محمد بن رضا اللواتي

اسْتَعْرَضنا في الجزءِ الأوَّل(1) من البحثِ التأكيدات التي جاءت من الأنثروبولوجيا الثقافية حول وجود “تشابه” مُذْهِل بَيْن سائر ثقافات البشر، على تعدُّدها وتنوُّعها؛ تتمثَّل في وُجُوْد عاملٍ شموليٍّ غامضٍ يُلَمْلِم شتات كل الثقافات في نسقٍ كليٍّ واحدٍ؛ يتمثل -بحسب “كاسيرر” (2) و”أليوت” (3) في “الدِّين” أو “النزعة إلى الإله”، والاتصال به والمكوث قربه (4).

وَلَقد وَعَدْنَا القارئ الكريم بتقديم دلائل على هذا المدعى في هذه الحلقة. وها نحن الآن نَفِي بوَعْدِنا ذاك.

الثقافة المصريَّة القديمة:
تُؤكِّد أبحاثُ الإنثروبولوجيا الثقافية أنَّ مصر القديمة قد شغلت بمسألة الخلق والمصير بنحو مُذهل، وأنَّ المصريين القدماء هم أقدم من اعتنقوا مَذْهب وحدة الوجود في أقدم أشكاله(5)؛ فلقد تمكَّنوا وبدقة متناهية من تصوير مظاهر الألوهية وتجلياتها وفصلها عن الإله الأول نفسه. لقد اعتنقوا الألوهية ذات مظاهر وتجليات شتى(6).

النصَّان أدناه، يكشفان عمَّا نحن بصدد إثباته من عُمق علاقة الدِّين بالثقافة، والثقافة بالدِّين، في أقدم الحضارات البشرية:
“أَنْت يا مَنْ تخلق ما تحيي به الأقطار النائية كلها
فَجعلن نيلا آخر في السماء ينزل إليهم
تصيره أمواجا على الجبال كالبحر” (7).
“واحد لا ثاني له. واحد خالق كل شيء
قائم منذ البدء عندما لم يكن حوله شيء
والموجودات خلقها بعدما أظهر نفسه للوجود
أبو البدايات.. أزلي.. أبدي.. دائم قائم
خفي لا يعرف له شكل وليس له من شبيه
سر لا تدركه المخلوقات
خفي على الناس والآلهة
سر اسمه ولا يدري الإنسان كيف يعرف
هو الحقيقة هو الحياة الأبدية
خالق ولم يخلقه أحد
هو الوجود بذاته لا يزيد ولا ينقص
خالق الكون صانع ما كان ويكون
عندما يتصوَّر في قلبه شيء يظهر للوجود
وما ينجم عن كلمته يبقى أبد الدهور
أبو الآلهة.. رحيم بعباده.. يسمع دعوة الداعي
يجزي العباد الشكورين.. ويبسط رعايته لهم”(8).

كَتَب “سواح” يقُوْل: “لقد عَمد العلامة السير والس بدج -منذ أوائل القرن العشرين- لدراسة مُدقَّقة لهذا النص وأمثاله خلال دراسته المتعمِّقة لديانة ومُعتقدات قدماء المصريين، وخلص إلى القول بأنَّ المصريين كانوا قوما يؤمنون بإله واحد موجود بذاته، خفي، أبدي، أزلي، كلي القدرة والمعرفة، لا تدركه الأفهام والعقول، خالق السماء والأرض، وكل ما عليها. وخالق كائنات روحانية كانت رسله ومساعديه في تصريف شؤون الكون وهي الآلهة” (9).
مَرْحَلة بزوغ الإنسان
“النيانتدردال” -أو (Home Sapian Niandertlenisis)- هو أول إنسان تمكنت الأبحاث الاستقصائية من الوصول إلى آثاره، أكدت -كما ألمحنا سابقا- أنَّه آمن بألوهية غير مشخصة، وحاول إيجاد علاقة معها، ووضع رموزا لها؛ تمثَّلت في النحت وصناعة التمثال، وعاش وسطاً ثقافيًّا يُؤمن بالروح وانفصاله بعد الموت عن الجسد، وأنَّ حياة ما بعد الممات تنتظر البشرية، وهي لا محالة متوجهة إليها (10).

لَمْ تَشْهَد حضارة في العصور الغابرة ازدهارا لفن بحجم ازدهار صناعة التماثيل. لقد كانت النزعة الدِّينية مهيمنة على قطاع ثقافي بارز كالنحت، الذي أضحى معلما لجميع الحضارات التاريخية الكبرى.

سومر.. أقدم الحضارات
لَمْ يَنْفَصل الدِّين عن ثقافة أقدم حضارة منذ الطوفان -وفق الأبحاث- والتي هي “سومر”، “إليها ترجع الأسس الأولى للمبادئ الدِّينية والروحية والدنيوية، وكذلك أولى التشريعات والقوانين والتنظيمات المدنية السياسية. وباختصار؛ فالتاريخ يبدأ من سومر” (11)، التي -رغم انشغالها الكبير بصناعة أول مدنية بما للكلمة من معنى- نراها وهي تحرث وتزرع وتشرع وتؤسِّس للسياسة والاجتماع والقانون والتجارة، لم تبتعد قيد أنملة عن إيجاد حلول لمسائل الوجود والخلق ومآل البشرية وغاياتها.

النصَّان أدناه يُقدِّمان مُعَالجات لكوسمولوجيا تنم عن حجم الهاجس الذي اتخذته الرؤية الكونية في منظومات السومريين:
(1)
“إنليل ذو الكلمة المقدسة والأوامر النافذة
يقدر المصائر للمستقبل البعيد
وأحكامه لا مبدل لها
عندما يعتلي الأب إنليل منصته السامية
ينحني أمامه آلهة الأرض طوعا
ويقفون في استعداد وترقب لتنفيذ الأوامر
الرَّب المبجل في السماء والأرض.. العليم الذي يفهم الأحكام
راعي جميع الكائنات الحيَّة وحاكمهم
وَحْده أمير السماء
وَحْده عظيم الأرض
إنَّ أعمالك البارعة تُثير الروع
ومراميها عصية كخيط مُتشابك.. لا يُمكن فكه
فمَنْ يقدر على فَهْم أفعالك
أنتَ قاضي الكون وصاحب الأمر فيه”(12).

(2)
“إنَّ الإله الذي أخرج كل شيء..
الإله الذي لا مُبدِّل لكلماته..
إنليل الذي أنبت الحب والمرعى..
أبعد السماء عن الأرض
إنَّ الكائنات التي ارتأيت خلقها
ستظهر للوجود
ولسوف نعلق عليها صورة الآلهة” (13).

النصُّ أعلاه أشار إلى مبدأ الحياة وسر ظهور الكائنات، كما ربط -بمهارة متقنة- بين أدوار الآلهة ودور البشرية على الأرض. إنَّ النص يُؤسِّس للبشرية دَوْرًا مُسْتَمدا من جذورها الإلهية. وهكذا؛ فالنصُّ قد أقام تيليوجيا اجتماعية مذهلة للغاية، بموجبها تضحى مسائل الخلق وقد تبوَّأت مكانة ريادية في الثقافة السومرية.
وَبِمَا أنَّ المسألة الدِّينية هنا قد اتَّخذت بُعْدًا ثقافيًّا؛ فلقد تواجدتْ في عُمق الأدوار الاجتماعية التي ستمارسها سومر.. النص أدناه هو الآخر يُؤكِّد ذلك:
“وحتى واجبات عمل الآلهة تصبح واجباتها
وعليها أن تعمل إلى الأبد على تثبيت قنوات الحدود
وأن تضع في يدها المعول وسلة العمل”(14).

وَفِي الوَاقع، فإنَّ صبغ العمل الاجتماعي والمدني بصبغة الألوهية، وجَعْل جذوره تنتهي إلى الرؤى الكونية المتعلقة بمبدأ الإنسان ومنتهاه، يُشِيْر إلى الصلة العميقة للدين في الثقافات الإنسانية والاجتماعية والمهنية، كما يبدو جليًّا من النص أعلاه.

الهندوسية القديمة
أَحَد الدلائل التي لا يُمكن إهمالها حول صلة الدِّين بالثقافة، ونموها بجواره، ما تتضمنه “الأوبانشاد” -التي تعني: الجلوس قرب- و”فيدا” واللتان تحتضنان أسرارَ الديانة الهندوسية وتعليماتها؛ فالقضية الكبرى -مرة أخرى- والتي تدور حولها هذه الديانة، هي “الإله” المسمى “براهمن” التي تعني الحقيقة المطلقة، الكيان غير المحدود، مدرك، عاقل، كلي الحضور، يحكم العالم ويحرسه، صدر عنه كل شيء، وستعود جميعها إليه (15).

لَيْستْ الأشياء بمَعْزِل عنه؛ فهو يسكن فيها ويتغلغل، لكنه يختلف عنها جميعا، يحكم كل شيء من الداخل ولكن لا يعرفه أحد؛ فهو السامع غير المسموع والمدرك غير المدرك. لا يمكن إدراكه إلا بالنقاء والطهارة، فبهما يمكن إدراك ما ليست له أجزاء (16).

إِلَى هَاهنا، نكون قد أنهينا ما وددنا القيام به، وهو التدليل على أنَّ النزعة إلى الخالق ما برحت البشرية على الإطلاق؛ وبالتالي حكمت ثقافته وتوجهاته، حتى إنَّ أعماله الاجتماعية والفنية اتَّسمت بطابع إلهي خاص، ولم تنأ بنفسها عن قضيته الأولى.

كَتَب “صارجي” يقول: “لا ينحصر الواقع الدِّيني في السلوك الفردي المنعزل، بل إنه يتعداه للسلوك الجماعي؛ بحيث يستحيل علينا أن نفهم حضارات برمتها بمعزل عنه. كما أنَّ أحداثا تاريخية جِسَاماً تتحرَّك بدافع ديني. لقد ارتبطَ الواقع الدِّيني بالإنسان الفردي والجماعي، وبدا في تشعبه أكثر الوقائع الإنسانية تعقيدا. فمع التصاقه العميق بكل إنسان حتى الصميم، يتعدَّاه إلى المجتمع، وإلى العالم، وإلى كيان يتجاوز هذه المعطيات الظاهرة. لا ينحصرُ النشاط الدِّيني في مجال داخلي مُغلق، بل يتبدَّى للعيان في مظاهر خارجية: بنايات ثابتة، منظمة، تعكس عبقرية كل شعب وثقافته” (17).

وكَتَب يقول: “إنَّ الظاهرة الدِّينية لا تنكشفُ بما هي عليه إلا إذا أدركناها في صيغتها الخاصة، أي إذا درسناها على صعيد ديني، إذا أردنا الإحاطة بها؛ فالفيزيولوجي، أو البسيكولوجي، أو السوسيولوجي أو الاقتصادي، فإننا نخونها.

نحن نترك ما هو فريد وغير قابل للتقليص يفلت من أيدينا، ونقصد من ذلك طابعها المقدس. لا يمُكن الاكتفاء بالقول بأنَّ الدِّين مكوَّن من مجموعة من وقائع اعتقادية وطقوس وشعائر تخضع للمراقبة الوضعية فقط. فليست هذه الوقائع سوى دلالات على موقف داخلي وروحي يعيشه الإنسان. إنَّ هذين البُعْدَين لا ينفصلان، وعَزْل الثاني للاكتفاء بالأول هو القضاء نهائيًّا على أي فهم للدين. ومن هنا؛ تجيء أهمية الغوص في صميم الإنسان لاكتشاف أصالة النزعة الدِّينية فيه” (18).

—————————————————-

الهوامش:
1. راجع مجلة شرق غرب العدد 11 ص54
2. مسعود، رشيد: ثقافة. ضمن: الموسوعة الفلسفية العربية. مصدر سابق. ج1ص288
3. أليوت، توماس: ملاحظات حول تعريف الثقافة . ترجمة شكري عياد. ص43
4. الميلاد، زكي: المسألة الثقافية. مصدر سابق. ص182.
5. فضل الله، مهدي: بدايات التفلسف الانساني . مصدر سابق. ص76
6. فضل الله، مهدي: بدايات التفلسف الانساني. ص76
7. جاكبسون، توركيلد: ما قبل الفلسفة. ترجمة جبرا ابراهيم جبرا. ص51
8. سواح، فراس: الأسطورة والمعنى ص190.
9. سواح، فراس: الأسطورة والمعنى ص190 مصدر سابق.
10. سواح، فراس: دين الانسان ص136.
11. الشامي، علي: الفلسفة والانسان ص63.
12. سواح، فراس: الأسطورة والمعنى . مصدر سابق. ص196.
13. السواح، فراس: مغامرة العقل الأولى ص15
14. الماجدي، خزعل: بخور الآلهة ص 303
15. زيعور، علي: الديانات الهندية ص101.
16. صعب، أديب: الأديان الحية ص34.
17. صارجي، بشارة: مادة دين، ضمن: الموسوعة الفلسفية العربية . مصدر سابق. ص441.
18. صارجي، بشارة: مادة الدين: ضمن الموسوعة الفلسفية العربية ص448. مصدر سابق.

727 total views, 2 views today