أحمد بنسعيد
مقال صحفي


التعلّم لا يكون في المدرسة فقط. علينا أن نتكيف مع الوضع ونستمتع بوجودنا


يعترف جميع الآباء والأمهات في ظل زمن فيروس (كورونا) أننا نمرّ بفترة جد صعبة، وأنها تتطلب المزيد من الانتباه والصبر، طبعا فالمسؤولية كلها ملقاة الآن على عاتق الأسرة، مسؤولية: التربية والتعليم، والترفيه، والتثقيف …
قد يحتار الآباء والأمهات بأي شيء يملأون وقت أطفالهم خوفا عليهم من الملل في البيوت في ظل ظروف (الحجر الصحي) ولكن من خلال هذا المقال سنكتشف العشرات من الأشياء التي يمكن توزيعها على الأربع وعشرين ساعة التي يتوفر عليها الطفل خلال يومه، وبالتالي نحقق الهدف بحيث لا يحس أطفالنا بأي ملل، بل على العكس؛ يشعرون بالتنوع والتشويق وبنظرة جديدة وإيجابية لحضن المنزل …
ستلاحظون في هذا المقال ثراء لا مثيل له، مما يمكن فعله لأطفالنا ومع أطفالنا في المنزل، والمجال مفتوح على مصراعيه للإبداع والإكثار والتنويع …
في حوار لي حول موضوع: (أطفالنا في زمن الكورونا) مع عدد من الأمهات ارتأيت أن أستشف منها فقرات متنوعة يمكن أن تكوّن برنامجا يوميا مناسبا لهذه المرحلة للأطفال ذكورا وإناثا وفي مختلف الأعمار:

الطفولة المبكرة:
تشير الأم أن الطفل في هذه المرحلة، لا يستوعب كثيرا ما يدور من حوله، فتراه منشغلا بما كان يفعله قبل (الحجر الصحي):
– طفلي عمره عامين لم يحس أبدا بأي تغيير طول الوقت لعب ونط وشغب.
لعبُ هؤلاء الصغار في المنزل يكون غالبا بالدمى، والكرات، وألعاب التركيب، مع الحركات والمشي والنط ونحو ذلك … مع الرسم التلوين، تسميع الصغار الأناشيد، مع الحركات الرياضية المناسبة التي تصحبها …

الطفولة المتوسطة والأخيرة:
– تناول الفطور الغداء العشاء بشكل جماعي، وعدم الأكل الانفرادي إشعارا بالدفء الأسري، مع وجود جميع أفراد الأسرة في البيت أغلب الوقت، وهذه المرحلة جمعت شتات الأسرة …
– الدراسة عن بعد: طبعا في هذه المرحلة أشارت جميع الأمهات إلى ضرورة اهتمام الأبناء بالدراسة، وإنجاز الواجبات، وبالتالي وضع الدراسة في جدول اليوم الزمني.
– فرصة لتعليمهم استعمال الحواسيب ونحوها، وتنظيم وقت استعمالهم للآلات الرقمية حتى لا تكتسح حياتهم (ضبط وقت معين لها في اليوم)، وتوجيههم للصالح والطالح، والمفيد واللامفيد فيها …
– استثمار هذه الأدوات الإلكترونية من حواسيب وهواتف وألواح إلكترونية … في إنشاء (مجموعات فصول دراسية)، يتم من خلالها الانفتاح على أساتذتهم، مع ضرورة جمع الأساتذة بين التدريس وكذلك الدعابة والفكاهة حتى يشتاق الأطفال لساعة التدريس عن بعد ولا يستثقلونها …
– قراءة القصص في المنزل بأصواتهم أو أصوات الوالدين، وكذلك قراءة قصص قبل-النوم للصغار جدا.
– الاستماع للقصص من الحكواتي (عبر حكايات اليوتيوب) وهنا يجدر الإشارة أن هناك غنى وتنوعا في هذا المجال وبكل اللغات …
– الأعمال اليدوية: (صناعة مجسمات، الرسم على الحجر، على الزجاج، على الكتّان …)، ويمكن تجاوز الأشياء البسيطة لتعليم الفتيات مثلا: صناعة النسيج، والقمصان، والدمى …
– الألعاب الإلكترونية: وهذه بقدر متعتها بقدر خطورتها، لأنها قد تسلب عقل الطفل عن كل ما ذكرناه هنا في هذه المائدة المتنوعة … ولو لم ينتبه الأولياء لها ويحددوا ساعات هذا النوع من الألعاب لأطفالهم لغطس أطفالهم فيها غطسةَ غرقٍ، ولَدخلوا مرحلة الإدمان عليها …
– مشاهدة التلفاز: الأفلام لمن أراد أن يكوّن أطفاله تكوينا أدبيا روائيا … والأفلام الوثائقية لمن أراد أن يكوّنهم تكوينا علميا …
– المساعدة في الأعمال المنزلية؛ من طبخ وحلويات بالنسبة للفتيات، وتنظيم وترتيب ونظافة بالنسبة للفتيان … وهي مناسبة لا تعوّض لتعويد الأطفال على التنظيم والترتيب وهي ميزات النجاح التي يفتقدها الكثير من الأطفال، حملهم وتعويدهم بشكل يومي وحريص على تنظيم وترتيب: ملابسهم، أحذيتهم، موادهم الدراسية، أفرشتهم …
– قضاء بعض الوقت على سطح المنزل، أو على شرفة المنزل، دفعا للملل. طبعا تبعا لحالة الطقس.
– البستنة في المنازل التي تتوفر على مساحة خاصة بذلك.
– تربية العصافير، أو الحمام، أو الأسماك، أو الأرانب، أو ما شابه … والاعتناء بها …
– الرياضة وكرة القدم بالنسبة للمنازل الواسعة، والحركات الرياضية المنزلية في المنازل الضيقة.
– المنزل الذي يحتوي على مكتبة ورقية آن الأوان لتفعيلها، وإخراج كتبها من الرفوف. وهي مناسبة أيضا لتسليم مهمة ترتيبها وتنظيمها للأطفال.
– فتح باب (الحوار) ثُمانية الأبعاد: من الابن لولده (ومن الوالد لولده)، من الابن لوالدته، من البنت لوالدها، من البنت لوالدتها … في هذه المرحلة قد يكتشف الآباء أبناءهم وآمالهم وقدراتهم ومواهبهم الخارقة، كما سيعرف الأبناء آباءهم أكثر ويقدروا ظروفهم … افتحوا صدروكم لأبنائكم استمعوا لهم … لاعبوهم وصاحبوهم وعلموهم …
– من الجميل وضع الآباء (مواضيع حوار) للأسرة يتجاذبون حولها أطراف الحديث، ويبدون آراءهم في هدوء واحترام … (ومنها موضوع: آداب الحديث …)
– وكذلك يمكن للوالدين أن يحدثوا أطفالهم عن ‘كتاب قرأوه” شكلا ومضمونا، ويفتح باب التحاور …
– في هذه الفترة؛ بعض الأطفال تعلموا لغة جديدة: (اليابانية، التركية …)
– بعض الأطفال بدأوا يخترعون ألعابا جماعية من عندهم.
– بعض الأولياء أطلعوا أبناءهم على الألعاب المنزلية الشعبية القديمة مثل الألعاب التي عندنا في المغرب: (الباط، النيبلي …)
– بعض الأطفال تعلموا لعبة الشطرنج.
– بعض الأولياء يضعون مسابقات تحفيزية لأبنائهم بتوفير هدايا … (في مختلف العلوم والتخصصات)، وتكون طبعا بعيدة عن الجو التعليمي.
– بعض الأطفال تعلموا التزام المواعيد: أوقات الصلوات جماعة داخل المنزل. وكذلك الانضباط والحزم مع الوقت …
– بعض الأطفال حفظوا سورا من القرآن الكريم، وهي فرصة لوضع برنامج حفظ بعض السور للأطفال موزعة على أيام رمضان الأبرك، كسورة (ياسين) مثلا.
– بعض الأولياء تدربوا مع أبنائهم على كتابة رواية، ونحن نعلم أن الرواية غالبا ما تبدأ بـ 12 ألف كلمة فما فوق …
– وفي إطار الكتابة يمكن لأطفالنا كتابة مذكراتهم خاصة في هذه المرحلة، يومياتهم التي ستبقى للتاريخ ولأبنائهم هم أيضا يؤرخون بها هذه المرحلة الاستثنائية …

خاتمة:
كما يعلم الجميع فمرحلة الأوبئة عبر كل زمن هي مرحلة عابرة، ولكنها تحتاج منا لإدارة الأوبئة، وعلينا كمربين ومعلمين أن نقدم حلولا ورؤية ومخططا لتمر المرحلة بسلام، فإذا استثمرناها جيدا حققنا فيها كل الإيجابيات القيمية التي كنا نطمح لها … الإنسان مجبول على التغير والتكيف مع مختلف الأوضاع … ولكن المطلوب كما قالت الأستاذة فتحية صديق عبد الله:
– أن نتكيف مع هذا الوضع وأن نستمتع بوجودنا معًا.
هذا هو المطلوب بالضبط. ويمكن لأطفالنا أخيرا عمل بطائق تهنئة لأفراد عائلاتهم تتضمن رسائل شكر تحمل معان كثيرة ثقيلة بالمحبة؛ مثل: (أحبك ماما، أحبك بابا، أحبك جدتي، جدي، عمتي، عمي، خالتي، خالي، أحبك أستاذتي … مع توقيع الطفل وتأريخ البطاقة) واطلاعهم عليها مباشرة أو عبر وسائل التواصل، بطائق من أطفالنا الأعزاء تنشر المحبة وتنثرها في كل مكان …
وأقترح –أخيرا- على جمعيات المجتمع المدني أينما كانت إن استمر الحجر حتى عيد الفطر، أن تُعدّ لأطفالنا أكياسا صغيرة من الحلوى والهدايا الرمزية، وتدق البيوت التي فيها أطفال لتدخل السعادة على قلوبهم …


شارك في الحوار الأساتذة الأعزاء الآتية أسماؤهم:
فرحات سعيدة، فاتن أبو اللبن، فائزة محمد، خنساء، محمود أحمد، سند معادي، لمى العلي، خديجة بوكا، فاطمة المعدول، زينب زينب، المهندسة وفاء، مها داوود، عائشة أحمد، سوسن محمد، نادية متفق، حسن ناصر، د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام، فتحية صديق عبد الله، أميرة ياسين.