زهرة الراسبي

لَا أدْرِي مَا مَكْنُوْنه فِي الأذهان، أو حتَّى ما سر هذه الأهمية التي تُحيط به، وهذا الإجلال الذي يسُوْد أجواءَه؛ فحاولتُ جاهدةً الغوصَ فِي أغواره السحيقة، ومقاصده العالية؛ لأفوزَ بمعرفة سرِّ هيمنته فوق العقول، وسيادته على النفوس؛ فبعد أنْ دقَّ الجرسُ قنوات آذاننا بدأ الكلُّ يتحرَّك بشكل عشوائي، فتشعُر أنَّ هناك نظامًا في اللا نظام، واللا نظام في النظام، وهنا تبدأ قصصُ الطابور الصَّباحي تتجسَّد أمام ناظريك، لترسمَ فَوْق راسك مائة علامة استفهام، ومثيلاتها من علامات التعجُّب الضخمة؛ فعلى مقربة منِّي نشبت معركة كوميدية في شكلها، شرسة في حركتها، للفوز بمكان وقوف في المقدمة لصغيرات لم تتجاوز أعمارهن العقدَ الأول من العمر؛ حيث أنهت معلمتهن العراك الحامي بانتصار الأقصر منهن؛ مُفسِّرةً وجوب الترتيب حسب الطول كسبب ظاهر ومنطقي، أو كما أفصحتْ إحدى الطالبات الطويلات صارخةً بصوت ناعم، يتخلله شيء من الحدة، “دائما تميز المتفوقات، ونحن دائما مكاننا في الوراء”. كان وجهُها محمرا، وآثار العراك تخربش ملامحها الطفولية، لتواريه في نهاية المعركة خلف زميلاتها المرابطات عندها في الخلف، فاختلطت المشاعر عندي: فلا أدري أأضحك من شكل تعارك أقزام بضراوة؟ أم أحزن تعاطفاً مع الفريق الخاسر في مؤخرة الطابور؟!

وهُناك في الجهة الغربية من الطابور ذاته أولادٌ صغار يتنافسون على الوقوف في المقدمة، ولكن بالأسلوب الذي يليق بمهاراتهم وجنسهم؛ فهم يرفضون أي نوع من أنواع التدخُّل، خصوصا إذا كان أنثويًّا؛ فلا تكاد ترمش عيناك إلا وقد غيَّر بعض الأولاد مكان وقوفهم بسرعة البرق، وما تلبث أن تفرك عينيك لتصدق ما ترى، إلا وقد انقلب كل الطلاب عن أماكنهم؛ فلا تفوز إلا برصد نظرات تعبر عن تصفية حسابات حامية!! ونصيحتي أنْ تتظاهر بالانشغال عنهم لتحظى بلقطة خاطفة لخفة حركتهم أثناء شد أحدهم من ياقته للوراء، وبالتالي احتلال مكانه، أو رصد وميض ركلة أو ضربة خاطفة. والعجيبُ في الأمر هو رجوع كلٍّ من الضارب والمضروب إلى حالة الرزانة والانضباط كخيط بلاستيكي عاد من بعد شد، فهذه أمور داخلية وليس عليك التدخُّل بها!! ولو حوَّلت وجهك شطر صفوف المراحل العليا، سوف تقع عيناك على أحداث تنطق بلغة الحرب الباردة للظفر بشرف الأماكن المتقدمة في الطابور؛ فبنات الصفوف المتقدمة تبدو على ملامحهن الفخر والرفعة مع ليِّ الشفاه ورفع الحواجب؛ إغاظة لمن هن في الخلف مع رشة من نظرات الاشمئزاز، وأحيانا الشفقة لمن يقفن في الصفوف الخلفية واللاتي يتظاهرن باللامبالاة، ويفتعلن حركات شغب وتخريب لنظام الطابور، بينما تنحصر في وسط الطابور بنات الوسط البسيطات اللائي تصبغ السكينة مُحيَّاهن، ويتخيَّلن الوصول للأمام، والشوق له بنظرات أعينهن الراجية.

وكـ”الموناليزا”، تحاول أنْ تخفي ضحكتك في طابور الالتزام عندما تُتابع بشغف مباراة رَمي القبَّعات في الهواء، دون أن تراك المعلِّمة فتتذكر مباريات الرياضة في الستينيات من القرن الماضي، والفارق هنا شكل القبعات التقليدية لعُمان، واللاعبون هم طلاب الصف الثاني، أما الجمهور فهن معلمات وطالبات المدرسة، ولكن في الجهة المقابلة للفريق؛ فمن المُحَال أنْ ترى مُعلِّمة الصف لما يحدث عندها في الخلف!

وَمَع طيران القُبَّعات، سافرتُ بفكري إلى مَجاهل التفكر بهذه الظاهرة، وهي ظاهرة الطابور؛ فيمكن أن نسقطها على كل ما حولنا؛ فهي تعبِّر عن النظام، والحياة نظام، ويُمكن أن تعبِّر عن صفة لاستعراض كما في احتفاليات الجيوش لاستعراض القوة العسكرية، بغضِّ النظر عن إنجازاتها، أو أهمية هذه القوة!

ونحن كَبَشر، نقفُ في هذا الطابور، شئنا أم أبينا، ونحملُ مَعَنا بطاقة تبيِّن ترتيبنا؛ وبالتالي دورنا في هذا الطابور.

والطوابير أنواعٌ؛ فهناك طوابير يقف الناس فيها لانتظار نوع من أنواع الحظ الرائع أو السيئ، وكعادة البشر نجد دائما من يَقِف في الصفوف الأمامية ويكرِّر نظرات الاشمئزاز والتفاخر لمن هم في الخلف، مع أنه لم يبذل أقلَّ مجهود للوقوف في المقدمة، والشيء الوحيد الذي أوقفة هنا هو دوره أو ترتيبه في بطاقة القدر، وطبعا هذا في أحسن الأحوال؛ فأحيانا نجد أصحاب الصفوف الخلفية يتعرَّضون لتجاهل تام من أصحاب الصفوف الأمامية؛ فيشعر بعضهم بالدونية والأسى، مع أنه لم يتسبَّب في وقوفه هُنا في الخلف، ولا أدْرِي سببَ تعاظُم بعضِ البشر، أو تصاغر البعض الآخر، مع علمهم بأنَّ ترتيبهم في الطابور قَدَرٌ مُقدَّر يُمكن أن ينقلب في أي لحظة، خصوصا عندما يمرُّ علينا أحد من الصفوف المتقدمة في طابور المراتب، أو العلم، أو المال والبنون، وقد تطاولتْ رقبته إلى السَّماء ترفعا، فناداه المنادي من طابور آخر ليحتل صاحبنا مكانةً مُتقدِّمة في طابور الموت، فتراه يمشي مُستغربا، وجسمه تحيط به برودة غريبة، والأرض تهتز من تحته، تاركا الدنيا وراءه لطالما تطاول فيها على الخلق عندما تناسى محور سير حياته “غريبة الحدث، غادرة اللحظة، حتمية النهاية”!!

فهَا هُو يُسحب نحو المنادي، ورقبته مشدودة إليه، فليس في وسعه أنْ يُمانع؛ فهذه الطوابير ليست أبدا اختيارية. والآخر يمضي حياته قَلِقا لتأخُّر دورة في الطابور، فيعض يديه ندماً عندما يناديه المنادي ويقول: “يا ليتني قدمت لحياتي، ففتشت عن مكامن الخير والقوة في مكاني قبل أن يُنادي المنادي”.

ولا نَنْسَى قناديل الحياة؛ أولئك الذين يمدُّون أياديهم للآخرين لانتشالهم من همومهم أو تأخُّر حظهم.

وهكذا.. تمضي حياتنا في طوابير مُتشابكة في مظهرها، منتظمة في ترتيبها الزمني. وهنا، أرجع من رحلتي من مَجَاهل التفكير، بعدما هزَّ الجرس طبولَ آذاننا مرَّة أخرى، فترى صفوف الطابور ترجع إلى فصول الدراسة بنظام حتميٍّ لا جدال في أهميته؛ فلا تستعجلوا يا أبنائي، ولا تتعالوا، ولا تحزنوا؛ فالكل في النهاية سوف يصل إلى فصله، أو مختبره، أو مبتغاه في النهاية.. فلا تتعجلوا!

603 total views, 5 views today