا في بوتقة واحدة؛ ليخرج إلينا برؤية فلسفية عرفانية جديدة على الساحتين العربية والإسلامية تستحق الوقوف عندها.

أولاً: الجنة والنار عند الفلاسفة (المؤمنين):

يعتقد الفلاسفة أن غاية الإنسان تتمثل باللذة المعرفية، وإدراك المعقولات وإنه كلما زاد إدراك الإنسان زادت سعادته حتى يصل إلى مرتبة كمال العقل؛ ولكن البدن وشواغله وشهواته تمنع النفوس من إدراك كل المعقولات أو الوصول إلى تمامها، ولا يمكنه الوصول إليها حتى تزول عنه أعباء البدن والشهوة وشواغله بالموت، حينها يقترب من رب العالمين ويصل إلى مرتبة كمال العقل ويدرك لذة الشعور بكماله وجماله واطلاعه على كل الحقائق تمامًا كالملائكة، فهذه هي الجنة عند الفلاسفة وغايتهم القصوى وأسمى أمانيهم، أما النار فهو حرمان الإنسان في الاتصال برب العالمين (العقل المحض)، وبالتالي حرمان النفس من الاطلاع على كل الحقائق، وعدم وصولها إلى مرتبة كمال العقل، وجهلها بالعلوم الفلسفية، فحينها تدرك تلك النفس بما سيفوتها من كمال العلم فتتعذب بتلك الحسرة. هكذا يتضح أن الفلاسفة يعتقدون أن اللذة والألم (الجنة والنار) هو نوع من أنواع السَّعادة والشقاء المعنويين والعقليين وليس ماديًّا ليصيب جسم الإنسان، وأما الجنة والنار الماديتين فلا وجود حقيقي لهما أو على الأقل غير قابل للكشف عنهما ومعرفتهما عن طريق العلوم العقلية والفلسفية، بطبيعة الحال فهذا هو رأي أغلب الفلاسفة المشائين والمتأثرين بهم كالشيخ الرئيس ابن سينا والفارابي وأمثالهم وهم وإن كانوا يتفقون مع المعلم الأول آرسطو في أن تمام غاية الإنسان هو في تمام وكمال المعرفة، والإداراك، إلا أنهم كانوا يؤمنون ببقاء الأرواح؛ على عكس آرسطو الذي كان يعتقد بفناء الأرواح، وعدم خلودها أو بقابليتها للفناء. أما بالنسبة لأصحاب الفلسفة المستمدة من النصوص الإسلامية والتي أطلق البعض عليها (فلسفة إسلامية) أو أصحاب علم الكلام أو المتكلمون فقد ذهبوا إلى كوْن الجنة والنار جسمانيتين (ماديتين) واختلفوا في مسألة الخلود في النار، فذهب بعضهم إلى خلود المسيئين الذين توعدهم الله بالخلود في النار، وأوَّل آخرون الآيات الدالة على الخلود مثل (خالدين فيها أبدًا) إلى الخلود لولا المغفرة والشفاعة حتى تتناسب مع العدل الإلهي وفق منظورهم؛ وأخذ آخرون رأيًا وسطيًّا كمثل المتأخر الشهيد مطهري الذي كان يرى أن جزءً يسيرًا من الناس هم من أصحاب اليمين (مخلدين في الجنة المادية)، وجزءً يسيرًا آخر هم من أصحاب الشمال (مخلدين في النار المادية)، والأعم الأغلب هم ممن خلطت أعمالهم الصالحة مع أعمالهم السيئة وسيغفر الله لهم. هناك أيضًا وجهات نظر فلسفية أخرى للجنة والنار أرى أنها بحاجة إلى دراسة عميقة ومستفيضة كمثل رؤية إخوان الصفا وخلان الوفا، وحتى لا أطيل فإنني سأكتفي بهذا المقدار بالنسبة لرؤية الفلاسفة للجنة والنار.

ثانيًا: السعادة والشقاء عند العُرفاء والصوفية:

يعتقد العُرفاء مثلهم مثل الفلاسفة أن المعرفة هي غاية الإنسان وتمام سعادته؛ وإن أبلغ حالات السعادة هي معرفة الحق وصفاته وأفعاله، إلا أن الفلاسفة يعدون هذه المعرفة تتجلى بالعلوم العقلية، وأما العُرفاء فيعدونها تتجلى بعلوم المكاشفة والحدس (فراسة المؤمن الموقن) وهي أعلى مرتبة من العلوم العقلية الفلسفية ومن التجربة الحسية والتي تأتي في أدنى مراتب المعرفة. ذهب أغلب العُرفاء المسلمين إلى وجود جنة ونار جسمانيتين ماديتين أيضًا إلا أن تمام السعادة هو في القُرب من الله ومعرفته حق المعرفة؛ وهي درجة أعظم من الوصول إلى الجنة وكذلك بالنسبة إلى النار فإن تمام الشقاء ليس في الذهاب إلى النار والاكتواء بها، وإنما في البعد من الله سبحانه وتعالى وكما قال الإمام علي (ع) في دعائه الشهير ب (دعاء كميل): «فهبني يا سيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟ وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك؟.. «فهذا المقطع من الدعاء يعبر في أن الابتعاد عن الله وفراقه أعظم عقوبة من عذابه المادي المحسوس؛ وهو في الحقيقة يقابل رؤية أطباء علم النفس الذين قالوا إن السعادة والألم النفسيين أعظم وقعًا من السعادة والألم الماديين، ومِن الناحية الفلسفية نستطيع القول إن الشقاء والألم (الأعظمين) يطغيان على كل ما دونهما من شقاء وألم وكذا أيضًا بالنسبة للسعادة والنعيم؛ فلا معنى لأن يحزن إنسان على خسارة سيارته في حادث سير وقد خسر في نفس الحادث ابنه مثلاً فحزنه وجزعه على خسارة طفله تجعل خسارته لمركبته لا قيمة حقيقية لها، ولهذا نجد في أدبيات العُرفاء والمتصوفة أنهم يبحثون عن رب الجنة لا الجنة، فيروى أن الششتري كان متوجهًا إلى أبي مدين فلقيه ابن سبعين وقال له: إن أردت الجنة فسِر إليهم؛ وإن أردت رب الجنة فهلم إلي! ويروى أن الجنيد لقي جارية عند الكعبة فسألته يا جنيد أتطوف بالبيت الحرام أم برب البيت الحرام؟ فقال بل أطوف بالبيت الحرام فأنشدت قائلة : «يطوفون بالأحجار يبغون قربة إليك وهم أقسى قلوبًا من الصخر» ..الخ من أبيات.

ومِن الأقوال الجميلة في نفس الباب أيضًا نستذكر قول سلطان العاشقين ابن الفارض: عذب بما شئت غير البعد عنك تجد، أوفى محبٍّ بما يرضيك مُبتهج. أما بالنسبة للصوفية، أصحاب الطرق والسلوك (العرفان العملي) فإنهم اتخذوا القلب مركزًا للمعرفة الكشفية (رأيت ربي بعين قلبي) وسبيله وكيفيته هو باتباع السلوك، والإرشاد، والورود في الطريقة من صاحب الطريقة أو شيخ الطريقة وحرمان أنفسهم من ملذات الحياة، ومجاهدة النفس وتصفيتها، وتزكيتها، حتى يخضع شهوات النفس لسلطان الروح، ومن بعدها يتحول القلب إلى مرآة لله جل وعلا ولا يرى المريد أو المتصوف بعدها سوى الله ولا يتحدث إلا عن الله، إما جنة ونار الصوفية ففيها عدة أقوال فمنهم من ذهب إلى القول بمثل ما قاله العُرفاء كما سبق، ومنهم من قال بعدم وجود شقاء أبدي حيث إن جميع الخلق سينالون الرحمة الإلهية والنار ماهي إلا شكل من أشكال الجنة وقال بعض غلاة الصوفية بالتناسخ واقتبسوها من بعض الديانات الهندية والشرقية، ولا دعوى لهذه العقيدة بعقيدة وحدة الوجود والتي هي مذهب أغلب الصوفية بل وأيضًا مذهب أغلب الفلاسفة ذات النزعة الصوفية والعرفانية وهي أنواع؛ سأتحدث عنها في مقالة أخرى إن شاء الله.

السَّعادة والشَّقاء عند المفكر العراقي أحمد القبانجي

(رؤية فلسفية عرفانية جديدة)

يعتقد المفكر العراقي أحمد القبانجي مثله مثل الفلاسفة؛ أن السعادة والشقاء الأبديين لا يتمثلان بالجنة والنار الماديتين، ولا يمكن تصور وجود الجنة والنار الماديتين أساسًا، لأن أدلة وجودهما أولاً ليست منطقيَّة عقليًّا وفلسفيًّا وتتعارض مع جُملة من القوانين الفلسفية الثابتة، وثانيًا لأنه يعتقد أنها تتعارض وتتنافى مع عدالة الله ورحمته، أما بالنسبة لجنة الإنسان وغايته (السعادة الأبدية) فهو يرى أنها تتمثل أولاً في الحياة بعد الموت حيث إن طموح كل إنسان هو في الخلود؛ وحتى تصل إلى مرحلة الخلود فعليك أن تتواجد في الحياة الأخرى كما قال المسيح (ع): «إن كل من يريد أن يرى الله ويعيش في حضرته للأبد، ينبغي أن يُولَد مرتين»، ولن يتواجد في الحياة الأخرى إلا من شحن قلبه بنور الله بالعمل الصالح والقيم الأخلاقية الكريمة، حيث إن الأنوار الإلهية ليست فانية بل باقية ومن ثَمَّ تلتحم هذه النفس الصالحة المملوءة بالأنوار الربانية وتتحد مع الله، حينها يتوج الإنسان الصالح المحسن والذي حوى قلبه نور الله بقاءه في اتحاده مع الله، كمثل قطرة المطر التي تسقط من السحاب في المحيط فتتغير تركيبتها وشكلها وطبيعتها بمجرد انمزاجها مع البحر فتصبح جزءًا منه؛ وهكذا أيضًا يترقى الإنسان ليصبح هو الله بعد أن وصل إلى مرحلة الكمال. أما بالنسبة للشقاء الأبدي فهو في فناء النفس السيئة وعدم عودتها للبقاء في الله مثلها أي نفس حيوانية فانية؛ ومعرفة الإنسان أنه كان بوسعه واستطاعته أن يخلد في الله بل ويصبح الله ورغم ذلك يفوت هذه الفرصة العظيمة لهو أعظم عقاب وأكبر شقاء له. إن ما ذهب إليه السيد أحمد القبانجي وباعترافه لا يمكن الوصول إليه من خلال البحث الفلسفي فقط وإنما يحتاج فيه المرء إلى اللجوء إلى الشواهد العرفانية، ولكن قد يتساءل البعض هل رؤية المفكر أحمد القبانجي جديدة تمامًا؟ فإنها تتشابه مع رؤية بعض الغُلاة الصوفية وبعض فِرق البراهمة والمانوية والنسْطُورية (المسيحية) التي قالت بحلول اللاهوت في الناسُوت؛ ولكن شتان ما بين من يقول بالحلول وبين من يقول بالاتحاد، وشتان ما بين من يقول باتحاد الله (القديم) في الإنسان (المحدث) كما قالت بعض تلك الفرق آنفة الذِّكر وبين رأي القبانجي القائل باتحاد المحدث مع القديم فيصبح الخلق حقًّا والحق خلقًا! ولكن رؤيته تتشابه بشكل أكبر مع رؤية الطائفة الكيومرثية المنبثقة عن الديانة المجوسية؛ والتي قالت باتحاد أرواح الصالحين مع يزدان (إله النور)، وإن كانت هناك فروقات كثيرة أيضًا لا يسعنا المجال للخوض فيها. شخصيًّا أعتقد أن القبانجي أصبح مبتكرًا لنظريات ورُؤى جديدة وخصوصًا فيما وراء الطبيعة (الميتافيزقيا) وذلك من خلال استلهام بعض رُؤى وأفكار واعتقادات فلسفية وعرفانية ودينية ودمجهما معًا؛ ومِن ثَمَّ محاولة التوفيق والجمع بينهم مع فِكره الوجداني ليخرج إلى العالم بفكر جديد لم يعهده، فهل ينجح في مسعاه؟ أم أنه سيثير الجدل كما أثار المعلم الثاني (الفارابي) الجدل حينما حاول جاهدًا التوفيق بين آراء الفيلسوفين العملاقين آرسطو وأفلاطون، ومِن ثم حاول جمع آراءهم التي أوَّل بعضها بصبغة إسلامية وأضاف إليها بُعدًا روحانيًّا متمثلة بنظرية الفيض الشهيرة؟

الخاتمة

بطبيعة الحال فإن رؤية السيد أحمد القبانجي ستثير حنق الفقهاء والعوام، وهذه ليست المرة الأولى التي تثيرهم فيها آراءه ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، وشخصيًّا فإنني لا أحبذ تصدي الفقهاء الكلاسيكيين للقضايا الفلسفية والعرفانية لأننا ملَلْنا كثرة فتاوى التكفير التي تصدر يوميًّا دون أن تحمل هذه الفتاوى أدنى مقومات الإقناع (أقله بالنسبة للحداثيين)، لهذا أوجِّه ندائي إلى ما تبقى لدينا مِن فلاسفة ومفكرين وفقهاء مسلمين وعرب من قبيل الدكتور عبدالكريم سروش والشيخ محمد مجتهد الشبستري والسيد كمال الحيدري والدكتور عدنان إبراهيم وغيرهم ممن يعدون على الأصابع؛ ليقفوا اليوم أمام هذا الفكر الإنساني الجديد، والبحث القديم الجديد؛ ليضعوه تحت مجهر الفكر والبحث باستخدام أدوات الحداثة والفلسفة والدِّين والعرفان ليخرجوا إلينا برؤيتهم العميقة حول مفهوم السعادة والشقاء الأبديين وغيرها من المواضيع التي تهم البشرية.

المصادر:

-أحمد القبانجي (حقيقة الحياة بعد الموت).

– الإمام الغزالي (تهافت الفلاسفة).

– بوساحة أحمد (حقيقة الموت في نظر الديانات).

– يحيى محمد (منشأ السعادة والعذاب عند الفلاسفة والعرفاء).

 

16,300 total views, 17 views today