د‭. ‬سعيدة‭ ‬بنت‭ ‬خاطر‭ ‬الفارسي

للزمن‭ ‬متغيراته‭ ‬وحساباته‭ ‬المتسارعة‭.. ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬سلفا‭ ‬أن‭ ‬الابتكارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأربعين‭ ‬الأخيرة‭ ‬قد‭ ‬تدفقت‭ ‬بصورة‭ ‬مدهشة،‭ ‬أعجزت‭ ‬العقول‭ ‬عن‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬ومعظم‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬لصالح‭ ‬البشرية‭. ‬

في‭ ‬زيارتي‭ ‬العائلية‭ ‬المعتادة‭ ‬للأسرة‭ ‬كل‭ ‬جُمعة؛‭ ‬حيث‭ ‬نتجمع‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أكبرنا‭ ‬سنا،‭ ‬يتراكض‭ ‬الصِّغار‭ ‬بفرح‭ ‬واضح،‭ ‬وبعبثية‭ ‬الطفولة‭ ‬وجمالها‭ ‬الفياض،‭ ‬ابتهاجا‭ ‬بهذا‭ ‬التجمع،‭ ‬ولأن‭ ‬العبث‭ ‬الطفولي‭ ‬عندما‭ ‬يزداد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضجيج،‭ ‬كنا‭ ‬نطردهم‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صالة‭ ‬تجمُّع‭ ‬الكبار،‭ ‬ونرسلهم‭ ‬للغرفة‭ ‬المخصَّصة‭ ‬لهم،‭ ‬لكنهم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تضيق‭ ‬حركتهم‭ ‬بالجدران‭ ‬الملتفَّة‭ ‬على‭ ‬أركان‭ ‬الحجرة‭. ‬إذن،‭ ‬الحوش‭ ‬الخارجي‭ ‬هو‭ ‬الحل،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬التجمع‭ ‬هناك‭ ‬يكون‭ ‬مساءً،‭ ‬حيث‭ ‬تقفل‭ ‬أبواب‭ ‬الخارج‭ ‬المؤدية‭ ‬للشارع،‭ ‬ليفعلوا‭ ‬ما‭ ‬يشاءون،‭ ‬ويغردوا‭ ‬ما‭ ‬طاب‭ ‬لهم‭ ‬التغريد،‭ ‬تصلنا‭ ‬أصواتُ‭ ‬الضحكات‭ ‬أو‭ ‬البكاء‭ ‬الكاذب‭ ‬من‭ ‬أحدهم‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬لكنهم‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬الحال‭ ‬فرحون‭ ‬عابثون‭ ‬سعداء‭. ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬يجلس‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬راحة‭ ‬شبه‭ ‬تامة،‭ ‬مطمئنين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬فلذات‭ ‬القلوب‭ ‬في‭ ‬استمتاع،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬لتجمُّعنا‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العائلة،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أنها‭ ‬حال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬العمانية‭.‬

هذه‭ ‬الجُمعة‭.. ‬حضر‭ ‬البعض،‭ ‬وتجمع‭ ‬الصغار‭ ‬في‭ ‬غرفتهم،‭ ‬لكنَّ‭ ‬أمرا‭ ‬ما‭ ‬مُختلفا؛‭ ‬فالأقدام‭ ‬قل‭ ‬تراكضها،‭ ‬والأصوات‭ ‬قل‭ ‬ضجيجها‭ ‬بل‭ ‬شبه‭ ‬انعدم،‭ ‬والضحكات‭ ‬لا‭ ‬حسَّ‭ ‬لها‭.. ‬وبينما‭ ‬الحديث‭ ‬يتجوَّل‭ ‬بين‭ ‬الكبار،‭ ‬كانت‭ ‬أذني‭ ‬الثانية‭ ‬مع‭ ‬الفئة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يُستغرب‭ ‬منها‭ ‬هذا‭ ‬الهدوء،‭ ‬سألتُ‭ ‬الجالسين‭: ‬أين‭ ‬الأطفال؟‭ ‬الإجابة‭: ‬في‭ ‬غرفتهم،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬عقَّلهم‭ ‬هكذا؟‭ ‬الجميع‭ ‬انتبه،‭ ‬فعلا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬صوتَ‭ ‬لهم‭. ‬وتواصلتْ‭ ‬الأحاديث،‭ ‬لكنَّني‭ ‬مازلتُ‭ ‬مُشتتة‭ ‬الذهن،‭ ‬وموجودة‭ ‬هُنا‭ ‬بأذنٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬انسحبتُ‭ ‬بخفة‭ ‬لغرفة‭ ‬الصغار،‭ ‬وجدتُ‭ ‬الجميع‭ ‬يُبحلقون‭ ‬في‭ ‬جهازي‭ ‬تليفون‭ ‬بيد‭ ‬طفل‭ ‬وأخته،‭ ‬واضح‭ ‬أنهم‭ ‬يتفرَّجون‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬مُسلٍّ‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬الطفولة‭ ‬وألعابها‭ ‬في‭ ‬الآي‭ ‬باد،‭ ‬لكنهم‭ ‬جميعا‭ ‬لم‭ ‬يحضروا‭ ‬الآيباد‭ ‬معهم،‭ ‬فقد‭ ‬مَنعناهم‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬بالآيباد‭. ‬سألتهم‭: ‬ماذا‭ ‬تفعلون؟‭ ‬قالوا‭: ‬نتابع‭ ‬برنامج‭ “‬لمسة‭”‬،‭ ‬ولما‭ ‬كنتُ‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬برامج‭ ‬الأطفال‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬سألتُ‭: ‬وما‭ ‬هو‭ “‬لمسة‭”‬؟‭ ‬وصلتني‭ ‬إجابات‭ ‬فوضوية،‭ ‬ورجعتُ‭ ‬للكبار،‭ ‬سألتُ‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬يمسك‭ ‬أطفالها‭ ‬بالتليفون‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬برنامج‭ “‬لمسة‭”‬؟‭ ‬قالت‭: ‬هذا‭ ‬برنامج‭ ‬تعليمي‭ ‬ممتاز،‭ ‬وأولادي‭ ‬استفادوا‭ ‬منه،‭ ‬قلتُ‭: ‬هل‭ ‬تأكَّدتي‭ ‬من‭ ‬البرنامج؟‭ “‬نعم،‭ ‬طبعا،‭ ‬لا‭ ‬تخافي،‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬حتى‭ ‬التليفزيون‭ ‬يعمل‭ ‬له‭ ‬دِعاية‭ ‬ليتعلَّم‭ ‬منه‭ ‬الأطفال‭”. ‬طبعا‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬جيد،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬لطفلك‭ ‬وبنتك‭ ‬هذه‭ ‬التليفونات،‭ ‬ردَّت‭: “‬هي‭ ‬تليفونات‭ ‬رخيصة،‭ ‬يشغلون‭ ‬عليها‭ ‬الإنترنت،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يزعجونا‭”. ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬معه‭ ‬آيباد،‭ ‬وخارج‭ ‬البيت‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬عنده‭ ‬تليفون‭ ‬وإنترنت،‭ ‬غريب‭ ‬هذا‭ ‬الحل،‭ ‬ابنك‭ ‬عمره‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬والبنت‭ ‬3‭ ‬سنوات،‭ ‬وليل‭ ‬نهار‭ ‬في‭ ‬الإجازة‭ ‬عيونهم‭ ‬وأدمغتهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭!! ‬وأين‭ ‬الرَّكض‭ ‬والنشاط‭ ‬واللعب‭ ‬مع‭ ‬الأطفال؟‭! ‬ولماذا‭ ‬سرقتي‭ ‬بهجتهم‭ ‬وطفولتهم‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل؟‭! ‬ألم‭ ‬نتَّفق‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬التجمُّع‭ ‬هذا‭ ‬نترك‭ ‬للأطفال‭ ‬حرية‭ ‬اللعب‭ ‬مع‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض؟‭! ‬الأم‭: “‬أولادى‭ ‬مُزعجين،‭ ‬وهم‭ ‬أكثر‭ ‬الأطفال‭ ‬إزعاجا‭ ‬هنا؛‭ ‬لذا‭ ‬طالما‭ ‬أنهم‭ ‬مبسوطون‭ ‬وهادئون،‭ ‬اتركوهم‭ ‬يلعبون‭ ‬بالأجهزة‭”. ‬صُعقتُ‭ ‬لرد‭ ‬طبيبة‭ ‬المفروض‭ ‬تعرف‭ ‬أضرار‭ ‬الإشعاعات‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة،‭ ‬وأضرار‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬على‭ ‬العين‭ ‬والدماغ،‭ ‬والأهم‭ ‬على‭ ‬براءة‭ ‬الطفل‭.. ‬ضحكتُ‭ ‬ضحكة‭ ‬شرِّ‭ ‬البلية،‭ ‬فقد‭ ‬ذكَّرتني‭ ‬هذه‭ ‬الأم‭ ‬بأسطورة‭ ‬عُمانية‭ ‬تقول‭: “‬إن‭ ‬إحدى‭ ‬الأمهات‭ ‬تركتْ‭ ‬وليدها‭ ‬نائما‭ ‬في‭ “‬المنز‭” (‬سرير‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬الهزاز‭)‬،‭ ‬وذهبتْ‭ ‬مع‭ ‬صاحباتها‭ ‬لتستقي‭ ‬من‭ ‬الفلج،‭ ‬ثم‭ ‬جاءتها‭ ‬امرأة‭ ‬تجري‭ ‬قائلة‭: ‬فلانة،‭ ‬الحقي‭ ‬طفلك‭ ‬أخذته‭ ‬الضبعة،‭ ‬قالت‭ ‬الأم‭: ‬يبكي‭ ‬ولَّا‭ ‬ساكت،‭ ‬المرأة‭: ‬ساكت،‭ ‬الأم‭:‬‭ ‬اتركوه‭ ‬طالما‭ ‬هو‭ ‬ساكت‭..”!!!‬

طبيبتنا‭ ‬اليوم‭ ‬كرَّرتْ‭ ‬نفس‭ ‬فعل‭ ‬جدتها‭ ‬القديمة،‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬مُستوى‭ ‬التعليم،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الوعي‭ ‬غائب‭ ‬لدى‭ ‬الاثنتين،‭ ‬ستقولون‭: ‬إنك‭ ‬تُبالغين،‭ ‬فمن‭ ‬خطفته‭ ‬الضبعة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬خطورة‭ ‬من‭ ‬خَطفته‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬كلتا‭ ‬الوسيلتين‭ ‬هي‭ ‬منتهى‭ ‬الخطورة،‭ ‬وأن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬الضبعة‭ ‬لكن‭ ‬بوجه‭ ‬معاصر،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬طفلة‭ ‬ذات‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬أجهزتها‭ ‬ليلَ‭ ‬نهارَ‭ ‬ونتوقع‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬طبيعية،‭ ‬أين‭ ‬دورك‭ ‬أيتها‭ ‬الأم؟‭! ‬أين‭ ‬حنانك‭ ‬وضمِّك‭ ‬لأطفالك‭ ‬تحت‭ ‬جناحيْ‭ ‬الحنان‭ ‬والرحمة؟‭! ‬أين‭ ‬خفقان‭ ‬قلبك‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتسرب‭ ‬إلى‭ ‬قلبيهما‭ ‬الصغيرين،‭ ‬ويتذكر‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬هذه‭ ‬الضمات‭ ‬عند‭ ‬الكِبر،‭ ‬فيحتويانك‭ ‬ويُخفضان‭ ‬لكِ‭ ‬جناحَ‭ ‬الذل‭ ‬من‭ ‬الرحمة؟‭! ‬أين‭ ‬دورك‭ ‬في‭ ‬تسريب‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬التراثية‭ ‬العُمانية‭ ‬لأطفالك،‭ ‬وهي‭ ‬حكايات‭ ‬مدهشة‭ ‬ورائعة،‭ ‬وتستقطب‭ ‬أخيلة‭ ‬الطفل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قصص‭ ‬لا‭ ‬تمثله‭ ‬يراها‭ ‬في‭ ‬الآيباد؟‭! ‬أين‭ ‬دورك‭ ‬في‭ ‬تحفيظه‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والأحاديت‭ ‬وشرحها،‭ ‬وشيئا‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬الطفولية‭ ‬التراثية‭ ‬وهي‭ ‬مليئة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العمانية؟‭! ‬لماذا‭ ‬تكاثرت‭ ‬الشهادات،‭ ‬طبيبة‭ ‬معلمة‭ ‬مهندسة،‭ ‬وقلَّ‭ ‬الوعي‭ ‬والحنان،‭ ‬ثم‭ ‬نريد‭ ‬أبناءً‭ ‬بررة؟‭! ‬من‭ ‬أين‭ ‬يا‭ ‬عزيزتي‭ ‬ولم‭ ‬تمنحي‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الروح‭ ‬لتربي‭ ‬الروح؟‭! ‬مُشكلتنا‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬تلك‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وذلك‭ ‬التطرُّف‭ ‬في‭ ‬توجهاتنا،‭ ‬إنها‭ ‬إحدى‭ ‬صفاتنا‭ ‬المذمومة،‭ ‬منذ‭ ‬عام،‭ ‬وصلتني‭ ‬عبر‭ “‬الواتساب‭” ‬رسالة،‭ ‬مُتأكدة‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬القراء‭ ‬قد‭ ‬اطلع‭ ‬عليها‭ ‬لغرابتها،‭ ‬تقول‭ ‬الرسالة‭: ‬إنَّ‭ ‬مخترع‭ ‬الآيفون‭ ‬والآيباد‭ ‬والآي‭ ‬بود،‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لأبنائه‭ ‬باقتنائها،‭ ‬والمخترع‭ ‬هو‭ ‬ستيف‭ ‬جوبز‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬المرادف‭ ‬لأحدث‭ ‬الابتكارات‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬التكنولوجيا؛‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفاجئ‭ ‬أنْ‭ ‬نعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ “‬آبل‭” ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يسمح‭ ‬لأولاده‭ ‬باقتناء‭ ‬أهمِّ‭ ‬منتجات‭ ‬شركته‭ (‬الآي‭ ‬فون،‭ ‬والآي‭ ‬باد،‭ ‬والآي‭ ‬بود‭)! ‬والسؤال‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لأولاده‭ ‬أن‭ ‬يمتلكوها؟‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬جوبز‭ ‬يُعبِّر‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬تخوُّفه‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬استخدام‭ ‬الأولاد‭ ‬لهذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإلكترونيّة،‭ ‬فهل‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬مضرَّة‭ ‬لأولادنا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬مفيدة؟‭ ‬نعم،‭ ‬كان‭ ‬ستيف‭ ‬جوبز‭ ‬يعتقد‭ ‬ذلك؛‭ ‬ففي‭ ‬مقال‭ ‬له‭ ‬في‭ “‬نيويورك‭ ‬تايمز‭” ‬صرَّح‭ ‬متجاوزا‭ ‬لدهشة‭ ‬الكلِّ‭ ‬بأن‭ ‬أولاده‭ ‬لم‭ ‬يستخدموا‭ ‬مُنتجات‭ ‬شركة‭ “‬آبل‭” ‬الأهم؛‭ ‬لأنه‭ ‬يحدُّ‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬أولاده‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬المنزل‭!!! ‬كانت‭ ‬مخاوف‭ ‬جوبز‭ ‬تتعلَّق‭ ‬بالآثار‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الأطفال‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬والشاشات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬باللمس،‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬غير‭ ‬محدَّدة،‭ ‬يقول‭: “‬أولادي‭ ‬يتهمونني‭ ‬أنا‭ ‬وزوجتي‭ ‬بأننا‭ ‬فاشيون،‭ ‬ويقولون‭ ‬إن‭ ‬أيًّا‭ ‬من‭ ‬أصدقائهم‭ ‬لا‭ ‬يخضعون‭ ‬للقواعد‭ ‬نفسها،‭ ‬أتعرفون‭ ‬لماذا؟‭ ‬هذا‭ ‬لأننا‭ ‬رأينا‭ ‬مخاطر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مباشرة،‭ ‬لقد‭ ‬رأيت‭ ‬ذلك‭ ‬بنفسي،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬لأطفالي‭”.‬

وبالفعل؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬باحثين‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬نشروا،‭ ‬مؤخراً،‭ ‬دراسة‭ ‬أظهرتْ‭ ‬أنَّ‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬تحسَّنت‭ ‬معها‭ ‬المهارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأطفال،‭ ‬كما‭ ‬أظهرتْ‭ ‬الدراسة‭ ‬أنَّ‭ ‬الولد‭ ‬العادي‭ ‬يمضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبع‭ ‬ساعات‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة‭ ‬يوميا‭ ‬باستخدام‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬والشاشات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬الأخرى،‭ ‬يقول‭ ‬ستيف‭ ‬جوبز‭: “‬كل‭ ‬مساء،‭ ‬أجلس‭ ‬مع‭ ‬أولادي‭ ‬لتناول‭ ‬وجبة‭ ‬العشاء‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬المطبخ،‭ ‬ونناقش‭ ‬الكتب‭ ‬والتاريخ‭ ‬ومجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬منَّا‭ ‬يسحب‭ ‬آي‭ ‬باد،‭ ‬أو‭ ‬آي‭ ‬فون،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬جهازا‭ ‬آخر،‭ ‬ليغرق‭ ‬فيه‭ ‬وينعزل‭. ‬لهذا؛‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أولادي‭ ‬مدمنين‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭”.‬

الخلاصة‭: ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬إدمان‭ ‬بالفعل،‭ ‬وأن‭ ‬جميع‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬المعاصرين‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬تجذب‭ ‬الأطفال،‭ ‬ويجد‭ ‬الأهل‭ ‬فيها‭ ‬حلًّا‭ ‬لتسلية‭ ‬الأولاد‭ ‬وإلهائهم‭ ‬وتهدئتهم‭ ‬أثناء‭ ‬العطلات‭ ‬المدرسية،‭ ‬وفي‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة‭ ‬بالسيارة،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يكونون‭ ‬مُنشغلين،‭ ‬لكن‭ ‬رجاءً‭ ‬أيُّها‭ ‬الآباء،‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬القادمة‭ ‬التي‭ ‬يلحُّ‭ ‬فيها‭ ‬أولادكم‭ ‬عليكم‭ ‬لتجديد‭ ‬أجهزتهم‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬تذكَّروا‭ ‬فقط‭ ‬أنَّ‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬اخترعها‭ ‬يفكِّر‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭. ‬هؤلاء‭ ‬هم،‭ ‬وهنا‭ ‬نحن‭ ‬المسرفون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬والمستوردون‭ ‬لكل‭ ‬ساقط‭ ‬ولاقط،‭ ‬والمجربون‭ ‬في‭ ‬أولادنا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هبَّ‭ ‬ودبَّ،‭ ‬فإنْ‭ ‬كبروا‭ ‬وخرجوا‭ ‬عن‭ ‬طوعنا‭ ‬وديننا‭ ‬وعاداتنا‭ ‬لُمنا‭ ‬الزمان‭ ‬الذي‭ ‬تغيَّر،‭ ‬والأجيال‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬تغيرتْ،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬نعرف‭ ‬لها‭ ‬حلًّا،‭ ‬والزمن‭ ‬هُو‭ ‬هو‭ ‬لم‭ ‬يتغيَّر،‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬قلبنا‭ ‬عاليه‭ ‬أسفله،‭ ‬وركَّنا‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬السهلة،‭ ‬مُردِّدين‭: ‬دعوهم‭ ‬يتسلُّون،‭ ‬دعوهم‭ ‬هادئين‭ ‬لا‭ ‬يزعجوننا،‭ ‬ونحن‭ ‬بهذا‭ ‬نأكل‭ ‬أدمغتهم،‭ ‬ونحرق‭ ‬طفولتهم،‭ ‬وننتهك‭ ‬براءتهم،‭ ‬ولكم‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬أطفالنا،‭ ‬لكم‭ ‬الله،‭ ‬لقد‭ ‬اختطفتكم‭ ‬الضبعة،‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تعودوا‭.‬

770 total views, 2 views today