الطفل من التراث إلى الحداثة

Adab

متابعة: زوينة الجابرية

انطلاقاً من وَعْي المؤسَّسات الثقافية العُمانية بأهمية أدب الطفل، والدور الكبير الذي يلعبه كجزء مهم في تنشئة الأجيال وتنمية قدراتهم الذهنية والابتكارية، وتزويدهم بالفكر والمعرفة، وبناء معالم شخصية الطفل؛ فقد نظَّم النادي الثقافي -وبالتعاون مع مجلس البحث العلمي، واللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم- مؤتمرًا حول “أدب الطفل من التراث إلى الحداثة”. وذلك بتاريخ 20-21 من أكتوبر الماضي. شارك خلاله 18 باحثا، استعرضوا من خلال أوراق العمل التي قدموها المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بأدب الطفل، والتي تُعنى برعاية الطفولة وحمايتها من الخطر المادي والفكري على حدٍّ سواء.

وافْتُتِح المؤتمر بكلمة ألقتها الدكتورة عزيزة الطائية المشرفة العامة للغة العربية بوزارة التربية والتعليم، وعضو النادي الثقافي؛ أوضحت من خلالها مدى اهتمام وإيمان النادي الثقافي بضرورة العناية بأدب الطفل وثقافته، والتي هي أساس تكوين شخصيته المستقبلية، وهي ما تكسبه أهم مهاراته وتؤكد على هويته وانتمائه إلى مجتمعه. وتُكمل حديثها بقولها إن “قوة الأمم لا تُقاس بعدد سكانها، وإنما بتنوع ثقافتهم وانتسابهم لحضارتهم وتعلقهم بالعلوم المتطورة، وقوة استعدادهم لكسب رهان المستقبل”.

 وأضافتْ الطائية بأنَّ الاهتمام الخاص بدراسة الأطفال وثقافتهم قد بدا واضحا في كافة المجتمعات؛ لأنَّ الجميعَ أصبح مدركًا لضرورة الاهتمام بأجيال الغد، خاصة في ظل التطورات الحاصلة في الوقت الحالي، والمتوقعة مستقبليا في كافة المجالات. وتؤكد أنَّ هذه المجتمعات لا يُمكنها أن تضع دراساتها وخططها المستقبلية دون أن تدرس العامل البشري الذي سينفذ هذه الخطط والدراسات. وهذا العطاء المتوقع من الأجيال القادمة يعتمد بالدرجة الأولى على مستوى إعداده لهذا الغرض.

ومن هذا المنطلق، تمَّ تنظيم هذا المؤتمر للوقوف على واقع أدب الطفل العربي، وللحديث عن أهم الأمور التي ينبغي من المؤسسات الداعمة للطفولة أن تقوم بها، وكيف لهذه المؤسسات أن تطور من مخططاتها في هذا المجال حتى تستطيع الوصول إلى التربية السليمة، التي يجب أن يتربى عليها الطفل، والتي ستؤهله للعيش في حياته المستقبلية، وللقيام بواجبه المجتمعي مستقبلًا.

وتناولَ المؤتمرُ أربعة محاور تمَّت مناقشتها في جلسات مختلفة على مدى يومين؛ فكان المحور الأول حول “التراث وأدب الطفل”، والمحور الثاني “مستقبل أدب الطفل في عالمٍ متغير”، والمحور الثالث “استلهام التراث في الفنون الموجهة للطفل”، وكان المحور الرابع والأخير حول “تجارب في أدب الطفل”. كما تزامن مع جلسات المؤتمر عدد من الحلقات.

جلسات المؤتمر

تناول المؤتمر في يومه الأول المحورين الأول والثاني، على أن يتم استكمال المحورين الآخرين في اليوم التالي؛ فتناولت الجلسة الأولى محور “التراث وأدب الطفل”، وتم خلاله تقديم 5 أوراق عمل، قدَّم الورقة الأولى الدكتور إبراهيم سند كمتحدث رئيسي للجلسة. وقدم فيما بعد الدكتور محمد جهلان ورقة عمل أخذت عنوان “الحكايات الشعبية وأهميتها في تنشئة الطفل العُماني”، ومن بعده نور الدين الهاشمي الذي تناول في ورقته “التراث العربي وتأثيره في الأدب: استخدام التراث في مسرح الطفل”. موضِّحا أنَّ تأثُرنا بالتراث العربي يبدو واضحا في سلوكنا وتفكيرنا وفي حياتنا اليومية بشكل عام. إضافة إلى تأثيره الأدبي ليس فقط على أدبائنا، وإنما في آداب الأمم الأخرى. وعن توظيف التراث في فنون المسرح، يقول نور الدين إنَّ استغلال القصص والروايات التراثية لم يقتصر على مسرح الكبار فقط، وإنما امتدَّ ليشمل مسرح الطفل أيضا. ويؤكد أن الكثير من كتاب مسرح الطفل أصبحوا يستمدون أو يستعينون بالتراث في كتابة نصوصهم المسرحية وهو -أي نور الدين- يُعتبر واحدًا من هؤلاء الكتاب؛ فقد ألَّف لمسرح الطفل 22 مسرحية؛ تنوَّعت بين القصة الواقعية وبين الأنسنة وبين حكايات التراث المتنوعة. وأما الورقة الرابعة فكانت لمحمد سامي عدلي إبراهيم القاضي بعنوان “التراث الإسلامي ودوره الرائد في التشكيل الثقافي والفني لدى الأطفال”. والورقة الخامسة والأخيرة لهذه الجلسة كانت لمحمد بن خميس البوسعيدي عن “دور المكتبات”. وقد أدار هذه الجلسة الدكتور حميد النوفلي.

الجلسة الثانية ترأستها أمامة اللواتية عن “مستقبل أدب الطفل في عالمٍ متغير”، وتمَّ خلالها عرض 5 أوراق عمل؛ كانت الأولى للدكتور علي عبدالقادر الحمادي كمتحدث رئيسي للجلسة. وقدمت الدكتورة سعاد مسكين ورقة عمل في المحور ذاته كانت بعنوان “السرد الطفلي والوسيط الإلكتروني”؛ أشارت من خلالها إلى أن الطفل في السابق كان يستخدم بعض الوسائط في الأدب كالكتب والمجلات والروايات، ولكنها كانت تُفرض عليه من قبل الأسرة أو المؤسسة التعليمية. بينما أصبح الطفل في الوقت الحالي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعالم والوسائط الإلكترونية دون أن يتم فرضها عليه؛ وهذا ما سيجعله يتقبل أدب الطفل بصورته الإلكترونية الجديدة، بل سيُصبح شيئا رائعا في عالمه الرقمي.

وكان للأستاذة رحمة الله أوريسي ورقة بعنوان “القصة الطفلية وإشكالية الحوامل”. وشاركت أيضا في هذه الجلسة الدكتورة جميلة الجعدي بورقة عمل بعنوان “أدب الطفل الاحتياجات الخاصة في سلطنة عُمان”.

أمَّا الباحثة نوال بنت محمد الحوسنية، فقد قدَّمت ورقة عمل بعنوان “القصة الرقمية”؛ أكدت من خلالها أنَّ التكنولوجيا الحاصلة في العالم والتقنيات الحديثة المستخدمة والمنتشرة على نطاق واسع جدًّا، لا يُمكن تجاهلها أبدا، بل يجب استغلالها في شتى مجالات الحياة، وما يهمنا هنا أدب الطفل. وتضيف بأنَّ النصوص المدعمة بالوسائط المتعددة أصبحت تلعب دورا فعالا في هذا المجال؛ فهي تغذِّي النصَّ وتحييه، ويمكن استغلالها لإعادة إنتاج النتاج الأدبي بسياق إلكتروني أكثر تشويقا في ظل هذه الثورة التكنولوجية الهائلة.

وكما يُلاحِظ الجميع تعلق أبناء هذا الجيل بالحياة الرقمية والتكنولوجيا، وبدون شك نستطيع أن نعتبر هذا سببا قويا يجعلنا نفكر في استغلال التكنولوجيا لصالح هذا الطفل المتعلق بها. فالغرب مثلا أصبح لديهم الآن ما يُعرف بصناعة أدب الطفل؛ فقد أصبح أدب الطفل صناعة بحد ذاتها؛ حيث قاموا بتغيير الصورة السابقة لأدب الطفل بصورة أخرى جديدة تتناسب مع المتغيرات الحالية، في ظل هذا الشغف الإلكتروني الذي يعيشه الأبناء. وقدمت الباحثة في ورقتها كذلك تفصيلا عن مفهوم القصة الرقمية ومميزاتها وعناصرها وطريقة عملها، والخطوات التي يجب اتباعها لإنتاج -على سبيل المثال- رواية أدبية بصورة رقمية.

وواصل المؤتمر جلساته الأربع في اليوم التالي؛ فكانت الجلسة الثالثة حول محور “استلهام التراث في الفنون الموجهة للطفل”؛ وشارك فيها 5 باحثين بـ5 أوراق عمل؛ حيث تناولت فايزة الغيلانية ورقة عمل بعنوان “منظومة القيم في أغاني الأطفال الشعبية في مدينة صور”، والتي أكدت من خلالها أنَّ الأغنية الشعبية للأطفال تعتبر من أوائل أنواع الأدب التي يتعرف عليها الطفل؛ حيث إنها ترتبط به منذ البدايات الأولى لحياته. وبذلك قد يتعلَّم منها بعض الأمور التربوية والاجتماعية والدينية…وغيرها. وعرضتْ الغيلانية في نهاية حديثها بعض النماذج لعدد من الأغاني الشعبية الشهيرة. كما شاركت سحر عبدالله بورقة عمل كان عنوانها “رسوم كتب الأطفال والخيال الشعبي”؛ أشارت من خلالها إلى أهمية الرسوم التي يتم إضافتها في الكتب الخاصة بالطفل. وكذلك أشارت إلى تأثير القصص الشعبية على الأطفال وعلى خيالهم وتوسيع حدود فكرهم. أما الباحثة رشا منير فكانت ورقتها بعنوان “استلهام التراث في الفنون الموجهة للطفل من خلال الرسوم المتحركة”؛ وأوضحت فيها أن الرسوم المتحركة تعتبر وسيلة مهمة لنقل التراث الشعبي للأطفال، وبالطبع يتم ذلك من خلال الصورة والحركات التي ستجذب الطفل، إضافة إلى الحوار الشائق والمؤثرات الصوتية. مما يجعل هذا التراث ينتقل من مجرد كلام على الورق أو حديث شفهي متنقل إلى كلام مصور يتعايش معه الطفل وكأنه واقع يشاهده أمامه. وشاركت الباحثة كاملة الهنائية بورقة عمل عنوانها “الظواهر المسرحية التي سبقت ظهور مسرح الطفل في سلطنة عُمان”. وقدمت الأستاذة سعيدة بنت خاطر الفارسية ورقة عمل كمتحدث رئيسي للجلسة التي أدارها الأستاذ أحمد الراشدي.

أمَّا في الجلسة الرابعة، فقد تمَّ تقديم 6 أوراق عمل؛ كانت الأولى للدكتور عامر بن محمد العيسري كمتحدث رئيسي للجلسة. والثانية لفلورا مجدلاوي التي كانت بعنوان “السلاسل القصصية العربية: إستراتيجية فعالة للتجسير إلى المطالعة عبر تنمية ثقافية أصيلة”. وقدَّمت دنيس سعد ورقة عمل أخرى حملت عنوان “مشروع إعادة مركزية الحكايات الشعبية وفن الحكي في المجتمع الفلسطيني”. أما الباحثة رباب فكانت لها ورقة عمل بعنوان “أدب الطفل تحت المجهر”. وقدمت ابتهاج بنت محمد الحارثية ورقتها بعنوان “أنا وماه: نموذجًا للرسم القصصي”. كما ركَّزت إحدى أوراق هذه الجلسة على دور مركز العيسري. وقد أدارت الجلسة الأستاذة وفاء الشامسية.

وتزامن مع جلسات المؤتمر عددٌ من حلقات العمل؛ شارك فيها مجموعة من الطلاب المبدعين في المجال الأدبي، إضافة إلى معرض لعرض نتائج حلقات العمل هذه. قدَّمت الحلقة الأولى كلٌّ من: مُنى الكلبانية وكاملة التميمية، وتحت إشراف هاجر البلوشية من دائرة التعليم قبل المدرسي بوزارة التربية والتعليم، وحملت هذه الحلقة عنوان “إستراتيجيات سرد القصة: أسلوب القصة في قلم الطفل”. والحلقة الثانية “قصة وألوان”، وقدمتها الفنانة التشكيلية البحرينية زكية زادة. أما الحلقة الثالثة والأخيرة، فقدمتها الكاتبة أزهار الحارثية بعنوان “لنكتب معًا”.

جديرٌ بالذكر أنَّه قد تمَّ خلال المؤتمر طرح عدد من التوصيات من قبل المشاركين؛ نذكُر منها: ضرورة دراسة واقع الكتابة للطفل من خلال التواصل مع المختصين في مختلف المؤسسات للخروج برؤية واقعية وحلول علمية وجذرية، وضرورة عقد ملتقيات وتنظيم حلقات عمل للمهتمين بالكتابة للطفل؛ بهدف تحقيق الرقي في المادة المقدمة للأطفال، إضافة إلى دعوة المؤسسات الثقافية لحوار مفتوح يناقش المسؤولية الأخلاقية والفكرية من أجل الاهتمام بالمواد التي يتلقاها الطفل. وكذلك من بين التوصيات: تزويد المكتبات وجمعيات المرأة العُمانية بأقسام خاصة للأطفال؛ بحيث تتنوع حسب احتياجاتهم الذهنية والبدنية.

3,495 total views, 8 views today