Dr. Saif

د. سَيْف المعمري 

 أستاذ مُشارك الدراسات الاجتماعية وتربية المواطنة

لا يزال التعليم -بصفة عامة- والتعليم العُماني -بصفة خاصَّة- يُعتبر أحد الملفات التي تفتح بشكل سريع دون قراءة ناقدة لما تتضمَّنه؛ سواءً من حيث المرجعية التخطيطية أو من حيث البُنى التشريعية، أو من حيث سياسات القبول، أو من حيث سياسات الجودة، أو من حيث نوعية التخصصات وارتباطها بسوق العمل، أو من حيث نوعية الكوادر التدريسية والمؤهلات التي تحملها ونسب التعمين بها.. إذن، نحن أمام ملف على قدر كبير من الخطورة، خاصة إذا عرفنا أنَّ التزايد المستمر في أعداد الطلاب والمدارس ومؤسسات التعليم العالي، وكذلك في العاملين في هذا القطاع من العُمانيين والوافدين، لم يُصاحبه تنام في تحقيق تطوير في جودة التعليم على الرغم من أن تحقيق هذا التطور النوعي كان المرتكز الأساسي لتحقيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العُماني التي عرفت بـ”عُمان 2020″، ولكنَّ المؤشرات التي ظهرت بعد ما يزيد على عقد ونصف العقد من التطوير، أثبتت أن تطوير التعليم لم يحقق التوقعات التي وُضعت في تلك الرؤية، والدليل على ذلك: ضعف نتائج الطلاب العُمانيين في المسابقات العالمية، وضعف قدرة المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة على تحقيق معايير الجودة؛ مما دفع قيادة البلد مُمثلة في صاحب الجلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى تقييم شامل لمنظومة التعليم بمختلف عناصرها، وصاحب ذلك تغييرات جوهرية في قيادة مؤسسات التعليم، وكان جلالته أدقَّ في تعبيره عن خطورة ضعف التعليم ليس على الاقتصاد ولكن على شخصية الإنسان واتزانها الخلقي والنفسي، واعتدالها في سلوكها في كل شيء؛ فالهدف من التعليم هو مساعدة الإنسان ليكون إنساناً قبل إعداده ليستطيع كسب لقمة العيش من وظيفة أو مهنة يعمل بها.

وتأسيساً على ما تقدَّم، يستطيع المتابع للشأن التعليمي العُماني أن يلمس وجود “عجز تعليمي”، وأنَّ هذا العجز يُؤدِّي إلى تداعيات أعمق من تلك التي يمكن أن يؤدي إليها العجز النفطي المحتمل كمصدر رئيسي للدخل الوطني؛ فالعجز التعليمي يؤدي إلى ضعف إمكانات قطاع كبير من الجيل الذي نعول عليه ليقود نهضة البلد، وعندما يكون المورد البشري قويًّا في انتمائه ومواطنته وتعليمه، يمكن أن يعوض ضعف إنتاجية الموارد الأخرى، بل ويحافظ على ما يأتي منها؛ فالتقدم لا تصنعه الموارد الطبيعية وحدها كما يعتقد بعضنا، وإنما يصنعه معها الإنسان المؤهل والمدرب والمعد للمستقبل وتغيراته وتحدياته.

… إنَّ كثيرين يعرفون هذا الواقع جيداً، ويعون أنَّ أوراق التعليم مبعثرة جدًّا؛ بعضها يمكن قراءته، والآخر لا يمكن، ولو قرأنا فإنَّنا نقلب الصفحة ولا نعود إليها بعد ذلك؛ لذا نحتاج اليوم أن نفتح كلَّ الأوراق المتعلقة بالتعليم؛ فمن حقنا أن يحصل أولادنا على تعليم جيد، وحق وطننا أن تكون به مؤسسات تعليمية ذات سمعة عالمية، وحقنا أن تدار أموال التعليم بشكل جيد، وحقنا أن توجد رقابة على مؤسسات التعليم، وعلى برامجه، وخططه، وحقنا أن تكون هذه المؤسسات هي الأفضل في الدولة بدلاً من أن تكون متأخرة عن بقيَّة المؤسسات التي طالما اشتكت من عدم مواكبة مخرجاتها لمستوى الوظائف التي تقدمها، حقنا أن تتزايد نسبة المؤسسات التعليمية الحكومية بدلاً من الاتجاه الحالي الذي يشهد تزايدا في نسبة المؤسسات التعليمية الخاصة، العملية ليست توفير خيارات؛ فالتعليم ليس سوقاً يعرض سلعا بطرق مختلفة فحسب، بل هو أساس لنهضتنا وتقدمنا، ولابد أن تُتاح لجميع المواطنين فرصٌ متساوية للحصول على تعليم جيد، حقنا أن تُقيَّم مؤسسات التعليم على الإنجاز والإخفاق على فترات متقاربة لتصحيح المسار في وقته.

إنَّ القراءة الناقدة التحليلية لواقع التعليم -بشقيه المدرسي والجامعي- تكشف لنا عن أزمات عميقة تؤثر في مخرجاته وفاعليته، واستجابته لمتطلبات سوق العمل، وتحقيقه للجودة المنشودة، ويُمكن أن نلخص هذه الأزمات كالتالي: أزمة الرؤية والتخطيط، وأزمة الإدارة والإشراف، وأزمة الاستيعاب والقبول، وأزمة الجودة، وأزمة البحث العلمي والإنتاجية.

ففيما يتعلَّق بأزمة الرؤية والتخطيط، نجد أنَّه لا توجد حتى اليوم موجِّهات رئيسية توجِّه حركة التطوير وفتح البرامج والتخصصات في مؤسسات التعليم العالي؛ فهناك أسئلة جوهرية لا تزال تبحث عن إجابات شافية وافية؛ أبرزها: من المسؤول عن وضع رؤية إستراتيجية للتعليم تحكم عمل جميع المؤسسات؟ رؤية تعبِّر عن حاجات بلد ومتطلبات تنمية وليس عن متطلبات مؤسسة واحدة، ويبرُز سؤال آخر هنا؛ وهو: هل هناك تخطيط مشترك بين إدارات مؤسسات التعليم عن البدء في أي تطوير للتعليم؟

أمَّا أزمة الإدارة والإشراف، فهي من أكبر الأزمات التي يمرُّ بها التعليم وتعمِّق من الإشكالات الأخرى؛ فهنا نتساءل: من الذي يتحكم في السياسات التعليمية؟ هل هما وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي فقط؟ أم هي المجالس العليا التي يرأسها مسؤولون من خارج المؤسسات التعليمية؟ لو أخذنا -على سبيل المثال- وزارة التعليم العالي من الناحية الإشرافية على التعليم، فسنجد أنَّها لا تشرف إلا على الكليات التطبيقية، والبعثات الداخلية والخارجية، والجامعات والكليات الخاصة، في حين تخرج مؤسسات عدة تستوعب الأعداد الأكبر من طلاب التعليم العالي من تحت هذه المظلة؛ مثل: جامعة السلطان قابوس، والكليات التقنية، ومعاهد التمريض؛ مما لا يُتيح صياغة رؤية مشتركة للتخطيط والإشراف، رغم ما يُقال عن وجود لجان تنسيق مشتركة ربما تُعيق أكثر مما تساعد على تكوين هدف موحَّد للتعليم العالي في بلد يزداد فيه عدد الشباب الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي، حالة التشظي هذه تلقي بظلال قاتمة على مستقبل التعليم العالي، والحلُّ دائمًا يكمُن في إعادة تنظيم هذه الفوضى التي ليست خلاقة كما يعتقد البعض، بل هي تخنق كلَّ آمال التطوير في التعليم العالي، ولو جئنا إلى اللجان المشتركة بين وزارة التربية والتعليم والمؤسسات التعليمية الأخرى، سيبرُز تساؤل هو: هل بالفعل هناك قرارات مشتركة وجهد مشترك لتطوير التعليم؟ لذلك؛ فإنَّ الخطوة الأولى لتطوير التعليم هي العمل من تحت مظلة واحدة يحكم عملها ضوابط وتوازن بين المركزية واللامركزية، وبدون اتخاذ مثل هذه الخطوة لن يكون هناك أي تقدم في مسار التعليم.

وتمثِّل أزمة الجودة في عملية التعليم نُقطة جوهرية تؤثر في مستوى الخريجين؛ سواء من شهادة الدبلوم العام أو من الجامعات والكليات. والجودة اليوم موضع تساؤل في كلا المسارين؛ في عمل وزارة التربية والتعليم التي لم تنجح في إعداد طلاب قادرين على المنافسة في الاختبارات الدولية أو على الالتحاق بالتخصصات الجامعية مباشرة دون الحاجة لبرنامج لتأسيس يكلف البلد ملايين الريالات، كما يبرز سؤال الجودة في التعليم العالي في ظلِّ تزايد عدد المؤسسات الذي وصل في (2011-2012م) إلى 54 مؤسسة؛ منها: 28 مؤسسة حكومية، و26 مؤسسة خاصة، تدور أحاديث كثيرة حول جودة مناهجها وتوافر عدد كافٍ من الأساتذة في تخصصات برامجها، وما إنْ كان لديهم مؤهلات مناسبة، ومدى توافر معامل ومختبرات، وبرامج تدريب ميدانية، وغياب ضوابط لفرز الطلاب الذين لا يتمكنون من تأدية متطلبات البرنامج، تعطي الملاحظات على بعض المؤسسات من قبل الطلاب والمؤسسات التي تقوم بتوظيفهم، والتي لم تعد تخفى على أحد، مؤشرات سلبية عن خصخصة التعليم العالي وتغليب الأهداف الربحية على الأهداف الأكاديمية؛ مما يُحتِّم القيام بعملية مراجعة جدية وشفافة من قبل جهة محايدة عن مستوى الجودة في هذه المؤسسات، تغلق في ضوء نتائجها برامج المؤسسات التي لا تحفل كثيراً بتطبيق معايير الجودة؛ لأنَّ الأمر هنا يتعلق بالتنمية التي بحاجة إلى كوادر عُمانية مؤهلة بقدر كبير يتوازى مع الرسوم الدراسية التي تدفعها الحكومة (البعثات الداخلية) والأفراد لهذه المؤسسات.

وإذا ما جئنا إلى أزمة الاستيعاب والقبول، سنجد أنَّ أعداد الطلاب في التعليم المدرسي تزيد على النصف مليون طالب وطالبة في السنوات الأخيرة، وأنَّ عدد الطلاب الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي بلغ 90.994؛ منهم: 91% داخل السلطنة، و9% خارجها، هذه الأعداد أيضاً تثير تساؤلات عدة لا تقتصر على طاقة الاستيعاب لدى بعض المؤسسات فقط، بل تتعلق بالاختصاصات التي يلتحق بها معظم هؤلاء الطلاب: هل تتناسب مع متطلبات سوق العمل؟ هل تتناسب مع متطلبات السنوات المقبلة؟ وهل هناك أعداد من الأساتذة تتناسب مع تزايد أعداد الطلاب؟ ولماذا ترتفع التكلفة التشغيلية لبعض المؤسسات في الوقت الذي تقبل فيه أعداداً محدودة من الطلاب؟ هذه أسئلة أيضاً بحاجة لأن تُطرح وتُناقش من أجل فهم واقع التعليم العالي والتعمين في السلطنة.

وفي الحديث عن أزمة البحث العلمي وإنتاجية مُؤسسات التعليم، فلا تقتصر وظيفة التعليم على التدريس السلبي الذي لا يجعل من الطالب منتجا في سنوات دراسته المدرسية أو الجامعية، نحن بهذه النظرة السلبية نخسر مجهود نصف عدد سكاننا، ونحول المؤسسات التعليمية من مؤسسات إنتاجية إلى مؤسسات استهلاكية، والأصل فيها أن تعمل على البحث العلمي وما يرتبط به من تحقيق قدر من الإنتاجية في صورة معارف وتطبيقات مختلفة وكذلك خدمة المجتمع، فإلى أي درجة تعطي المؤسسات التعليمية الحالية هذه الجوانب أهمية وتوفر الفرص والتعزيز لتطويرها، مما يحقق استثمارًا أفضل لكوادرها من الطلاب والأساتذة، وكذلك إمكاناتها، ويضعها في طريق تحقيق متطلبات الجودة.

وهناك أيضا أزمة مرتبطة بالكوادر البشرية؛ فقطاع التعليم هو من أكبر قطاعات التوظيف البشري في الدولة، وفي حين نجحت الدولة حين توافرت الإرادة في تعمين جميع المهن التدريسية والإدارية في المدارس العُمانية، أدَّى القصور في التخطيط إلى تراجع عن هذا المنجز، والعودة مرة أخرى إلى البحث عن المدرسين من خارج عُمان من أجل سد العجز. أما وضع التعمين في مؤسسات التعليم العالي، فهو بعيد جدًّا عن كلِّ سياسات التعمين الحكومية، ولا يمكن ضمن حدود هذا المقال الحديث تفصيلا للتدليل على ذلك، ولكن يكفي أن نذكر مثالا واحدا عن الكليات التطبيقية التابعة لوزارة التعليم العالي التي بلغ عدد أعضاء الهيئة الأكاديمية في العام الأكاديمي (2012/2013) 552 عضوا؛ شكَّل العُمانيون 38% منهم فقط، بلغت نسبة حملة درجة الدكتوراه 29%، أما حملة درجة الماجستير فبلغت 47%.. هذه النسب ربما تكون أقل في مؤسسات أخرى حكومية خاصة، في وقت يتزايد فيه عدد المواطنين من حملة المؤهلات العليا في وظائف إدارية لا تتناسب ومؤهلاتهم، فأين التقدم في ملف التعمين في هذه المؤسسات بعد كل هذه العقود؟ ألا يشكل التعليم في عُمان أكبر قطاع واعد للتعمين لو توافرت الإرادة؟ سيما وأنَّ نسبًا عالية من الوافدين ممن يعملون في هذه المؤسسات حسب الإحصاءات الحالية هم من حملة الماجستير التي يوجد عدد كبير من حملتها من الشباب العُمانيين؟

وهناك أزمة يمكن أن أطلق عليها “أزمة التطوير”، التي تبدو ملامحها واضحة جدًّا؛ ومن أهمها: غياب الرؤية التي تنشدها مؤسسات التعليم؛ فرغم كل الدعوات التي أطلقها صاحب الجلالة في السنوات الأخيرة لتطوير التعليم، إلا أنَّ الدوران لا يزال بطيئا، بل إنَّ عملية التطوير تبدو أشبه بالمهمة المستحيلة، وأنَّ ما يجري خلال السنوات الماضية من اجتماعات ولجان للمجالس والوزارات المسؤولة عن شؤون التعليم هو جزء من العمل البيروقراطي اليومي؛ وبالتالي لابد من إعادة التفكير في عملية التطوير نفسها، وتحديد مرجعيتها، وضوابطها، ومعالمها، تحديداً وطنيًّا؛ فعندما تتزايد التحديات في مختلف المجالات، يجب أن يكون التعليم حلًّا، لا أن يكون أساساً لكل مشكلة.

الحديثُ عن التعليم يقود إلى طرح عدد من الأسئلة الجوهرية، هذه الأسئلة تتطلَّب إجابات من الجهات المعنية؛ من أجل ضمان تحقيق هدف التعليم الذي حُدِّد في المادة (13) من النظام الأساسي للدولة، والذي ينصُّ على الآتي: “يهدف التعليم إلى رفع المستوى الثقافي العام وتطويره وتنمية التفكير العلمي، وإذكاء روح البحث، وتلبية متطلبات الخطط الاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد جيل قوي في بنيته وأخلاقه، يعتز بأمته ووطنه وتراثه، ويحافظ على منجزاته”.. وهذه الأسئلة يُمكن تلخيصها فيما يلي:

– نريد أن نعرف المؤسسة المرجعية التي كُلّفت خلال هذه السنوات بوضع سياسة تعليمية واحدة، تعمل المؤسسات التعليمية وفقها؛ مما يُوحِّد البرامج والمتطلبات، ويقلل من التخبط والتكرار والعشوائية.

– نريد أن نعرف التشريعات التي وُضعت من أجل تنظيم قطاع التعليم، وتحديد حقوق وواجبات العاملين به، وقانون التعليم، وقانون عمل المؤسسات الخاصة بمختلف مستوياتها، وتنظم قواعد الإشراف والمحاسبة.

– نريد أن نعرف الجهة التي تتولَّى عملية المحاسبة في قطاع التعليم: هل هو مجلس التعليم؟ أم وزارة التعليم العالي؟ أم الهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي؟ أم مجلس الشورى؟ أم المديريات العامة المشرفة على الكليات التطبيقية أو التقنية أو المعاهد الصحية؟ وما القانون الذي تستند إليه؟ وما نتيجة هذه المحاسبة؟ هل أغلقت كلية واحدة أو أوقفت البعثات إلى جامعة واحدة نتيجة عدم التزامها بالجودة في برامجها؟ كم من هذه المؤسسات لا توفر عددا كافيا من المدرسين لطلابها؟ كم منها لا يوفر مُتطلبات كافية لبرامج الدراسات العليا؟ نريد أن نعرف منكم لأنّ هذه المؤشرات مهمة جدًّا لإبراز التقدم في تطوير التعليم.

– نريد أن نعرف نتائج عملية تقييم التعليم التي دعا إليها قائد البلاد المفدى منذ ثلاث سنوات، هل تمت وفق ما أمر بها القائد أم لم تجر في الأساس؟ وإذا أجريت فما النتائج التي توصلت إليها؟ وإن لم تجر فعلى أي أساس تستند اليوم عمليات تطوير التعليم؟

– نريد أن نعرف دور مجلس الشورى ومجلس الدولة في توجيه مسار تطوير التعليم، وهما الجهتان اللتان تمتلكان لجانا للتربية والتعليم، والجهتان اللتان استضافتا المسؤولين عن مؤسسات التعليم خلال السنوات الماضية؟ هل اطلعت على إستراتجيات وخطط تطوير التعليم قبل تنفيذها؟ هل اطلعت على خطط تطوير المناهج؟ هل كانت مُرضية؟ هل تم الأخذ برأي أعضاء المجلس في تعديلها؟ هل تستطيع لجان التربية لديكم أن تقدم نقاطًا ملموسة تبرهن على التقدم في ملف التعليم؟

– نريد أن نعرف عن البعثات التي تقدمها البلد اليوم، هل في تخصصات يحتاجها البلد في المرحلة المقبلة أم لا؟ هل يتواجد هؤلاء المبتعثون في أفضل جامعات العالم؟ ما تكاليف هذه البعثات؟ هل ينجز المبتعثون دراستهم في الوقت المحدد؟ نريد أن نعرف؛ فهؤلاء إذا ما أحسن توجيههم سيعززون من مسار التنمية.

– نريد أن نعرف عن التعمين في مؤسسات التعليم؟ هل هو مرضٍ في ظل تعدد الكليات والجامعات والبرامج؟ هل تتاح فرص للكوادر العُمانية المؤهلة للانضمام إلى هذه المؤسسات؟ وما هي رؤية هذه المؤسسات لزيادة نسبة الكوادر الوطنية؟ ما هي خريطة توزيع هذه الكوادر اليوم في مختلف المؤسسات؟

… لا شكَّ أنَّ أي قراءة لواقع التعليم في عُمان اليوم لابد أن تأخذ في عين الاعتبار أن أيَّ نهوض بالتعليم لا يمكن أن يتم دون إرادة حكومية؛ فهي الأكثر هيمنة على سياسات هذا القطاع، بل إنَّ بعض أعضائها يعتبر اليوم سببا في تأزم وضع التعليم، نتيجة الاستثمار في هذا القطاع -سواء من خلال المدارس الخاصة أو من خلال الكليات والجامعات- مما يُصعِّب من مهمة “المحاسبة” أو ما يسمى بـ”الحوكمة” لمؤسسات التعليم؛ وبالتالي صعوبة تحقيق تقدم في رفع مستوى المخرجات، كما أنَّ تأخر مجلس الشورى في العمل على التشريعات المتمثلة في قانون التعليم وإقراره، يُزيد من صعوبة ضبط بوصلة هذا القطاع، ولا شكَّ أنَّ هناك تكهنات متعددة حول مضامين قوانين التعليم: هل ستكون لصالح التعليم؟ وهل ستمثل مرجعية لضبط كل عناصر المؤسسات التعليمية؟ هذه أسئلة سابقة على أوانها، ولكن الواقع يطرحها اليوم بعد مُرور كل هذه السنوات التي تمَّ التشريع فيها لكل شيء ما عدا التعليم الذي ظل بدون قانون؛ مما جعل منه ساحة كبيرة غير منضبطة، تسودها الفوضى، وما يظهر فيها من بعض سمات النظام؛ فهو لا يرتبط بضمان تحقيق الجودة في المنتج بقدر ما يرتبط بجوانب تنظيمية للعمل ولسياسات القبول.

لقد تناولتُ واقعَ التعليم بالقراءة الناقدة خلال السنوات الماضية، وكان كتاب “التعليم الثورة الصامتة”، تتويجًا لهذه القراءات. وكلمة أقولها للتاريخ في هذا المقال: إنه لا يليق بعُمان -بلد العلماء المؤسِّسين لعلوم الفقه واللغة والبحار- أن يُعاني التعليم فيها من كل هذه الأزمات، وكأنَّ الإدارات مشلولة، وكأن الإرادات غائبة، فكيف ننهض بتعليم لا تتوافر له إدارة حكمية، أو لا تقف خلفه إرادة حازمة؟

9,604 total views, 14 views today