د. سعيد بن سليمان العيسائي

مفهوم السياحة الثقافية
إنَّ السياحة الثقافية هي نتيجة تعاون وتواصل بين الثقافة والسياحة؛ ليندمجَ في هذا المفهوم تكامُل تعريفيْ: السياحة والثقافة.
ويسمِّيها بعضُهم سياحة الموروث التاريخي، أو السياحة القائمة على الإرث التاريخي.
والسياحة الثقافية هي سَفَر، وامتداد، وتبادل بين الحضارات، وتعامل بشري، ومُتعة لا يمكن للآلة أن تؤمنها.. وتقوم تلك السياحة على ثلاثة مُقوِّمات أساسية؛ هي: المكان، والزمان، والإنسان.
فالمقصود بالمكان هو المواقع الأثرية والتراثية. وأما الإنسان فمعناه وجود الفرد الواعي والمدرب والمؤهَّل الذي هو محور وصانع الحركة السياحية والثقافية. أمَّا الزمان، فنقصد به قصة الموقع وعلاقة الإنسان به، وهي رحلة لاستكشاف الآخر وثقافته وتاريخه؛ سفر لمعرفة انبعاث الماضي من قدمه وماضويته إلى حاضره، وفي انتقال الحاضر إلى ذلك المستقبل المجهول الذي سوف يأتي1.
وقد جرى أول اعتراف رسمي بالسياحة الثقافية في العام 1962، عندما أكَّد المجلسُ الاقتصاديُّ في الأمم المتحدة أن السياحة الثقافية تُسهم بشكل أكيد في تدعيم مفهوم الصداقة والتفاهم بين الشعوب، وتعزَّزت هذه الأهمية أيضاً في العام 1966 من قِبَل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”؛ وذلك من خلال تأكيدها على قدرة السياحة الثقافية على المساهمة في دعم مسيرة السلام بين الشعوب2.
وللسياحة الثقافية أهمية اقتصادية؛ حيث تُعدُّ من الأنشطة الاقتصادية التي ترتفع درجة تأثيرها على التنمية الاقتصادية وعلى الدخل الوطني وتحقيق التوازن الداخلي والخارجي، وتوفر فرص عمل للأفراد3.
والسياحة الثقافية هي التي يكون الباعث الأساسي عليها الثقافة وزيارة المواقع الأثرية والمعالم التاريخية والمتاحف، والتعرف على الصناعات التقليدية، أو أي شكل من أشكال التعبير الفني أو المصور في بعض الفعاليات الثقافية؛ مثل: المعارض والمهرجانات4.
السياحة والتراث الثقافي
يتمثل التراث الثقافي في الآثار التي تعرض في مواقعها أو التي تحفظ وتعرض في المتاحف.

الآثار
تحتلُّ الآثار مكاناً كبيراً في مجال السياحة الثقافية؛ فالاهتمام بالتاريخ والحضارات القديمة وما تركته لنا من آثار باقية يُمثل عنصرَ جذب قوي عند كثير من السياح، وهذه العناصر خالدة لا تموت، بل تتجدَّد بتغيُّر صورة الحفريات التي لا تتوقَّف في كلِّ مكان ذي خلفية تاريخية، والتي يقوم بها الحفارون أو المنقِّبون في الآثار وهواة البحث عن أسرار التاريخ القديم5.
وهُناك المنشآت المعمارية التي تعدُّ من المغريات السياحية كالمساجد، والقلاع، والحصون، والاستحكامات الحربية.
ونُلاحظ أنَّ الدول التي تعمل على تطوير صناعة السياحة الثقافية تستغل تراثَ ماضيها التاريخي كوسيلة جذب رئيسية للسياح6.
المتاحف
وهي منشآت دائمة، تؤسَّس بغرض حفظ ودراسة وتقييم المقتنيات الفنية، والتاريخية، والعلمية، والتقنية، بطريقة مختلفة، وبصورة خاصة على الجمهور، وبقصد التعلم والتمتع7.
كما تُعدُّ سياحة المؤتمرات من الأنشطة السياحية المهمة ذات الصبغة الثقافية؛ حيث ازدادت أهمية هذا النوع من النشاط السياحي باعتبارها “أداة حوار بين الدول والشعوب والعلماء والمثقفين والمتخصصين”8.
السياحة الثقافية في عمان
تتوافر السلطنة على كل مُقوِّمات وأشكال السياحة الثقافية؛ نظراً لتاريخها العريق الضارب في القدم، وتراثها الثقافي والفكري؛ حيث تنتشر “الصروح والمعالم التاريخية في السلطنة؛ فلا تكاد منطقة أو ولاية أو مدينة عُمانية تخلو من الحصون، والقلاع، والأبراج، والمساجد التاريخية، التي تختلف في هندستها باختلاف بنائها والحقبة التاريخية التي بنيت خلالها”9.
وتشتهر السلطنة كذلك “بإنتاج العديد من الحرف التقليدية كالملابس الشعبية والحلوى العُمانية والأدوات الخاصة بالموسيقى والزينة، والأواني الفخارية والخزفية، والصناعات المعدنية، وصناعات السعفيات، والصناعات الجلدية، والصناعات الصوفية والقطنية، كالجحال والمجامر والمباخر…وغيرها10.
و”تشتهرُ السلطنة بصناعة السيوف والخناجر والنصال”11.كما يوجد في السلطنة عدد من الأسواق القديمة كسوق مطرح، وسوق نزوى، وسوق بهلا، وسوق الرستاق.
ويُمكن الحديثُ عن أهم مَلَامح وأشكال السياحة الثقافية في السلطنة؛ والتي منها:
المتاحف
تعدُّ السلطنة من الدول التي اهتمَّت بتراثها وكنوزها التاريخية والتراثية.. وقد أدركت أهمية النهوض بالمتاحف؛ باعتبارها انعكاساً لتواصل وحوار الثقافات واللغات والمجتمعات الأخرى، وتفاعلها ودورها في تعزيز ثقافة المجتمع، وغرس روح المعرفة التاريخية، وربط وصيانة وحفظ التاريخ الإنساني12.
وتُشرف وزارة التراث والثقافة على عِدَّة متاحف رسمية؛ منها: متحف وزارة التراث والثقافة، ومتحف التاريخ الطبيعي، ومتحف الطفل، والمتحف العُماني الفرنسي، ومتحف قلعة صحار “13.
كما تُشرف وزارة الدفاع على متحف قوات السلطان المسلحة، الذي يقع في قلعة بيت الفلج، ويُشرف مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية على متحف أرض اللبان14. ويجسِّد المتحف البحري بولاية صور شتَّى جوانب التراث البحري.
ومن المتاحف أيضاً: المتحف الوطني، الذي افتتح مؤخراً ويزخر بالكثير من الآثار والمخطوطات التي تغطي الحقب التاريخية في عُمان ابتداءً من العصور القديمة حتى العصور الحديثة، كما توجد قاعات تحكي كلَّ حقبة من هذه الحقب التاريخية15.
وتوجد متاحف خاصة؛ مثل: متحف بيت الزبير، الذي يضم مجموعة من المقتنيات والأزياء التي تمثل مختلف مناطق السلطنة16.
ومن المتاحف الخاصة أيضاً: متحف بيت الغشام، الذي افتُتح مُؤخراً في ولاية وادي المعاول17.
القلاع والحصون
تعدُّ القلاع والحصون في سلطنة عُمان ذات أغراض مُتعددة، فضلاً عن كونها مقرًّا للحكم، واستحكاماً حربيًّا، إلا أنها قامت بدور تعليمي وتثقيفي من خلال المدارس العلمية المتقدمة “مدارس ما بعد الكتاتيب”.
وسنتعرَّض هنا لتجربة مشروع تطوير القلاع والحصون بالسلطنة؛ نظراً لخبرتي السابقة في هذا المشروع لعدة سنوات، منذ بداياته الأولى في المديرية العامة للسياحة بوزارة التجارة والصناعة.
ويعدُّ مشروع تطوير القلاع والحصون أحد المشاريع الرائدة الذي تقوم بتنفيذه والإشراف عليه وزارة السياحة -ممثلة في دائرة تطوير المواقع التاريخية- وقد انبثقتْ فكرة المشروع برؤية سديدة وحكيمة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله- وأوامره السامية بنقل عدد من القلاع والحصون المنتشرة بمختلف محافظات ومناطق السلطنة إلى وزارة التجارة والصناعة -مُمثلة في المديرية العامة للسياحة آنذاك- قبل إنشاء وزارة السياحة بصدور المرسوم السلطاني رقم 61/2004 ليتم تحويل تلك المعالم التاريخية إلى مزارات يتعرَّف من خلالها الزائر على مكنونات التاريخ العُماني، وما تتميز به من سمات معمارية، إضافة إلى التعريف بالمناطق المحطية بها، وما تختزنه من مَعَالم تاريخية كالأفلاج، والأبراج، والأسوار، والعادات، والتقاليد، والحِرف العُمانية التقليدية؛ ليتم تقديمها على شكل معارض دائمة، مع إضافة الرموز التطويرية الملائمة لطبيعة كلِّ موقع، دون المساس بهُويته؛ وذلك باستخدام وسائل العرض الحديثة، وتوافر مُختلف المرافق الضرورية للزوار، مع الأخذ بكافة متطلبات الأمن والسلامة18.
وتُشرف وزارة السياحة حالياً على 23 قلعة وحصناً؛ مُوزَّعة على مُختلف مُحافظات ومناطق السلطنة؛ حيث يقع كلٌّ من قلعة مطرح وحصن قريات بمحافظة مسقط، وحصن بركاء والنعُمان والسويق والحزم وقلعتا الرستاق ونخل بمحافظة جنوب الباطنة، وحصن خصب بمحافظة مسندم، وحصنا الحلة والخندق بمحافظة البريمي، وحصن عبري بمحافظة الظاهرة، وحصون بيت الرديدة وجبرين وقلعة نزوى بمحافظة الداخلية، وحصن المنترب وجعلان بني بوحسن ورأس الحد وبلاد صور والسلسلة بمحافظة شمال الشرقية، وحصون طاقة ومرباط وسدح بمحافظة ظفار19.
ومنذ أنْ انطلقتْ أعمالُ التطوير، تم الانتهاء من تطوير عدد من المواقع وافتتاحها بشكل متكامل أمام الجمهور، وتعكفُ الوزارة حالياً على تطوير بقية القلاع والحصون التابعة لها20.

—————————————————-

الهوامش:

الحبسي: محمد، السياحة الثقافية: رحلة الآخر لاكتشاف المجهول، ص67.
المرجع السابق، ص69.
زهران: هناء حامد، الثقافة السياحية وبرامج تنميتها، ص185.
الشبكة العنكبوتية: ويكيبيديا – السياحة الثقافية.
السياحة الثقافية وبرامج تنميتها، مرجع سابق، ص181.
المرجع السابق، ص181.
المرجع السابق، ص181.
كتاب السياحة الثقافية: مرجع سابق، ص30.
السياحة في عمان، مرجع سابق، ص147
المرجع السابق، ص81.
المرجع السابق، ص82.
عمان 2015، ص236.
المرجع السابق، ص236،237 بتصرف.
المرجع السابق، ص238.
المرجع السابق، ص237
المرجع السابق، ص239.
مجلة التكوين، العدد السادس عشر، ص13.
الرواحي: سيف بن خميس بن حمد، مشروع تطوير القلاع والحصون، ص1.
المرجع السابق: ص1.
المرجع السابق: ص1.

777 total views, 2 views today