أحمد بنسعيد
مقال صحفي


تقديم

لا بد علينا كمربين وكأولياء من تأطير مرحلة الخطر، وتوضيح المشهد بأدق تفاصيله أكثر وأكثر حتى تمرّ بسلام علينا وعلى أطفالنا خاصة.
الأطفال كلهم في البيوت، مشهد استثنائي وعجيب يعرفه كوكب الأرض، افتقدت الشوارع ضحكاتهم، صخبهم وضجيجهم وضوضاءهم …
ولكنْ أين قبعت كل تلك الحركة والضوضاء والحيوية؟ … هل الأمر طبيعي هكذا؟ … لا يبدو الأمر طبيعيا ألبة، ولكن “بهذا الإجراء فقط سنُحسّن إدارة القضاء على الفيروس” يقول الأطباء، وإلا ضرب الوباء نسبة هائلة إضافية من كوكب الأرض …

وتبقى أهم الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا الآن في هذه المرحلة تخص أطفالنا وفلذات أكبادنا هي:
– ما هو أنسب “برنامج يومي” يقضيه الطفل في الظروف الراهنة؟
ليست هناك وصفة واحدة، بل المجال مفتوح أمام مختلف الأسر لإبداع ما شاءوا من التقنيات والممارسات التي يمكنها تحقيق الأهداف التالية:

الحاجة للهدوء النفسي والعقلي:
الطفل طبعا ليس لديه لسان حال فصيح يحدثنا عما يؤلمه وما يشغله … هو غالبا ما يسمعنا وينظر إلينا وإلى خوفنا نحن الكبار فيتألم في صمت، ولذلك الواجب عدم الإكثار من الكلام عن أضرار كورونا، وربط الأحداث بالشرطة، وبصفارة الحجر الصحي ونحو ذلك … حتى لا تنشأ لديهم علامة استفهام تشبه تلك التي كنا نتخيلها للأغوال والأشباح حين كنا نحن صغارا فتؤرقنا وتقض مضاجعنا ليلا …

الحاجة لحنان الأسرة:
هي فرصة للأطفال ليشبعوا من حنان آبائهم خاصة وأمهاتهم، ولكن يبقى أمام الوالدين تحدي جعل المنزل حديقة غناء، وملعبا، ومدرسة … حذار أن يتحول المنزل إلى حبس أو سجن، أو تخويف وترعيب لانطلاقة الطفل وللعبه وصخبه وضوضائه وحيويته …
في وضع (الحجر الصحي) أمامنا مجال واسع للإبداع بهدف إضفاء البهجة والسرور والطمأنينة في البيوت … هذا بالضبط هو مكمن التحدي والإبداع الذي ينتظر أسرنا والآباء والأولياء …
الحاجة للعب والترفيه والحركة:
وفي ظل كل ذلك؛ علينا أن نوفر لهذا الطفل العزيز الذي لديه طاقة حركية زائدة يحتاج كثيرا لتفريغها، كل أنواع الترفيه عن النفس من: لعب وألعاب ومرح وأجواء تنافسية ورياضية حركية منزلية …
من الجميل للطفل أن يتعلم أعمالا يدوية في المنزل؛ الفتاة تتدرب على الطبخ وأنواع الأكل، والخياطة والنسيج، وأعمال المنزل … والفتى يتدرب على النظافة والتنظيم … وحركات رياضية منزلية …
وعلى الوالدين أن يوفروا نظاما غذائيا يقلص كثرة الحركة لديهم؛ مثل: تحقيق النظام النباتي والفواكه الطرية والجافة … والابتعاد عن المقليات والمبالغة في اللحوم والسكريات …

الأطفال والتعليم عن بعد:
بداية لا بد من الصبر للأطفال، فقد انتقل همّ التربية والترفيه من هيأة التعليم إلى المنازل والبيوت …
فيما يخص تعلم أطفالنا عن بعد؛ آن الأوان لارتياد أطفالنا للعالم الرقمي وتسخير مختلف أجهزته المتمثلة في: الحواسيب والهواتف واللوحات الإلكترونية في العملية التعلمية … آن الأوان للتعامل الإيجابي مع هذه الأجهزة إسهاما لتمرّس أطفالنا على تحقيق التقدم التعليمي والعلمي:
– وقت التعلم في المنزل هو نفسه وقت التعلم الذي كان في مختلف صفوف المدارس قبل (الحجر الصحي) أو أقل منه قليلا. مع أنني أحبذ أن يغلب على البرنامج اليومي للطفل الطابع الترفيهي وليس التعليمي؛ باعتبار الطفل أحوج ما يكون خاصة الآن وهو بين جدران المنزل إلى الترفيه عن النفس …
– التعلم أصبح أرحب لأن عالم المعلومة واسع جدا جدا، مختلف العلوم موجودة بكثرة يقلّ نظيرها … الانفتاح على عوالم الإنترنت والبرامج والتطبيقات والمكتبات المقروءة والسمعية والبصرية الرقمية المختلفة … وما يلاحظ تبرع وتطوع مجموعة من المكتبات الكبرى بكتبها وخدماتها خلال هذه المرحلة، وهي فرصة لا تعوض …
– إنشاء مجموعات تلاميذ صفية عبر خدمة (الواتساب) أو (الفيسبوك) وغيرها أصبح لها اليوم دورا تعليميا مهما، ومساهما في الانفتاح.
– انتقل التلميذ من مهمة تعليم نفسه فقط، إلى مهمة إضافية وهي: المساهمة في تعليم زملائه وإفادتهم بما لديه من معلومات في عناوين ومواضيع التعلم.
– أصبح الفضاء التعليمي مفتوحا ومنفتحا بشكل مباشر على المنازل وعلى أولياء الأمور.
وكما يعلم الجميع، فتعليم أبنائنا هو نقطة البداية؛ أصبحت الآن توقّعات مجتمعنا على التعليم عالية جدا … وهي فرصة لا تعوّض لإحداث التغييرات التي كان المجتمع العربي يطمح إليها قبل ظاهرة كورونا. أصبح التعليم والصحة هو مركز ثقل كوكب الأرض.

خاتمة:
أظن أن هذا الجيل من الأطفال القابعين في بيوتهم الآن والذين علموا أن فيروس كورونا حرمهم من زيارة أقربائهم، ومن مدارسهم، ومن اللعب في الحدائق وتفريغ طاقتهم في الهواء الطلق … سينشأ منهم مستقبلا فريق كبير العدد من علماء المختبرات … دأبهم البحث عن أدوية لأدواء هذه الأرض المتعددة …