RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

ينْبغي لكل مهتم بفَهم مشكلات العالم المعاصر من العوْدة إلى صفوف مادة التاريخ، ودراسة بعض النماذج التاريخية؛ التي كان فيها دور القيادة دورًا محوريًّا في إقامة كيانات تقدُّميَّة ومُتَصَالِحَة مع مجتمعاتها؛ وفي المقابل، كيانات أدَّت السياسات المتَّبَعَة فيها إلى هدم تلك المجتمعات وتدمير البُنَى الإنسانية فضلاً عن البُنَى العمرانية.

يسْرد التاريخ عدة نماذج _كان للقيادة الدور المحوري_ في هدم أسس الدولة وكيانها الاجتماعي، وكان أبرزها النظام النَّازي بقيادة أدولف هتلر والتي آلت في نهاية الحرب الكونية الثانية إلى انقسام ألمانيا العُظمى إلى دولتين مستقلتين، وتدمير دولة متقدِّمة، وشعب مثالي في الإنتاجية والإبداع؛ كل ذلك كان نتيجة الفكر الأيديولوجي الذي كان يحمله قائد النازية والفئة التي تحوم حوله.

وفي المقابل نقرأ عن نماذج خالدة وقادة عظماء كان لهم الفضل في إرساء دعائم الحب والتسامح والمساواة بين الرعية وتوحيد الدولة المفكَّكَة عنصريًّا، وتحويلها إلى كيان حيوي وحْدَوي ينبذ الطائفية العرقية والاصطفافات الاثنية السياسية والحياة العنصرية، وهو النموذج الذي كان مثالًا مشرقًا في هذا العصر وهو نموذج نيلسون مانديلا.

ونحن في هذا البلد المعطاء نفتخر بقيادة حكيمة هي هبة إلهية قرأت التاريخ، واستفادت من تجارب الآخرين وأقامت دولة عصرية أساسها المساواة والعدل والتسامح، واستطاعت احتواء التعدُّدِيَّة العِرقية والمذهبية تحت مظلة الوطن وتوجيه البوصلة إلى عمارة الأرض على أسس حديثة.

هذه التجربة الفريدة لم تعط المساحة الكافية لدراسة الأسس التي انطلقت منها، والدوافع الذاتية والموضوعية التي دفعت لهذه التجربة أن تستمر لعدة عقود؛ مخترقة كل التحديات الداخلية والخارجية لتحجيم هذه التجربة النادرة.

لقد عايشت هذه التجربة التحدِّي الداخلي إبَّان انطلاقتها أثناء توسُّع الفكر الاشتراكي واغترار البعض بها، في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن المنْصَرم، حيث خرجت السلطنة بقيادتها الحكيمة منتصرةً على البُغاة عسكريًّا، ومتسامحة مع الناشزين من أبنائها بممارسة الخلق النبوي؛ رافعة شعار «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وهكذا كان المشهد.

واستمرت التجربة على الصعيدين العربي والدولي وما كان لها إلا النجاح تلو النجاح. حيث ظلت عمان وفية لتعهداتها الفكرية وقراءتها المتأنية للمشهد السياسي الإقليمي والعالمي فلم تنجر إلى الوعي الجمعي العربي عندما سحبت أغلب الدول العربية سفراءها من الجامعة العربية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد .. ولم ينته ذلك العقد حتى اصطفت بعض الدول العربية في حرب كان المنتصر فيها مهزومًا والبادي بها مغبونًا. ومِن حِكمة القيادة الرشيدة ونظرتها الثاقبة للأمور أنها أول من طرحت فكرة إنشاء جيش خليجي يدافع عن المصالح المشتركة دون الاعتماد على الخارج إلا في حدود ضيقة، وعندما تقتضي الحاجة الفعلية الملحَّة ولكن لم يرَ هذا المشروع النجاح لتواني البعض عن دعم هذه الفكرة الخلَّاقَة.

أما على الصعيد الإقليمي فإن السلطنة لم تألُ جهدًا من تخفيف الاحتقان الاقليمي وحاولت جاهدة مساعدة الأشقاء على تقريب وجهات النظر، وإرساء قواعد السلام في كل الملفات الشائكة خلال العقود الثلاثة المنصرمة.

وأثناء الأحداث التي تلت ما يسمَّى بالربيع العربي كانت السياسة العمانية واضحة المعالم قوية في منطقها صلبة في إرادتها حيث سعت إلى امتصاص نشوة الشباب وسعت بخطى حثيثة إلى إصلاح بعض المؤسسات واستغلال الفرصة إلى تطوير آليات العمل المؤسساتي؛ أما على الصعيد الإقليمي فلم تنجر إلى حروب نحر الأشقاء وإلى تضعيف كيانات شقيقة، وإن اختلفنا مع بعض سياسات تلكم الدول. والمنطلق هو المنطلق الذي مارسته السلطنة خلال حقبة الثمانيات من تقريب وجهات النظر في مقابل سياسة صب الزيت على النار المشتعلة.

لابد لهذه التجربة أن تدرس بعناية وبمهنية عالية حتى تدرج في مصاف التجارب العالمية التي خلدها التاريخ؛ بالإضافة إلى دراسة دور القائد في تكوين الاستراتيجية والإشراف على تطبيقها والمراجعة الدورية والعمل على استمراريتها. ومن منطلق رد الجميل ارتأت إدارة تحرير مجلتنا على تسليط الضوء على الفكر السياسي لحضرة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه ـ وإن كنا لن نستوف حقه في بضعة مقالات ولكن كما قيل لا يترك الميسور بالمعسور.

وفي هذا العدد نقرأ عدة مقالات عن المثقف ودوره الاجتماعي والسياسي، ومحاضرة ألقاها الدكتور صادق جواد سليمان في معهد الحوار في واشنطن، ومقالاً شيِّقًا عن واقع البحث العلمي في السلطنة، والمأمول من الجهات المعنية الاهتمام والتعاون لتنمية البحث العلمي ودراسة المعوقات، والتكاتف لتطوير المؤسسات وتطوير الإنتاجية الإدارية والصناعية والخدمية.

وإذ نحن ندخل عامًا جديدًا نرجو من الله عز وجل أن يعيد لنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله – سالمًا معافى؛ وأن يجعله عامًا خيِّرًا على الأمة العربية والإسلامية، والله ولي التوفيق.

7,207 total views, 2 views today