سعود الزدجالي


يُعدُّ الاتساق سِمة داخلية لكل خطاب في فكر السُّلطان قابوس؛ لذلك فإنَّ القرآن الكريم ينصُّ عليها ويضعها ضمن السمات الإعجازية للنص: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”، وحتى نستجلِي الاتساقَ الخطابيَّ في فكر السلطان قابوس، كان لا بد من النظر في خطاباته الممتدة على مدار حياته منذ توليه الحكم في العام 1970م، وفي كل المناسبات، وأعماله التنموية والثقافية المختلفة والمتعددة، ومواقفه أحيانًا حتى على سبيل الصَّمت، والتي تتَّسق مع خطاباته اتساقًا يُدلل على شخصيته المتفردة، وقد وجدت الباحثة ليندا فانش (2016م) نفسها أمام فكر شمولي يكمُن في الخطابات السامية التي اكتسبت أهميتها عبر مُقوِّمين أساسيين؛ هما: أنها تُمثل السجل الثابت لفلسفة السلطان وقراراته وأعماله، كما أنَّها تمزج بين الفكر أو العمل والعاطفة؛ وهي تستنهضُ الإنسان العُماني بإشاراته المختلفة إلى التاريخ والمجد والهوية. ومع ذلك، فهي تجانب الغلو والمبالغة، وهذا يجلعنا نستعيد سِمة أخرى من سمات الخطاب القرآني في مَزج العاطفة بالعمل، ظهرت في فكر السلطان كما أشار مالك بن نبي بالنسبة إلى القرآن؛ نحو: “وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا”؛ فأساس العمل الحضاري هو شحذ الحماس لبناء مفهوم الأمة.

إنَّ “الاتساق” في الخطاب يحيل على ذلك التماسُك الكلي فكرا ولغة؛ بحيث إنَّك لا تكاد تعثر على نقطة تخرق شمولية هذا الفكر وتعددية أبعاده على مدار حياته وخطاباته، وهذا الاتساق يجعلنا نستعيد فكرةً طرحها رينه ديكارت في كتابه “حديث الطريقة”؛ فحواها ميله “إلى الاعتقاد بأنه كثيرا ما تكون الأعمال المؤلفة من أجزاء عديدة، والناجمة عن أيدي صناع مختلفين أقل اكتمالا من التي عمل فيها صانع واحد. وهكذا فنحن نرى أنَّ البناءات التي بدأها وأتمها مهندس واحد؛ غالبا ما تكون أكثر حسنا وأجمل ترتيبا من التي حاول الكثيرون ترميمها”، وهذا ما يجعلنا نستعيد “القيم الحضارية” التي تعدُّ من ثوابت السلطان الراحل وفلسفته في فهم مصطلح التنمية، عبر استعادة مقوماته المتمثلة في مجموعة ثوابت مهمة؛ من بينها: المواطنة والمشاركة في البناء، والإنتاج والعمل بوصفهما قيمتيْن حضاريتيْن، وهما يفرضان التعددية والاختلاف، والهُوية الدينامية، كما أنَّ التنمية تجعل الموارد الطبيعية والاستدامة وتجنُّب الإفقار في عُمق المفاهيم الإنسانية لتفضي إلى الوحدة الوطنية، واحترام الإنسان بوصفة قيمة بحد ذاته.. ويمكن التوقف أمام ارتكازات حضارية مهمة تعد الثوابت الإنسانية عند السلطان قابوس:

1- أهمية الإنسان دون شرط أو استثناءات: فهو لذاته، وكل ما سواه فهو بسبب حضوره، وقد أشار (الزدجالي، 2020) إلى حضور الإنسان في التنمية منذ الخطة الخمسية الأولى (1976-1980)؛ فنلاحظ أنها تنبَّهت مبكرا إلى مسألة اللامساواة التي قد تولد العقبة الفعلية أمام التنمية الإنسانية تمثل في الأهداف المرصودة للتخطيط الخمسي؛ مثل توزيع الاستثمارات جغرافيا؛ بحيث تعود بالنفع على مختلف مناطق البلاد وسائر أهلها، وحتى يزول التفاوت في مستوى المعيشة بين مختلف المناطق، إيلاء أولوية خاصة للمناطق الأقل تقدما في الوقت الحاضر، ودعم وتنمية المراكز السكانية الحالية والمحافظة عليها من خطر الهجرات الجماعية إلى مراكز التجمع السكنية الكثيفة والمحافظة على البيئة، والاهتمام بتنمية الموارد البشرية المحلية حتى تتمكَّن من القيام بدورها كاملا في الاقتصاد الوطني. وفي السياق ذاته، نستعيد مؤتمر الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (2020) في العام (1995)؛ إذ أكد جلالته “أن التنمية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي من أجل بناء الإنسان الذي هو أداتها وصانعها”، وقد استعادتْ الخطابات السامية هذه الفكرة في مُناسبات متعددة؛ مما يُبرز وصفها ركيزة أساسية في فهم الأبعاد التنموية والحضارية.

2- انطلاقا من مفهوم الإنسان وحضوره وتوهُّجه في فكر السلطان، نجد أنَّ مفهوم التنمية يرتكز -كما ألمحنا سابقا- على مفاهيم مُهمَّة في بناء الدولة الحديثة؛ أهمها: المواطنة (الزدجالي، 2015، 219)، والمشاركة الوطنية والمضامين الديمقراطية، والإنتاج وقيم العمل، والتعددية والاختلاف، والاستدامة في استثمار الموارد الطبيعية وتجنُّب إفقارها، والوحدة الوطنية، وغياب هذا المفهوم الجذري في بناء المجتمعات يحولها إلى تحديث مادي فارغ المعنى.

3- دينامية الهُوية: ونقصد بها “هُوية الإنسان” في ظل المتغيرات؛ باعتبار الانتماء الإنساني الشمولي -كما يرى أمارتيا صن- فقد جاء في الخطاب السامي (العيد الوطني، 1977): “وكنت في العام الماضي قد أعلنت لكم عن عزمي إتاحة الفرصة أمام شبابنا ليس فقط لاستيعاب المناهج الدراسية، وإنما أيضا لاستيعاب حضارة بلاده وتراثها التاريخي العظيم، وبعد دراسة دقيقة وصلنا الآن إلى مرحلة إعداد منهاج دراسي لا يتطابق مع المستويات الدراسية العالمية فحسب، بل يتضمن أيضا فحوى هذا التراث الوطني العريق، فالتعليم يجب ألا يبقى وسيلة لتثقيف الفرد فقط، بل يجب أن يُعنى أيضا بتكوين شخصيته حتى تلعب عمان دورا مهما في الشؤون العالمية؛ ذلك أن التأثير المتزايد لحضارة ومدنية القرن العشرين على جوانب الحياة في بلدنا، يجب أن يبدو جليا وواضحا لكل واحد منا، فالكثير من هذه المؤثرات قد جلب نعمة الصحة والحياة الأفضل لشعبنا، وأنه من الأهمية بمكان، إضافة للمحافظة على القيم الدينية والخلقية العناية أيضا بالصحة الجسدية ووقايتها”.

4- التعدُّدية والعلاقة مع الآخر (ثقافة الاختلاف): وتعد هذه النزعة جزءا أصيلا من سمات الدولة البوسعيدية، لا سيما في ظل التحولات الحضارية؛ بدءا من عهد السلطان السيد سعيد بن سلطان، ومرورا بأبنائه؛ مثل: السيد ماجد في زنجبار، كما أشارت المستشرقة فاليري هوفمان (2014)، ونلاحظ ذلك في خطاب السلطان السابق (1977)، أو في الخطاب السامي (العيد الوطني، 1994): “لقد أسهمت عُمان على امتداد تاريخها الطويل في صنع الحضارة الإنسانية، وكان لأبنائها جَهد غير منكور في خدمة هذه الحضارة؛ فالموقع المتميز لهذا البلد الطيب، والروح النضالية التي حملتْ العُمانيين إلى أقاصي الأرض، يجُوبون البحار، ويمتطون الأخطار… ويشاهدُون بأعينهم، ويخالطون بقلوبهم وعقولهم صنوفا من الحضارات، وضروبا من الثقافات، وأشكالا متباينة من التقاليد والعادات.. كلُّ ذلك كان له ولا شك أثر بارز في البناء الحضاري”.

5- مفهوم المواطنة في ظلِّ تحديث الدولة وبناء الهُوية الوطنية؛ مما أدى لفهم كوامن الإنسان وطبيعته في ظل اشتهاء السلطة؛ فقد جاء في الخطاب الموجه إلى المسؤولين في الحكومة (1978) ما نصُّه: “وهناك أمر هام يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنهم جميعاً خدم لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يُؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص، وأن يتجردوا من جميع الأنانيات وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية؛ إذ إنَّنا لن نقبل العذر ممن يتهاون في أداء واجبه المطلوب منه في خدمة هذا الوطن ومواطنيه، بل سينال جزاء تهاونه بالطريقة التي نراها مناسبة. لقد وضعت قوانين لهذه الدولة بموجب مراسيم سلطانية صدرت بشأنها وتصدر من حين لآخر؛ وذلك للمحافظة على مصالح هذا الشعب، فعليكم أنْ تدرسوا هذه القوانين كل في مجال اختصاصه دراسة وافية، وأن لا تتجاوزوا في المعاملات أي نص لتلك القوانين؛ بل يجب التقيد بها واتباع ما جاء في نصوصها. إنَّ الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون نفوذاً أو سلطة. عليكم جميعاً أن تكونوا قدوة ومثلاً يحتذى، سواء في الولاء لوطنه أو المواظبة على عمله واحترام مواعيده، أو في سلوكه الوظيفي داخل مكان العمل أو خارجه، وفي حسن الأداء وكفايته. إنَّ العدل أبو الوظيفة وحارسها، فتمسكوا به وعاملوا الجميع بمقتضاه، وإنني لرقيب على أن يفي كل منكم بهذه الأسس والمعاني، فلن يكون في مُجتمعنا مكان لمنحرف أو مُتقاعس عن أداء واجبه أو مُعطِّل لأدائه، كما يكون لكل مجتهد نصيب في المكافأة والتقدير والعرفان بالجميل. وأخيراً، نود أن نُشير إلى أنَّه قد يتحبَّب البعض إلى مسؤوليهم بأعمال خاصة وخدمات خاصة لا تَمُت إلى الدولة بأية فائدة، هؤلاء ينبغي أن يكافِئوا بمكافآت خاصة وليس على حساب الدولة كترقيات أو تساهلات بأوقات العمل المطلوب منهم، وعلى المسؤول أن يعتبر مصلحة الدولة فوق كل مصلحة، وأن ينتقِي الأصلح فالأصلح، لا القريب من الأقارب؛ إذ يجب أن لا تدخل القرابة النسبية في حساب أي مسؤول؛ فكلُّ الأفراد العُمانيين هم أخوة وأبناء، ونحن لا نحب أن نسمع أن هناك توظيفاً أو تقريباً أو تمييزاً على أسس غير الكفاية واللياقة والإخلاص، وعليكم جميعاً أنْ تجعلُوا نصب أعينكم دوماً مصلحة عُمان وشعب عُمان. إن الدولة تتكون من ثلاثة أجهزة: الجهاز المدني وهو الجهاز الإداري، وجهاز الأمن وهو المحافظة على أمن الوطن الداخلي، والجهاز العسكري وهو المدافع عن الوطن من أي خطر خارجي. وعلى هذه الأجهزة الثلاثة أن تتعاون معاً وفي كل الأوقات، وأن تنسق فيما بينها، وأن تنسى الفروق الشكلية بين مدني وعسكري أو بالعكس، وأن تتذكروا ما قلناه آنفاً بأنَّ هذه الدولة بكل أجهزتها هي لخدمة هذا الوطن العزيز ومواطنيه الأوفياء، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” صدق الله العظيم”.. ويُشِير جلالته في الخطاب ذاته إلى مفهوم “الشرعية السياسية” في إدارة الحكم بقوله: “لقد أولانا شعبنا منذ تولينا أموره ثقته الكاملة بنا، ومن خلال ثقته هذه وثق بمن اخترناه ونختاره لتولي المسؤولية لإدارة مصلحته العامة؛ لذا فإنَّ علينا وعليكم المحافظة على هذه الثقة وعدم التفريط بها”.

6- الوحدة الإنسانية ونبذ الشقاق، ويعدُّ ذلك من أبرز نزعاته على مدار حياته وخطاباته، وانعكس في تعامله مع الشعب العماني والشعوب كلها، يبرُز ذلك في وقت مبكر؛ ففي الخطاب السامي (العيد الوطني، 1978) ينصُّ على أنه: “لكل عضو في هذه الأمة الحق لكي يعبر عن آرائه بحرية كلما نشأت الخلافات، لكن حرية التعبير يجب أن تتسم بروح الأخوة الصادقة والمنزهة عن الحقد والضغينة والتنافس، وأن تكون مقرونة بعزم مُشترك صادق لتحقيق الآمال التي نصبو إليها جميعا، وعلى زعماء عالمنا العربي أن يدركوا حقيقة أنَّ الشعوب العربية لم تعد بعد الآن قادرة على احتمال الانحطاط إلى مستوى التراشق بالتهم وافتعال الخلافات التافهة فيما بينهم، والتي كانت دائمًا سببًا في تدهور العلاقات بين دولهم، كما في أحوال كثيرة كاد النصر أن يكون حليفنا، لكنه ما لبث أن أفلت من أيدينا ليقع في أيدي أعدائنا بسبب هذه التصرفات والمواقف. إنَّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: تُرى مَن المستفيد من هذه الخلافات والمنازعات والانشقاقات بين الشقيق وشقيقه؟ وما على المرء إلا أنَّ ينظُر حوله ليقف على الجواب، أنَّ المستفيدين هم أولئك الذين يطمحون إلى سيادة العالم؛ وذلك بجعل عالمنا العربي مسرحًا للصراع السياسي والعسكري لتحقيق مطامحهم. وبينما الزُّعماء العرب يشغلون أنفسهم بمخاصمة ومقارعة بعضهم البعض، نرى هذا الشكل الجديد من الاستعمار آخذا بالتوسع، ومما يبعث على السخرية هو أنَّ الذين يوجهون هذا الاستعمار الجديد لا يحاولون حتى إخفاء أطماعهم التوسعية أو تبريرها، وحين كانوا ذات مرة يزعمون أنهم يتولون سيادة بلاد وشعوب بأكملها من أجل خير وصالح تلك البلاد وشعوبها، أو للحفاظ على حريتها ضد أطماع ومؤامرات دول أخرى، أو لخدمة قضية الديمقراطية، نراهم الآن يلتزمون جانبَ الصمت التام في الوقت الذي تزحف فيه قواتهم وقوات الذين يخدمون مصالحهم لإخضاع ضحاياها دون رحمة أو شفقة، يقاومها ببسالة عدد قليل من المحبين لأوطانهم، والواقع أنَّ هذه المطامع الاستعمارية أصبحت الآن تمارس بصورة مكشوفة إلى حد الاستهزاء بآراء الشعوب وبشرائع الأمم المتحدة وقراراتها؛ بحيث لا أحد غير المغفلين يصدقون أعذار أرباب هذا الاستعمار البغيض”.

7- القيمة الفعلية للأخلاق لا بشرط شيء آخر: فعلى الرَّغم من تنبيه السلطان للخلافات والشقاق بين الأمم؛ إلا أنه يعود ويتعامل مع الإنسان الذي أفرزته تلك الخلافات كاللاجئين بقيمته الذاتية (الخطاب السامي، 1979) في تعامله مع اللاجئين من اليمن الجنوبية؛ مما يُفسر تعامله مع الإنسان اليمني في الحرب الأخيرة: “وخلال العام الماضي، شهد العالم أمثلة جديدة ومحزنة للمصائب التي ابتليت بها البشرية، من جراء اتباع السياسة التي تخدم المصالح الذاتية؛ ففي جنوب شرق آسيا، فإن حالة عشرات الألوف من الناس الأبرياء الذين أجبروا على الفرار من ديارهم؛ ليُصبحوا لاجئين مُشرَّدين قد أثارت شفقتنا. ولقد بذلت عُمان كل ما باستطاعتها، وستظل تفعل ذلك؛ للتخفيف من الآلام ومعاناة هؤلاء الناس البؤساء، ونحن العُمانيين أصبحنا نألف محنة اللاجئين الذين يتدفقون باستمرار إلى بلدنا من اليمن الجنوبية؛ الأمر الذي أصبح يستوجب الآن اتخاذ إجراءات خاصة لاستقبالهم وتقديم المساعدة الضرورية لهم، وأننا نرى أن الوقت قد حان لكي تتخذ جميع الدول الإجراءات الضرورية لمكافحة المجاعة والتخفيف من آلام الملايين من الناس المحرومين في هذا العالم. وأنَّ قناعتنا بأن هذه الآلام والمحن ستستمر إلى أنْ نُوحِّد موقفنا في إصرار على ضرورة التقيد بالقانون الدولي، وإلى أن يتم إيجاد قانون اقتصادي عالمي جديد يقوم على أساس مشاركة الموارد بطريقة عادلة ومنصفة، وكما أنه من واجب الزعماء الوطنيين التأكُّد من أن موارد بلادهم تستخدم لفائدة شعوبهم، فإننا نؤمن بضرورة اعتماد هذا المبدأ بشكل موسَّع ليشمل نظاما للتعاون الاقتصادي على نطاق عالمي لمنفعة البشرية جمعاء، فالتقدُّم التقني الكبير الذي حققته الدول المتقدمة يجب أن يضم مع المصادر المادية العالمية لتلبية هذه الحاجات”، وينبع من هذه المفاهيم والأفكار وجوب احترام سيادة الدول ووجوب احترامها.

8- الدَّعوة الدائمة إلى السلام والتسامح بالمعنى الفلسفي، الذي يتضمَّن التضحية والإيثار من أجل مجتمع دولي إنساني، ولعلَّه أشار في غير مناسبة إلى مسألة “خفض التسلح”، كما فعل في الخطاب (1979): “ونحن نَرَى أيضًا ضرورة مُواصلة المحاولات الرامية إلى خفض التسلح العالمي. وفي حين أن خفض التسلح هو بالأخص من مسؤولية الدول الكبرى، فإن من واجبنا جميعا أن نُشدد على ذلك؛ ذلك لأنَّ بخفض إنتاج أسلحة الدمار الجماعي فقط يمكن للجنس البشري أن ينظُر للمستقبل بثقة واطمئنان، وأن تكون العلاقة بين الدول خالية من البغضاء، غير أنَّه من الضروري مواصلة هذه المحاولات بطريقة واقعية، وبضمانات كاملة، من أجل الحفاظ على توازن القوى لضمان سلامة العالم. كما أنَّ هذه الإجراءات يجب أن ترافق، وأن تكون بالفعل، جزءا من العمل في المجال الدبلوماسي من أجل وضع حد لكل المحاولات الرامية إلى المكابرة أو العظمة؛ ذلك أنَّ الأطماع السياسية تكمُن وراء زيادة التسلح التي هي جذور أسباب الخطر” أو في خطابه (1982): “وفي ضوء هذه الأحداث، فإنَّ علينا نحن العرب أن نُكثِّف جهودنا لخدمة المصالح العربية الحقيقية.. وعلينا واجب الاحتراس من أولئك الذين يسعون للإضرار بالمصالح الحيوية لشعوبنا بشعاراتهم الجوفاء، ومزاعمهم الكاذبة التي يدَّعون فيها أنهم الأصدقاء والحلفاء الوحيدون للشعوب العربية، وعلينا أيضا واجب الحذر من أولئك الذين يشوِّهون تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف لخدمة أغراضهم السياسية. لقد ناشدنا جميع أشقائنا العرب في مثل هذا اليوم من العام الماضي أن يُلقوا بخلافاتهم جانبا، وليعملوا معًا مستخدمين كل إمكاناتهم لخدمة قضايانا المشتركة، ونحن اليوم نجدِّد مُناشدتنا لأشقائنا، ونؤكد على الأهمية القصوى لتوحيد الصف العربي في هذه المرحلة الدقيقة من حياة أمتنا العربية. لقد شَهِد العالم هذا العام تطورات خطيرة أظهرتْ بوضوح عدم استقرار الأوضاع العالمية، كما أظهرتْ عدم اكتراث بعض الدول والقوى بالقوانين والأعراف الدولية والمبادئ الإنسانية بارتكابها لأعمال العنف، والمذابح الوحشية البشعة، واستخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًّا ضد الذين يكافحون في سبيل حرية أوطانهم، وتخليصها من السيطرة الأجنبية.. إنَّ كل هذه الأعمال قد شكلت تحديًا خطيرًا للأمم المتحدة، ورسالتها، وميثاقها، وقراراتها التي أهملت مُرارا وتكرارا حتى بات واضحا الآن أنَّ المنظمة الدولية تواجه خطر التحول إلى منظمة ضعيفة عاجزة لا تملك القوة لفرض احترام المبادئ والقيم التي من أجلها أُنشِئت.. وقد حان الوقت لكي تتحمَّل كل دولة مسؤوليتها في نطاق الأسرة الدولية بهدف تنشيط دور الأمم المتحدة، وتأكيده ومنحه قدرة التأثير الايجابي لصالح قضايا السلام والأمن الدوليين.. ونحن إذ نُطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في هذا الصدد، فإننا نُؤكد التزامنا بمسؤوليتنا تجاه الأمم المتحدة، والتزامنا بالتعاون مع كل الدول المُحِبَّة للسلام، متطلعين إلى اليوم الذي نرى فيه المنظمة الدولية وقد غدتْ أداة فعَّالة لخير وسلامة البشرية”، أو في العام (1984) وسعيه لإنهاء حرب الخليج الأولى، التي طَرَح فضَّها في مناسبات متعددة.

9- إعادة فهم التراث لكي لا يكون جوهر الشقاق في ظل “عنف الهوية” المتزمِّتة؛ أو باجترار الفهم التاريخي للنص كما اتضح في (الخطاب، 1994)؛ إذ أشار السلطان في هذا الخطاب إلى مفهوم “تاريخية الفهم”، بدلا من “تاريخية النص”، ليفتح المجال أمام الخلاف النظري بين الفرقاء في قضية التراث الإسلامي؛ فإذا كنا نعتقد باستمرار النص وخلوده؛ فعلينا أن نطرح الفهم القديم للنص؛ لإعادة قراءته في ضوء المستجدات الحضارية دون إلغاء ذلك النص، ويعد هذا المنحى رؤية عميقة في فكر السلطان قابوس – رحمه الله تعالى.