مُحمد حسين بن مُوسى اللواتي

قرأتُ في أحد الكتب الفلسفية أنَّ مجموع ما كتبه أرسطو قد جُمع في ثلاثة أقسام: (العلوم النظرية، العلوم العملية والعلوم الإبداعية)؛ والقسم الأول يشمل كتباً مُختلفة في الطبيعيات، وفي نهاية هذا القسم يكون كتاب “الفلسفة الأولى”.

وقد جاء في ذلك الكتاب: ((ولما كانت الفلسفة الأولى واقعة بعد الطبيعيات بحسب ترتيب التأليف، ولم يكن المؤلف قد أطلق عليها اسمًا ولا عنواناً خاصًّا؛ فقد أُطلق عليها فيما بعد اسم “الميتافيزيقا” أي: (ما بعد الطبيعة)، ويعني ذلك القسم من البحث الواقع بعد الطبيعيات، وبتطاول الزمن وأخطاء المترجمين أصبح معناه علم ما رواء الطبيعة من المجردات، وصار يطلق على الفيلسوف الإلهي اسم الميتافيزيقي)).

ومن ثمَّ يُضيف الكاتب قائلا: ((ويحسن بالقارئ الكريم أن يصون نفسه عن هذا الخلط؛ فلا يظن أن موضوع بحث “الميتافيزيقي” هو (الله أو الروح) وإنما موضوع الميتافيزيقيا (الفلسفة الأولى) هو مطلق الوجود)) (1).

وطبقاً لما مرَّ من حديث؛ فإنَّ كلمة “ما بعد/أو ما وراء الطبيعة” قد وُضعت بادئ ذي بدء لتدلَّ على كتابات أرسطو في علم الفلسفة الأولى، والتي وقعت ما بعد/أو ما وراء كتاباته في علم الطبيعة، ومع مرور الزمن أصبحت تأخذ معنى خاطئا؛ حيث عرفت بأنها تعني ذلك العلم الباحث في “الإلهيات أو المجردات”.

وفي زماننا هذا، نرى أنه قد شاع إطلاق كلمة “ما وراء الطبيعة” على العلم الذي يبحث في “المجردات”.

أما ما يُقصد بالطبيعة في الفلسفة؛ فهو عبارة عن عالم المادة أو الجسم المتضمَّن (للجماد والنبات والحيوان)، وهو يشمل كلَّ تلك الموجودات التي يُمكننا أن نحس بها بحواسنا، بكل مظاهرها وتجلياتها المختلفة، التي توجد تارة وتنعدم تارة أخرى، والتي لها تلك الأبعاد الوجودية الأربعة من (طول وعرض وعمق وزمان).

وبعبارة أخرى، فإنَّ عالم الطبيعة هو عالم الحركة ومهدها (حركة الموجودات الدؤوبة نحو كمالها)، بل هو أكثر من ذلك؛ فهو عَيْن الحركة -وليس ذاتاً تضاف إليها الحركة- فذاته عبارة عن حركة أزلية كما هو لدى إحدى المدارس الفلسفية الإسلامية (2).

وأما ما يُقصد بعالم ما وراء الطبيعة؛ فهو عبارة عن عالم التجرد والروح، من: (الله جل جلاله، والملائكة، والعرش، والكرسي، واللوح المحفوظ…إلخ)؛ فهو يشمل كلَّ تلك الموجودات التي لا يمكننا أن نحسها بحواسنا، وهو خالٍ تماماً من الحركة المادية التي لدينا في هذا العالم؛ فحيث لا مادة لا حركة، وحيث لا حركة لا تكامل؛ فذاك عالم التكامل بعينه وبحد ذاته. ليس فيه شيء بالقوة حتى يتحوَّل بالحركة إلى الفعل، يتحوَّل من الضعف إلى القوة، ومن الفقر إلى الغنى؛ فكلُّ ما فيه موجود فيه بالفعل لا بالقوة؛ حيث كل ما تجب أن تكون عليه الموجودات هناك هي عليه بالفعل؛ فلا مجال للتحول والتبدل والتغيير هناك أبدا، كما هي الحال في عالم الطبيعة؛ فهو خارج عن حكم تلك الأبعاد الوجودية الأربعة التي تحكم عالم الطبيعة، بل هو الحاكم عليه والطبيعة محكومة من قِبَله.

وبعد هذه المقدِّمة المقتضِبَة التي بيَّنا فيها -وباختصار شديد- معالم عالم الطبيعة وما وراء الطبيعة -وهنالك بالطبع الكثير مما يُمكن قوله عن الفروقات الموجودة بينهما- حان الآن وقت بيان ما تصبو إليه تلك المقالة.

فنحن بكوْنِنا مُسلمين، ولدينا تلك الثروة الفلسفية الكبيرة الراقية الناضجة، فضلا عن إظهارات نصوص القرآن لنا عن الله جل جلاله، وعالميْ الدنيا والآخرة، ونوعية العلاقة بينهما “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون” (3)…وغيرها من المواضيع المتعلقة بالمبدأ والمعاد. فمع وجود كل هذا لدينا، يجدُر بنا ألا نتوهَّم -أو نغفل عن- حقيقة قرآنية والمستدل بها عقليا لدى الفلسفة الإسلامية، وهي أنه ليس هنالك عالم الطبيعة المستقل بذاته، وعلى طرف آخر يوجد عالم ما وراء الطبيعة، واعتبار نوعية العلاقة بينهما هي علاقة اعتبارية وضعية وليست حقيقية وواقعية، علاقة ثنائية وليست وحدوية.

ليس الأمر هكذا البتَّة؛ فليس في ثقافتنا الإسلامية جدار بين عالم الطبيعة (الدنيا) وعالم ما وراء الطبيعة (الآخرة)، وما قبل الطبيعة (المبدأ)، بين عالم المادة وعالم التجرد، بين عالم المعلول وعالم العلة التامة.

فالقرآن عندما يتحدَّث عن عالمي التجرد والمادة يقول: “عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ” (الرعد:9)، يستخدم كلمتي “الغيب والشهادة” وليس كما هو دارج في الفلسفة عامة بعالمي ما وراء الطبيعة والطبيعة (وإن كانت الفلسفة الإسلامية مدركة لهذا المعنى القرآني تمام الإدراك).

إننا إذا أردنا تقديم تصوُّر تقريبي واضح للعلاقة الموجودة بين عالمي الشهادة والغيب، فإنه يُمكننا فعل ذلك بتصورنا -وإلى حد بعيد، ومع وجود فوارق بالطبع- للعلاقة الموجودة بين الظاهر والباطن، واللفظ والمعنى، والبدن والروح، والكلام والمتكلم.

إنَّ روح وشعاع وامتداد “عالم الغيب” لا يزال -وسيظل إلى ما شاء الله- ساريًا وجاريًا في “عالم الشهادة”؛ فهو حقيقة وجوده، ولب حركة مخلوقاته وتفاعلاتها ومظاهرها وتشكيلاتها.

شعاع عالم الغيب عبارة عن درجة أعلى وأرقي وأكمل من درجة عالم الشهادة، وكل آثار ومظاهر وتجليات (الحركة والطاقة الحياتية) الموجودة في عالم الشهادة -عالم الطبيعة -هي من ذاك العالم، وليست من ذاته.

عالم الغيب هو عبارة عن عالم التجرُّد التام، وليس للمادة وحركتها الصميمية المسمَّاه بـ”الحركة الجوهرية” (4) -التي تخرج الأشياء من النقص إلى الكمال، ومن الفقر إلى الغنى، ومن القوة إلى الفعل، والتي تأتي في مُقابل كافة الحركات العرضية الظاهرية التي نشاهدها في الشهادة، والتي تكون منشأ للإيجاد وإعدام الموجودات- ثمَّة وجود هناك، بل هو عالم التجرُّد التام، كامل غني مُكتمل الفاعلية؛ فلا فاعلية أعلى منه وأكمل، حتى يرقى إليها ويكتمل بها، هو عبارة عن “الله وآياته وشؤونه، وملائكته والعرش والكرسي واللوح المحفوظ و…”.

فعلاقة عالم الغيب بعالم الشهادة ليست كعلاقة الأم بجنينها مثلا؛ حيث تعتبر علاقتهما طالما الجنين في بطنها والمرتبط معها بذلك “الحبل السري” علاقة حقيقة وواقعية، وما إن يخرج من بطنها، وينقطع ذاك الحبل ويصبح رضيعها بعدما كان جنينها، تصبح العلاقة بينهما اعتبارية ووضعية وشكلية ليست إلا.

العلاقة الموجودة بين عالم الغيب والشهادة ليست بهذه البساطة والسطحية والمحدودية أبدا، بل العلاقة الموجودة بينهما علاقة مطلقة لا يحدها زمان ولا مكان، فلا يمكن فيها أن ينقطع الحبل السري بينهما أبدا، ولو فرضنا ذلك جدلا وقلنا بإمكانية ذلك القطع، فعندها يجب علينا ألا نتوقع أنه سيبقى ويكون لعالم الطبيعة وجود مستقل -كالرضيع في مثالنا- فمثل هذا التوقع لا يعتبر سوى توهم وخيال ساذج.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه مثلما ابتدع “صدر المتألهين” (نظرية البُعد الرابع) بالاستفادة من المادة التراكمية للفلسفة الإسلامية من قبله، وقال إن أبعاد العالم لا تنحصر بثلاثة فقط (الطول والعرض والعمق)، بل لها بعد رابع أيضا وهو “الزمان” وذلك قبل طرح آنشتين لنظريته بحوالي 380 سنة (5). فإن الشيخ مرتضى المطهري قد ابتدع -ولأول مرة- وقال: إن عالم الغيب هو البعد الخامس لعالم الطبيعة (الشهادة)، إضافة لأبعاده الأربعة الباقية (6).

فعالم الغيب هو عبارة عن العلَّة التامة المُوْجِدة والمقوِّمة والحافظة لعالم الشهادة، وعالم الشهادة هو عبارة عن معلول أظهر للوجود، وقوِّمت أركانه وحُفِظ كيانه من قبل عالم الغيب.

وبهذه النظرة المعرفية العميقة للفلسفة الإسلامية لعالمي المادة والتجرُّد، يُصبح انقطاع الحبل السري بينهما مستحيلا، وفطام عالم الشهادة من ثدي عالم الغيب يعني -وباختصار شديد- موته.

لعلَّ هكذا يُريدنا القرآن الكريم والتعاليم الإسلامية أن نفهم العلاقة الموجودة بين عالمي الغيب والشهادة.

 —————-

التعليقات

(1) “أسس الفلسفة والمذهب الواقعي”، محمد حسين الطباطبائي، تعليقات الشيخ مرتضى المطهري، ص:61/62، دار التعارف للمطبوعات، بيروت-لبنان.

(2) “الحكمة المتعالية”، لصاحبها محمد إبراهيم الشيرازي، الملقب بـ”ملا صدرا أو صدر المتألهين”، في باكورة عمله الفلسفي في كتاب “الأسفار العقلية الأربعة”.

(3) سورة الروم، آية:7. كتاب “رسالة الولاية” للسيد محمد حسين الطباطبائي؛ حيث يتحدث عن علاقة هذه الدنيا بالآخرة، وأنها علاقة الظاهر بالباطن؛ أي لهذه الحياة الدنيا باطن وهي حياة الآخرة، ص:15، دار التعارف للمطبوعات، بيروت-لبنان.

(4) هذه الحركة أُثبتت بوسيلة “صدر المتألهين” بشكل واضح وتام، وهي تأتي في مقابل “الحركة العرضية” التي كان يقول بها أرسطو وابن سينا من قبل؛ فكيف للعَرَض أن يتحرَّك وجوهره ثابت، لا بد من وجود حركة في جوهر المادة بذاتها؛ لذلك سُميت بالحركة الجوهرية؛ أي الحركة في جَوْهر المادة وذاتها. يُمكن مراجعة مقالة -وهي باللغة الفارسية- التي قمت بترجمتها منذ سنين، ولم ترَ النور حتى الآن.

(5) كتاب “الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية”، في مبحث “القوة والفعل” فصل 10، تحت عنوان “في الحركة والسكون”. نقلا عن كتاب “مقالات فلسفية” ج3 للشيخ المطهري، في مقال (سير الفلسفة في الإسلام من “المير داماد” وحتى العصر الحاضر)، والتي قمت بترجمتها حديثا مع غيرها من مقالاته الفلسفية؛ حيث أرجو أن ترى النور بمشيئته تعالى قريبا.

(6) تُراجع مقالة “البُعد الخامس” للشيخ المطهري، في كتاب “مقالات فلسفية” لي، المطبوع في دار محجة البيضاء في لبنان.

3,303 total views, 2 views today