طريف عيد السليطي

كاتب وباحث سعودي

“إنَّ هبة العقل والتفكير الناقد ليست من الخصائص البارزة لدى الإنسان، وهي حتى حين تكون موجودة فسيغشاها التقلب والقلق”.

كارل يونج

بوادر الفن أم الفلسفة؟

تظهر لنا العلاقة بين الفلسفة والفن قديمة قِدَم الفراعنة والإغريق والصينيين، بل هي بعمر الحضارة الإنسانية نفسها، وربما بعمر الإنسان نفسه! فرسوم البدائيين على الكهوف لم تكن مجرَّد ملهاة قاموا بها لإبعاد الضجر عن نفوسهم؛ إذ حملت معها ترميزا يُناسب بيئتهم العقلية عصرئذ. أما أركان الحضارات القديمة، فتألَّفت على الدوام من العناصر الإبداعية التي أفرزتها النخب والطبقات العليا، وحتى الطبقات العاملة على السواء. ومن خلال الفعالية الإنسانية، كان من الصَّعب فرز وتمييز ما هو فلسفي عما هو ديني، أو فني، أو قانوني.

وفي مجادلات أفلاطون وفجر الفلسفة، نجد شيئا من هذا الانسجام، خاصة بمحاورة المأدبة؛ حيث يطغى عُنصر الفن على المحاورة، ويتحوَّل سقراط إلى فنان أو شاعر أكثر من أي شيء آخر، فيما نجد بمحاورة “الدفاع” الخاصة بإعدام سقراط شيئا من الجوانب القانونية والتشريعية، المتعلقة بمسألة حرجة جدًّا على المستويين الشخصي والاجتماعي: مسألة إعدام سقراط لمخالفته القانون، ومن الأرجح أنه انصاع للقانون رغم ظُلمه مُخالفة للسفسطائيين أو زعيمهم بروتاجوراس الذي هرب من الإعدام ومات في السفينة غرقا، ومسألة تخص تبيان مثالب الديمقراطية وأنها أودت بحياة أهم الفلاسفة بزمنه.. أي سقراط نفسه.

 وهكذا.. فجميع المحاورات الأفلاطونية التي جسَّدها سقراط تمثل انسجامَ الفلسفة مع سائر النشاطات الإبداعية التي لخَّص فيها أفلاطون قمة الحضارة اليونانية وأوجها الذي بلغ ذروته مع أرسطو، ثمَّ جاء الانحدار لاحقا، مع الحقبة الهلنستية وظهور الأفلوطينية، واجتياح الإسكندر للمشرق واندثار الحضارة اليونانية.

وبعد أفلاطون، خصَّص أرسطو هو الآخر جانبا مهمًّا من فلسفته للتصدي للمشكلات الفنية، خاصة كتابيه “الخطابة” و”فن الشعر”، وفي هذا الأخير عرض لنظريته المعروفة عن المأساة والتراجيديا اليونانية، وعلاقتها بالتطهر والتسامي على الألم، ونلفي في هذا الكتاب تأسيسا نظريا مهما، وهو ما تميَّزت به عظمة أرسطو عبر التاريخ؛ حيث الاستدلال النظري الفذ في معالجة القضايا الفنية ضمن خلفية منطقية وتجريبية نادرة ومتقدمة على زمنها وموقعها التاريخي، ندرك ذلك إذا ما قورن أرسطو بمن قبله؛ حيث امتزج الطابع الأدبي والفلسفة، لاسيما مع أفلاطون، وهو إن نسب إليه وسقراط توليد المنطق عبر الجدل، إلا أنَّ المنطق لم يتخذ صورته العليا إلا مع أرسطو وجهوده النظرية الجبارة في مختلف الحقول المعرفية بزمنه.

وقبل سقراط وأفلاطون وأرسطو وبروتاجوراس -وهم من فضُّوا التحامَ الفلسفة بالفن بشكل متدرِّج ومُتتابع تاريخيًّا-فإنَّ القارئ لا يمكن له أن يدرك ماهية النص الذي يقرؤه بصورة دقيقة: أهو فن أو فلسفة؟ يتجلى هذا الانسجام مع بداية الفلسفة وشذرات الفلاسفة السابقين على سقراط، وأفضل النماذج أمامنا هو فيلسوف الصيرورة (وشاعرها بنفس الوقت) هيراقليطس، الذي امتلك نصوصه حمولة فنية وأدبية جنبا إلى جنب مع رؤيته الفلسفية:

“تنبح الكلاب ضد كل من لا تعرفه”.

“تفضل الحمير التبن على الذهب”.

“الحرب هي أم الأشياء جميعها”.

“إنَّ ما يأتلف في الكون بمثل الجذب والشد، بين القوس، والقيثارة”.

“العالم هو البرق الذي يخلق كل الأشياء”.

وبمثل ما كتبه هيراقليطس، فإنَّ الحقبة السابقة على سقراط دمجتْ -لا شعوريًّا، ومن خلال النصوص والمجازات- بين الفلسفة والطابع الفني للكتابة والتعبير وسرد الأفكار، وهو حال أمبيدوقليس فيلسوف العناصر الأربعة، وأيضا فيلسوف الوحدة المثالية بارمنيدس، وأبو الفلاسفة طاليس.

وحتى لو عُدنا للوراء مع الحضارات القديمة، سنجد أن الارتباط أوثق بكثير مما كان عند الإغريق: فلا يمكن حقا أن ندرك: هل كتاب الطاوية في الشرق الأقصى لماوتسي، كتاب حكمة أو فلسفة أو دين أم هو كل هذه الأشياء مجتمعة؟ وكذلك الحال مع ملاحم البابليين والأشوريين والفراعنة وأناشيدهم المرتلة: هل هي عقائد مبسَّطة فحسب أم أعمال مسرحية استبطنت أشكالا تعبيرية وشبه فلسفية لم يسعفها الحظ للتبلور النظري؟

ومن هنا، برزتْ أهمية الإغريق؛ فلئن كان المحتوى والمضمون قد وجد ما يشابهه قبلهم عند المشارقة، إلا أنَّ تميُّزهم من ناحية الشكل والتحديد كان واضحا، وبالأخص عند أرسطو الذي صَنَّف وقعد العلوم والمعارف بما يناسب زمنه.

هذه العقلية العلمية المهتمة بالترتيب والتصنيف والعزل والمنطقية الصلبة، عند أرسطو -ومن حذاه من فلاسفة القرون الوسطى كالفارابي وابن سينا، أو في الكنيسة الأوروبية، عند توما الاكويني- هي نفسها العقلية التي هُوجمت بضراوة من قبل العديد من الفلاسفة الحديثين؛ يأتي بمقدمتهم: الفيلسوف الألماني المشهور نيتشه، وهو من أعاد للطابع الفني في نصوص الفلسفة هيبته.

صحيح أنَّ عصر التنوير مع ديكارت وبيكن قد قضى على هيمنة أرسطو على العلوم، إلا أنَّ نيتشه كان له هدف آخر؛ وهو: إعادة الفن لرواق الفلسفة، وباكورة هذا الاتجاه عند نيتشه مع كتابه المختصر “مولد التراجيديا”، ثم التزم ببقية كتبه بتوطيد المضمون الفني والبلاغي داخل النص الفلسفي نفسه؛ فنجد أنفسنا أمام هيراقليطس أو أمبيدوقليس جديد، ولكن مع أسلوب آخر يوازي التحديات التاريخية التي مرت بها أوروبا في القرن التاسع عشر. استثمر نيتشه تكوينه الأدبي الفذ -الذي يفوق بمراحل تكوينه الفلسفي الضعيف- في الهجوم على عدَّة محاور سيطرتْ على رُوح الفكر في القرن التاسع عشر، وأعني بها: تقنين الإنسان، والاشتراكية، والديمقراطية، وسيطرة منهج العلوم المادية والطبيعية على الإنسان الأوروبي.

 مع نيتشه وكتابه المحير “هكذا تكلم زرادشت”، يعبر عن ظهور الإنسان الأسمى “السوبرمان” بعد خروجه من الكهف وطرح وصاياه عن التغاء القيم الأخلاقية في أوروبا، وضرورة الشروع في تأسيس أخلاق القوة وبزوغ شمس جديدة في الغرب. أما في كتاب “ما وراء الخير والشر”، فنجد الشذرات اليونانية عادت للظهور، لكن بمقاطع مطولة ومربكة ومحيرة، تُعيد للفلسفة إشكالها القديم حول تمازج الحقيقة وتعددها في عدة مجازات وإيحاءات يصعُب نظمها في معادلة نظرية ومنطقية موحدة كما أراد أرسطو.

هذا التطبيق الفني داخل الفلسفة، عند نيتشه، سبقه جهود واضحة عند الفلاسفة الذين اهتموا بعلم الجمال Aesthetics منهم بومجارتن، وكانط، وهيجل، وإن كان الفن ومبحث الجمال قد وجد اهتماما نظريا واضحا عند فيلسوفي ألمانيا الكبيرين كانط وهيجل، إلا أنه -وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة- يتحول الفن إلى منزلة سامقة وشاهقة، عند فيلسوف الإرادة آرثر شوبنهاور.

الفن خلاصا للبشرية

مع شوبنهاور وكتابه الأهم “العالم إرادة وتمثلا”، أنقل عن سعيد توفيق ما كتبه في مؤلفه “ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور”، وقوله: “الفن ليس هروبا أو خلاصا من الحياة، بل هو اتجاه يتضمَّن الخلاص من إرادة الحياة؛ أي أنه خلاص من كل رغبة تعكر علينا صفو التأمل الهادئ؛ فالفن ليس طريقا خارج الحياة، بل هو طريق للخلاص داخل الحياة نفسها؛ فالفن واحة أو راحة مؤقتة داخل الحياة نفسها” ص:99. وبهذا يكتسب الفن عند شوبنهاور رؤية مهمة، أكثر أهمية من تحليلات كانط وهيجل؛ فالفن ليس لأجل الفن نفسه، أو اللعب، كما أوضح كانط، وليس مجالا من مجالات الروح بجانب الدين والفلسفة مثلما كتب هيجل، وإنما الفن، منظور إليه من قبل شوبنهاور: خلاص من إرادة الحياة التي تبث الألم والرعب والفزع والصراع، هو مرحلة استراحة وتوقف مؤقت عن الكفاح، وانتقال للسكينة الداخلية والتأمل الميتافيزيقي البعيد عن عالم الحياة اليومية المبتذلة. الفن -بهذا السياق المهم جدا عند شوبنهاور- لا يأتي بعده إلا الخلاص الأخلاقي المتعيَّن بالزهد؛ وبالتالي نكون أمام نوعيْن من الخلاص: مؤقت وموضوعه الفن، وهو مدار النقاش في هذا المقال، وخلاص نهائي عبر الأخلاق وسأعرض عنه لعدم تعلقه بالموضوع.

هذا التصعيد لدور الفن، جاء بعد بحث شوبنهاور في الفصول الأولى لكتابه عن الإرادة عن المعرفة والعقل ومفهوم السببية. إنَّ مفهوم السببية كما طرحته العلوم مُتعلق بالزمان والمكان، وهو مجال اشتغال العلماء بمختلف تخصصاتهم لا سيما العلوم الطبيعية؛ فالعالم يشتغل على قضية من القضايا، ولنفترض أنه يبحث في فيروسات أو بكتيريا داخل الجسم الحي، هنا يفترض مسبقا -إن عن وعي أو دون وعي- أن الجسم موجود في موضع من مواضع الطبيعة (مكان) وهذا الجسم تسللت إليه الجراثيم بفترة معينة (زمان) ويخضع للقوانين الفيزيائية والكيميائية الصارمة التي لا تفلت منها شعرة، وأن دخول هذه الجراثيم للجسم جاء بسبب التلوث أو العدوى (سبب) وبتجريد هذه المقولات نلفي أنفسنا أمام صور ثلاثة نقية تعمل على تصفية العلوم وفلترتها من أي تفسير غير معقول: إنها صور الزمان والمكان والسببية، وهي التي أضاف إليها كانط مقولات أخرى كثيرة اختزلها شوبنهاور كلها في مفهوم واحد أي السببية ورأى أنه أساسا يستبطن حتى الزمان والمكان، ولكن خارج هذه السببية لا يوجد إلا عالم الميتافيزيقا، وجوهر الميتافيزيقا هي الإرادة الكونية، إرادة الحياة، والتي لا تحتوي داخلها غير الصراع والألم.

شايع الوقيان وميتافيزيقا الفن

لم تقف -تاريخيا- الأطروحة الأساسية حول مكانة الفن في عالم الفكر والأدب والعلم، عند حدود ما طرح في القرنين الثامن والتاسع عشر، فجُل التيارات الرئيسية في القرن العشرين تناولت مغزى الفن والفنون، حتى صرنا أمام تنويع هائل من المذاهب والأفكار التي -وإن كان بعضها متعلقا بالاقتصاد والمجتمع والسياسة- تصر على التأسيس الفني داخل نظرياتها الفلسفية؛ فالماركسية والسوريالية ومذاهب اللامعقول والعبث، ركَّزت على تحليل الفن والعمل الفني، حتى إنَّ الفيلسوف الضخم مارتن هيدجر خصَّص إحدى كتاباته عن شعر هولدرين ولوحة الحذاء لفان كوخ، ومن خلالها أعمل أدواته الفلسفية على قراءة ما وجده أمامه من إبداع فني وربطه بما ألفه سلفا عن ظاهرة الوجود.

وما يهم هنا: تناول كتاب المؤلف السعودي شايع الوقيان الصادر عن دار الفارابي “الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا”، وشايع الوقيان هو كاتب شاب عرف من خلال مقالاته الصحفية في جريدة “عكاظ”، وساهم بتأسيس حلقة الرياض الفلسفية. وفي كتابه هذا يتصدَّى للمسألة الفنية بابتكار مختلف، وهو -وإن تناغم مع صدى الحداثة وما جاء بعدها- يُؤسس لنظرة جديدة وجريئة نحو الفلسفة، نظرة تخرجها من السياق التقني والأداتي الذي كبلت به بفعل تقدم العلوم وسيطرة الرياضيات عليها بما فيها العلوم الإنسانية، وليجد نفسه يكتب أمام معضلة فاجأته هو شخصيا، ووجهت بحثه نحو أفق جديد، أفق الخيال الفني واستدماجه مع الفلسفة “الخياليون يفكرون بالصورة، والتصوريون يفكرون بالتصورات والمفاهيم المجردة، والتأمل بهذه الثنائية هي التي سيطرت على هذا الكتاب،ووجهته إلى آفاق لم يكن صاحبه يتصورها” ص:7. والصورة تختلف عن التصور؛ فالصورة “تمثيل الحياة والوجود الأصيل نحو للأشياء”.. “إنها خلق وإبداع” ص:103. أما التصور -والمعروف في منطق أرسطو بأنه تمهيد للحكم- فهو “حصول الصورة في العقل” و”حذف للمشخصات والمميزات”، وهو ما كتبه شايع نقلا عن الجرجاني ص:27 من الكتاب.

وتسيطر ضدية الصورة (الفنية والخيالية والمفردة) بإزاء التصور (العلمي والمجرد والكلي) على مجمل كتاب شايع الوقيان، وهذه الثنائية الصلبة، لا يتردد شايع الوقيان في الإفصاح عن انحيازه التام للصورة، وجاء في المقدمة الأساسية بقلم المؤلف، وهي قطعة أدبية تلخص محتوى الكتاب الفلسفي، ما نصه:

“لم يكن الشعر ضد الفلسفة، ولكنه، مع الفلسفة، ضد العبودية والجمود وتحويل العالم والبشر إلى مجرد تصورات وأدوات تستخدمها السلطات والقوى المتصارعة. إن التفرقة بين الفلسفة والشعر هو عمل سطحي وضحل” ص:7.

في نقد التصور

التصور كما يظهر من الكتاب يسير على الضد من الصورة، وهو -منطقيا ومعرفيا- يتعلَّق بحذف المشخصات العينية والفردية لأجل إدماجها في تعميمات كلية. هذا التعميم النظري لا يتعلق بالسياقات الاجتماعية والحزبية الشمولية والسياسة، بل يبلغ العلم نفسه! فالعلم هو الآخر ليس بريئا لأنه قائم على التصورات الكلية “منطق المماثلة هو منطق العقل العلمي، بل إنَّ هذا المنطق هو المسؤول الأول عن نشوء فكرة القانون أو المبدأ. وحضور أو استحضار مفهوم الشيء، بوصفه كينونة ثابتة، رغم التغيرات التي تطرأ عليه سياق الزمان التاريخي، هو ما يجعل منطق المماثلة لا تاريخيا، إنه يقع خارج التاريخ وخارج الزمان”، وهذا التصور الذي سيطر على الفلسفة اليونانية والقروسطية هوجم من قبل هيجل عبر المنطق الجدلي، لكنَّ شايع الوقيان ينتقد أيضا الجدل الهيجلي والماركسي؛ لأنهما وإن اعترفا بالتاريخية والتناقض، إلا أنهما يرفعان النقائض في تصور تركيبي جديد، أي أننا ما زلنا في دائرة التصورات الشمولية، ص:29.

وهذه التصورية تحيل الإنسان إلى ذرة ضعيفة في جسم أكبر؛ أي أنه في فرديته يذوب في سياق أعم ووجوده بمفرده لا قيمة له إلا لتوكيد السياق العمومي، وهنا لا يهم أكان هذا السياق علميا أو اجتماعيا أو حزبيا أو فلسفيا؛ فالتصور هو بالنهاية حذف الفرد لصالح المعادلة الأعم.

وفي خلال نقده للتصورات، يعرِّج شايع الوقيان على منطق أرسطو وجدل أفلاطون وهيجل ومنطق المماثلة العلمي، وهذه الأفكار، على ما بينها من اختلاف منهجي وتاريخي، إلا أنها تجمع على ضرورة “التصور الكلي” في بناء النسق الفلسفي؛ فالكلية والشمولية تؤسِّسان للسياق، وهذا السياق يمارس سلطته وتسلطه على الفردي ويلغيه لمصلحة القالب النظري العام. ومن هنا تحديدا، تبرز أهمية الحديث عن الصورة الفنية بمقابل التصور المجرد.

الصورة الفنية والخيال الإبداعي

يكتب الوقيان -بلغة أدبية- ناقدا النظام والسياق التصوري “هناك فئة من الناس أدركت هذه اللعبة، لعبة النظام. أدركت أن حريتها لا يمكن أن تتعلق بشيء، بل أن تظل سائحة في أرجاء الكون، مُحلقة في أنحاء الوجود. هؤلاء العُصاة الأشداء هم الشعراء! وكان الشاعر تجسيدا للحرية الكاملة غير المنقوصة” ص:6. والشعر هنا يستحضره الوقيان ممثلا للفن بمقابل السياق وما يطرحه من تصورات علمية واجتماعية جافة ذات بعد شمولي وأحادي.

والفنان لا يستخدم التصور أداة لإبداعه، بل الصورة؛ لأنها تعتني بالفردي، والفن، هو علم بالمفرد، يكتشف مميزاته ومشخصاته، ويتشبث بالمعنى الذي يحيط بفرادة ما يراه “الصورة تستدعي الذهن إليها، وتستدعي الحواس والخيال، وتحيل إلى ذاتها وحسب، إلى وجودها أو مضمونها المباشر” ص:105. أما العقل فليس محصورا بالتصور، بل يجول في العالم الصور الفنية “العقل ليس صندوقا مغلقا، بل هو فاعلية نشطة مفتوحة… إنَّه ضوء يسلطه الناظر على الأشياء؛ فلا يكون له وحده فضل إضاءة الوجود، بل إنَّ الوجود له فضل أيضا في كون الضوء ضوءا” ص:107. وهنا لا تنحو الفلسفة منحى الأناوحدية، بل تعترف بوجود الخارج، لكنها تترجم هذا الخارج إلى صورة مبدعة.

وهذا الإبداع الفني يتمحور حول الصورة الفنية، ويُسهب الوقيان في شرح استطيقا الصورة بقوله “الإدراك الذي يقوم بتمزيق الحجاب، وتحطيم الإطار، يدخل مباشرة إلى الأفق الحر الذي أبدع فيه الفنان صوره الخيالية. وهنا يعيش المتلقي بالفعل لحظة الإبداع الحقيقية التي عاناها الفنان” ص:112. ووظيفة الفيلسوف -كمبتكر للمفاهيم كما قال دولوز- لا تختلف عن وظيفة الفنان، إلا من ناحية الأداة العقلية التي يشتغل عليها”. إنَّ عمل الفيلسوف يأتي متأخرا، بعدما تضرب السياقات والتصورات الكلية بأستارها على الشيء، وعلى العالم” ص:87.

وما يُعين الفيلسوف على تحصيل الصورة هي الدهشة “ما هي الدهشة؟ هي إحساس عميق وجاد بالشيء في ذاته، في تفرده وتميزه وفي ظهوره المستمر. إنها الانكشاف الحر على الوجود. وهي -بخلاف الروتين الناجم عن العقلنة التصورية- تحتفي بالشيء، ولا تحيله”، ويردف أيضا: “لكي يتم ذلك فعلى المرء أن يخرج من السياق، شعوره بحريته يدفعه إلى ذلك؛ فالحرية سبب ونتيجة، سبب للخروج ونتيجة له” ص:93.

خاتمة غير تصورية!

لعلَّ هذا الكتاب الفلسفي والنظري للوقيان بادرة للمزيد من التأليف في الحقل الفلسفي والنقدي داخل نطاقنا السعودي والخليجي، والكتاب -بما يمثله من جرأة على مستوى الطرح والتحليل- يكسر عدة تابوهات في آن واحد، ليس تابو التخوف من الفلسفة ضمن المخيال الجمعي والتقليدي فحسب، وإنما -وعلى مستوى أهم- تابو التصاغر أمام الأستاذية الفلسفية والتصورية، التي جعلت شروط التفلسف تعجيزية، للحد الذي أوشكت فيه على الادعاء بعقم الأرحام عن إنجاب الفلاسفة، ولم تكن هذه التجربة من الوقيان إلا دليلا يفند نضوب الإبداع الفلسفي، وقدرة الإنسان في جميع الجغرافيات على الإبداع والتفلسف؛ فالإنسان فيلسوف بالقوة وإن لم يتفلسف بالفعل!

6,202 total views, 2 views today