بقلم/ أحمد بن سعيد الأزكي

ما مِنْ أحدٍ في محافظة ظفار إلا وقدْ سمِعَ -أو عرف- عن غرق السفينة العُمانية “الفوز”؛ وذلك عام 1958م، ولربما يكونُ البعضُ من الناس قدْ عايشوا مأساة غرق سفينة “الفوز”، التي إذا ذُكِرتْ في أغلبِ الأحيان -إنْ لم يكُنْ مُعظمها- ذُكِرتْ باسم “الغريقة”، وهي الحالةُ التي آلتْ إليها هذه السفينة؛ حيثُ أخذَ الناس في تلك الفترة يؤرِّخون بعض أحداثهم الحياتية بـ”الغريقة”؛ سواءٌ أكانَ: قبلَ غرقها، أمْ بعد ذلك. وفي الجانبِ الآخر، لا أحدَ ينكِرُ السفينة العالمية “آر.إم.إس تيتانيك”، التي غرقتْ هي الأخرى في ليلة الرابع عشر من أبريل حتى صباح يوم الخامس عشر من أبريل عام 1912، في شمال المحيط الأطلسي -أي: في اليوم الرابع بعد أول إبحار لها من مدينة ساوثهامبتون إلى مدينة نيويورك- وكانت “تيتانيك” أكبر عابرة محيط مُنتظمة دخلت الخدمة آنذاك.

إنَّ الظروفَ البيئية للسفينتين هي ظروفٌ متشابهة إلى حدٍّ ما، لكنَّ أسباب الكارثتين قد اختلفتْ بينهما؛ فالسفينة العُمانية “الفوز” قد أصابها إعصارٌ شديد. أما السفينة “تيتانيك”، فقد اصطدمتْ بجبلٍ جليدي.. ومهما اختلفتْ الأسباب، تظل النتيجة والمصير للسفينتين واحداً؛ وهو: الغرق؛ مما أدى إلى وفاةِ كثير من الناس في السفينتين، وأصبحتْ الكارثتان في ذاكرة الناس، وذاكرة التاريخ.

قدْ يتبادرُ إلى الذهن سؤال مُهم عن العلاقة بين السفينتين؛ أو إلى ما أريدُ الوصول إليه من هذه المقارنة بين السفينتين المذكورتين في هذا المقال. وأعتقدُ أنَّ البعضَ من القراء قدْ أدركَ تماماً ما أُريدُ، مادمتُ أكتبُ هذا المقالَ في “ملتقى ظفار الأوَّل للفيلم العربي”، الذي انعقد خلال الفترة من 16-20 أغسطس من العام 2014.

لقدْ سبقَ لي أنْ نشرتُ في مقالاتٍ سابقةٍ أنَّ سلطنةَ عُمان هي بمثابة أستوديو مفتوح لكافة أنواعِ الأفلام التي يُمكنُ أنْ تدورَ أحداثها في: البحار، أو الصحاري، أو الغابات، أو الجبال، أو المدنِ الحديثة، أو حتى المدنِ التاريخية؛ فمثلُ حكايةِ السفينة “الفوز” التي غرقتْ في بحر العرب، تشكِّلُ إحدى الحكايات العُمانية القديمة التي تستحقُ أنْ تقدَّمَ من خلالِ فيلم سينمائي كبير، كما ذكرتُ عن أهمية الفيلم التاريخي العُماني، وضرورة الاهتمام بالتاريخ؛ فعناصر صنعِ الأفلام متوفرة بعنايةٍ كبيرة وفائقة؛ من حيثُ القصص، التي هي مصدر الأفلام، والبيئة التي يمكنُ أنْ ينجزَ الفيلم فيها، والطاقم البشري والفني لصناعة الفيلم العُماني، فلِمَ لا يكونُ لنا من هنا -من محافظة ظفار- انطلاقة أُخرى جديدة لصناعةٍ فيلم تدور أحداثه في بحر العرب، مثلما دارتْ أحداثُ الفيلم العالمي “تيتانيك” في المحيط الأطلسي -وهو الموقع الأصلي لكارثة السفينة “تيتانيك”- حتى وإنْ كانَ التصوير الحقيقي للفيلم في مواقع خاصة جُهِّزتْ لهذا العمل.. تُرى ما الذي ينقصنا لأنْ نصنعَ فيلما مثل “تيتانيك” يتحدَّثُ عن السفينة “الفوز”؛ حتى وإنْ كانَ تقليداً لهذا الفيلم العالمي الكبير الذي حقَّق أربعَ عشرة جائزة أوسكار؟

إنَّ كارثة “تيتانيك” تحوَّلتْ إلى فيلم درامي ورومانسي، كتبه وأخرجه وشارك بإنتاجه جيمس كاميرون؛ حيثُ تناول كارثة غرق السفينة العملاقة “تيتانيك” في أولى رحلاتها عبر المحيط الأطلنطي. وبالمقابل؛ فإنَّ الكاتب عماد بن محسن الشنفري والمخرج المسرحي محمد المردوف قدْ تناولا السفينة “الفوز” من خلال عرضٍ مسرحي حققَ نجاحاً جماهيريًّا كبيراً على مستوى السلطنة، ثم قامَ تليفزيون سلطنة عُمان في العام 2009م بإنتاج مسلسل “الغريقة”، الذي تناول أيضاً قصة هذه السفينة.

ويقول الناقد حسن حداد -في مقالٍ له بُعنوان “تيتانيك.. ظاهرة سينمائية”: الفيلم ليس الأولَ الذي يحكي عن غرق السفينة “تيتانيك” مع بدايات القرن العشرين؛ فقد تناولتْ السينما هذه الحادثة في عدة أفلام، ولم يخرج فيلمنا هذا في قصته عن تلك الأفلام”.

إذن؛ لماذا كلُّ هذا الإقبال على فيلم معروفة أحداثه مسبقاً؟ لابد أن هناك أسباباً قد ساهمتْ في جعل هذا الفيلم يبدو كظاهرة.

يُمكنُ أنْ نتوقفَ قليلاً فيما ذهبَ إليه الأستاذ حسن حداد، وهو أنه ليس من العيب أبداً أنْ يتم تناول موضوع قدْ سبق وأنْ تمَّ تناوله؛ فموضوع السفينة “الفوز”، الذي تم تناوله مسرحيًّا وتليفزيونيًّا يمكنُ إعادة تناوله سينمائيًّا، كما يُمكن أنْ يُعادَ تناولُه مسرحيًّا وتليفزيونيًّا مرة أخرى، ولكنْ بوجهات نظرٍ جديدة؛ إذ لا فائدة من تقديم نفس وجهات النظر السابقة.

قدْ يقول قائل ممنْ تتبَّع حكاية إنتاج فيلم “تيتانيك” (إنَّ الفيلم قدْ صُرِفَتْ عليه ميزانية كبيرةٌ جدًّا، تعدَّتْ أكثرَ من ثلاثمائة مليون دولار أمريكي، وهي أكبر ميزانية صُرِفتْ على فيلمٍ سينمائي آنذاك، ولربما يكونُ هذا هو السبب الرئيسي لنجاح الفيلم، هذا عدا كَوْن المنتج قدْ أنشأَ نسخة طِبْقَ الأصلِ من السفينة “تيتانيك”، ومن ثمَّ يتمُّ إغراقها وهدمها بالكاملِ لأجل المصداقية في التصوير وإنجاز الفيلم)، وأقولُ: إنَّ هذا الأمرَ صحيحٌ جدًّا، ومُكلف في الوقت ذاته؛ حتى وإنْ كان للعمل الجرافيكي دَوْرٌ كبير في إنجاز فيلم “تيتانيك”، لكن فيما إذا كنا جادينَ في صناعة فيلم يستحق الاحترام والتقدير والإشادة، فيجبُ علينا أولاً -وقبل كلِ شيء- عدم وضعِ العراقيل أمامَ صناعةِ السينما في عُمان؛ فالإحباطاتُ التي يُمكنُ أنْ يضعها الآخرونَ أمام المبدعين، سوف تنعكسُ سلباً عليهم؛ إذْ سنبقى متقوقعين في أماكننا دونَ أنْ نخطوَ خطوات إلى الأمام، بينما يقفزُ الآخرونَ قفزات إلى الأعلى في صناعة السينما، ونحن سنخجل من المحاولة لمجردِ كونها مُحاولة لصناعة سينمائية عُمانية، والسبب الرئيس هو: الإحباط.. المادة الأسرع والأسهل في الهدم!

إنَّ حادثةَ غرقِ السفينة “الفوز” بحاجةٍ إلى قصةٍ اجتماعيةٍ مُساندة، تسيرُ مجريات أحداثها جنباً إلى جنب السفينة وهي تمخر عبابَ بحرِ العرب، وتصلُ ذروتها إلى نفس الذروة التي تصلُ إليها السفينة “الفوز”؛ إذِ الإعصارُ يحطم السفينة ويَغرقُ كلَّ مَنْ فيها. وبالتالي؛ فإنه يُنهي ذاتَ القصة التي كانتْ مساندةً في أحداث الحكاية؛ كحكاية الحبِ التي كانتْ بين روز وجاك في فيلم السفينة “تيتانيك”؛ حيثُ إنَّ الاصطدام بالجبل الجليدي أنهى السفينة، وأنهى قصة الحبِ الجميلة التي كانتْ تبحرُ مع السفينة بأحداث صُنعتْ بحرفية كبيرة جدًّا.

فمتى سنرى السفينة “الفوز” في فيلمٍ سينمائي كبير، يستحقُ الإشادة والفوز؟

4,846 total views, 5 views today