Shuhhi

د. محمد عبدالكريم الشحِّي

(1)

لم يُهذِّب العقل المستطلع للحيوات المحيطة والكامنة كما فعلتْ -وتفعل- الفلسفة. إنَّ العقل النقدي والقراءة النافذة إلى منطق الدلالة هي أبرز ما تحاول الفلسفة تقديمه كوسيط يحمل التفكير من دوائر البداهة، والتلقين، والانطباعيات، نحو الوعي الأعمق بالنحو التحليلي، والسبر المتعالي على غبش القرائن، والبحث الممتد نحو جوهر الدالة وجزيئاتها العاملة والمعطلة: قصداً أو جهلاً. ولعله يعني الباحث في الفلسفة الوقوف على أهم قضاياها المركزية. لذا؛ سأتناول بالتعريف الوصفي -وعلى مدى مقاليْن- كتاب: “التفكير فلسفيًّا”، والذي يقدم فيه كريس هورنر وإمريس ويستاكوت (Chris Horner & Emrys Westacott) مدخلاً مهمًّا في فهم مادة الفلسفة وأبعاد التفكير الفلسفي؛ لذا سيجد القارئ المعجم الفلسفي واصطلاحات العبارة الفلسفية ماثلة في صفحات هذا الكتاب، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وترجمته د. ليلى الطويل عام 2011.

ويتناول الكتاب في فصوله الثمانية: الميتافيزيقيا، نظرية المعرفة، فلسفة العقل، فلسفة العلم، الأخلاق، الفلسفة السياسية، فلسفة الفن، وأخيراً فلسفة الدين.

إنَّ جدل الفيزيائي والذهني الروحي الماورائي، جدلٌ قاد المؤلفيْن لطرح مشكل آخر؛ فهما يريان أنه “يحدث دائماً في الفلسفة أن تقود المشكلةُ إلى أخرى”؛ فالارتباط بين الفكري والجسدي قاد لأسئلةٍ ميتافيزيقية أكثر امتداداً وتشعباً من مثل: “هل الكون كينونة مادية بالكامل؟ هل لدينا سبب عقلاني كافٍ لافتراض ما يتجاوز هذا الواقع المادي؟”.

في الفصل الأول إذاً، يتناول الكاتبان مفهوم: الإرادة، الحرية، والحتميات؛ فالأحداث نتائج لمسببات قادت إليها، وهذا مُتناقض مع مفهوم “الحرية” التي تأتي على صنفين: “عملية” حين تقوم بما تود القيام به مدركاً لأبعاد هذه الرغبة، و”ميتافيزيقية” -أو حرية الإرادة- المتمثلة في المسؤولية الكاملة عن مسارات الفعل وخياراته. ويُحاول كريس وإمريس في هذا الفصل تقديم مُقاربات بين الحتمي والاختياري بالحديث عن الحتمية المرنة التي انتصر لها هوبز، ولوك، وهيوم…وغيرهم؛ حيث الأحداث تنطلق من مسبباتها، ولكنها تفرِّق بين الممكن في ضوء “الإرادة الحرة”، والحتمي الذي يأتي عبر “جبرية” نافذة، مُتطرِّقين للحرية الراديكالية التي انتصر لها سارتر وبعض الفلاسفة الوجوديين.

وفي هذا الفصل، يخلص المؤلفان لحقيقة مهمَّة؛ مفادها: إن الدافع الميتافيزيقي -كما يُدعى- قد يقودنا إلى البحث عن معرفة لا يمكن الحصول عليها، ولكن لا يعني هذا أنه يتوجَّب علينا تطهير أنفسنا من هذه النزعة. ربما لم ينتج التأمل الميتافيزيقي مادة معرفية تقارب علم الأحياء أو الفيزياء، ولكنه أنتج شكلاً من أشكال الرؤية المعمَّقة والفهم، بدلاً من طابع التحقق الذي يطبع العلوم.. لقد اقترح هايدجر أن السؤال الأساسي في الفلسفة هو: لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟ وهذا ليس سؤالاً له إجابة، ولكن ربما يجدد التفكير فيه حس التساؤل، والذي قال عنه أرسطو بأنه بداية الفلسفة (ص: 50-51).

وفي فصله الثاني، يتطرَّق الكتاب لنظرية المعرفة؛ فمع التحولات المعرفية المختلفة، انتقلت الثيمةُ الفلسفية المركزية من جدل الماورائيات وغموضها، وثنائية الواقعي والافتراضي، واتجهت نحو: السؤال “المعرفي”، ماهية المعرفة، حدودها، ما قيمة الشك بمختلف أشكاله المتطرفة والمعتدلة والمنهجية في تقديم شكٍ فلسفي يفضي للمعرفة؟

لذلك؛ كان من الضروري التعريج على الشك الديكارتي، والانزعاج الذي أبداه “السكولاستيكيون” -علماء اللاهوت التقليديون- بسبب دعوته لنقض “اليقيني”، وإعادة تفكيك “الاعتقادي”، ثم البحث في درجة الصدقية لهذه المسلمات عبر الشك المنهجي.

وفي هذا الفصل، يناقش المؤلفان العقلانية والتجريبية كمدرستين فلسفيتين متقابلتين؛ تصرُّ الأولى على تلمُّس المعرفة من خلال العقل، بينما ترى الثانية أن الخبرة المتأتية عبر الملاحظة التجريبية وعبر التماس الحسي هي السبيل لنيل هذه المعرفة، لكن البحث عن هذا التبرير الفلسفي للمعرفة المتحصلة قاد الفلاسفة للتعرف على الظاهراتية، والواقعية التمثيلية، والنسبية…وغيرها من النظريات والمدارس التي حاولتْ سبر الكُنْه المعرفي، وفك شيفرة المعرفة، وإيجاد أرضيات لفهم الفهم، ولعلم العلم.

كيف تفكر بطريقة نقدية؟ هل عندما تكون المقدِّمات صادقة تكون النتائج صادقة حتما؟ إلى أيِّ مدي تستطيع ثنائية العقل والجسد تقديم تفسيرات مرجعية لتساؤلات وجودية عميقة كتفسير ظاهرة الوعي؟ بهذه المحولات والاستنطاقات يحاول المؤلفان المضي في الفصل الثالث بحثاً عن “فلسفة العقل”. يطرح المؤلفان المسألة الفلسفية الموغلة في المعرفة؛ وهي: كيف ترتبط طرق التفكير بالعالم؟ وما هي العلاقة بين ما هو موجود وما نفكر فيه وما نُعمله من وسائل تفكير وتفكيك لما نراه؟ لقد ظهرتْ مدارس عدة تحاول أن تتوغَّل داخل منظومة الفهم لمنطق التفكير الذي لم تستطع الثنائية تفسيره تفصيلياً؛ فجاءت المدرسة السلوكية التي لا ترى “لغة ذهنية” تؤسس لفعل سلوكي، بل إنَّ السلوك هو استجابة لنزعة سلوكية وهي بذلك لا تعترف بالظواهر العقلية؛ لذلك عنيت هذه المدرسة بمراوغة سؤال مربك حتماً؛ وهو: هل العقل شيء؟

هل يمكن أن نفكر “ذهنيا” في “الاستحالة”؟ بمعنى: هل يمكن أن نتجاوز المتعذر “واقعيا” على الأقل بتخيله عقلاً؟ إن هذا ما يبحث عنه الفصل الثالث عند طرحه لقضيةٍ فلسفية جوهريةٍ؛ وهي: الإمكانية المفاهيمية (Conceptual Possibility)؛ حين تكون مسألة حدوث الشيء من عدمه أمراً ثانوياً مادام ممكناً تخيلاً وتصوراً. إنَّ ديكارت وغيره من الفلاسفة الذين يرون أهمية اليقين بالشك والنزوع للمفترضات التي تفتح الطريق لسبر أعمق للقضايا الوجودية، إنما ينطلقون مما توفره شبكة العلاقات “الممكنة” مفاهيميًّا، وإن تعذَّرت مرحليًّا في العالم الحقيقي من نوافذ مُطلة على جوانب المعرفة المختلفة.

ويُمكن القول بإيجاز: إن الثابت والمتغير في “فلسفة العقل” من نقاش الفلاسفة المتقدِّمين والمحدثين هو ما أدى بالتحديد للفهم العميق لثنائية العقل والجسد، ولطرائق التفكير، والعلاقة بين الذهني والواقعي.

وفي الفصل الرابع “فلسفة العلم”؛ يستطرد المؤلفان في تناول أبعاد التنبؤ المعرفي، هذا التنبؤ عندما أخذ وصفاً فلسفيًّا علميًّا أصبح يدعى بالاستقراء والاستنباط، يرى الكثيرون أنَّ سبب التقدُّم العلمي الحاصل مردُّه تطور آليات دعم وتمويل البحث العلمي ولأسباب جوهرها الاهتمام المؤسسي بالعلماء والباحثين، لكنَّ الفلاسفة يردون ذلك للعوامل الداخلية المتعلقة بتطوير منهجية البحث العلمي، وهذه “المنهجية” هي ما يجعل التفسيرات المختلفة للظواهر علماً موثوقاً.

وفي الحديث عن الاستقراء، يعتقدُ الكاتبان أنَّ القلق الفلسفي الكامن في روح الاستقراء نابع من سؤال رصانة موضوعية وجدارة التبرير الذي ينقلنا من الخاص للعام مثلاً، أو من الحالات الملاحظة المحدودة لحالات أخرى نزاول عليها “التعميم” الباحث عن إدراجها في مظلة النتائج المحدودة.

ويستعرضُ هذا الفصل الإسهامات والنقاشات التي أثْرَت فلسفة العقل، لهيوم وبوبر وجولدمان…وغيرهم، مُتأملاً السعي الحثيث للفلاسفة للتفريق بين العلم واللاعلم. وهنا، يقترح كارل بوبر فكرة “قابلية الدحض” التي تنص على تعريض المسلمات واليقينيات…وغيرها من النتائج للسبر والاختبار العميقين عبر سلسلة افتراضات واحتمالات لاكتشاف الفرضية الأبقى والأصدق.

“كل هذا الحديث عن منهج العلم، الاستقراء، الاستنباط، التحقق، التأييد، الدحض، وغير ذلك مهم جداً، ولكن ألا نتجاهل الفكرة الأكثر أهمية في العلم: الصدق أو الحقيقة؟ ألا يفترض أن يكون الصدق الهدف الجوهري والنهائي للعلم؟” (ص: 187).

يخوض الكتاب في هذه المسألة بقية الفصل الرابع؛ للبحث عن العلاقة بين الصدق والمنهج العلمي: ما الذي يمكننا من التحقق من وصولنا للحقيقة لا سواها، مفهوم الحقيقة الموضوعية الذي يدافع عنه بوبر وغيره يُصبح وقتها إشكاليا، وهذا أحد أسباب الخلاف بين العلماء في وضع توصيف دقيقٍ للحقيقة العلمية.

وفي الجزء الثاني من هذا التعريف بالكتاب، سأتناول الفصول الأربعة المتبقية: الأخلاق، الفلسفة السياسية، فلسفة الفن وفلسفة الدين.

 (2)

في القسم الأول من هذا الاستعراض لهذا الكتاب، تناولنا الميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، وفلسفة العقل، وفلسفة العلم. وفي الجزء الثاني، سنتناول فلسفة الأخلاق، والفلسفة السياسية، وفلسفة الفن، وفلسفة الدِّين.

في الفصل الخامس «فلسفة الأخلاق» يتساءل المؤلفان عن أصل الأخلاق، لماذا نلتزم بمنظومة أخلاقية محددة دون سواها؟ وما هو التبرير الفلسفي للدساتير الأخلاقية؟ من جانبه، يحاول المذهب النسبي الأخلاقي تقديم أطروحة جوهرية مفادها تعذُّر إيجاد إطار أخلاقي قابل للتصديق والتماهي مع أي بيئة أو ثقافة كائنة، فما يعتبر أخلاقيًّا في مجتمع ما قد لا يتمتع بذات الصفة في مجتمع أو ثقافة أو حِقبة أخرى. النسبيون يرون التفاوت مبررًا ومقبولاً وهم بذلك يقدمون مذهبًا عميقًا من حيث مجابهته من خلال الشَّك كل ما هو مطلق ونهائي.

يرى المؤلفان أن المرجع التبريري الوحيد «لسؤال» الأخلاق عند المذهب النسبي هو التاريخ والثقافة، ومن هنا لا يمكن أن يصبح دستورًا أخلاقيًّا محددًا أكثر أخلاقية مما سواه. يناقش هذا الفصل كذلك الديناميكية الأخلاقية أو ما يعتري منظومة الأخلاق من تغيرات وإصلاحات وهي غالبًا تنطلق من قدرة المتصدرين لهذا التغيير على الربط بين الاعتقادات المركزية المعتنقة في ثقافة ما. يتطرق هذا الفصل كذلك للمقارنة بين الحقائق والقيم، حيث يلخِّص الفجوة بينهما في العلاقة أو الربط بين «الوصف» لشأن ما وبين «التقييم» له.

فلسفة الأخلاق تعنى أيضًا بالمذاهب التي نظرت للعاقبة الأخلاقية أو كما أطلق عليه: «المذهب النفعي» الذي يرى قيمة الفعل الأخلاقي كامنة في عواقبه ومآلاته، فالفعل هنا يعتبر أخلاقيًّا متى ما عزَّز السعادة، تلك المشتقة من الجذر الفطري لها باعتبارها قيمة تدركها البشرية كقيمة متسقة طبيعيًّا مع الكائن، كما أن المذهب النفعي يدافع عن السعادة الحيادية التي يجب أن تشمل الجميع، وترتكز الرؤية النفعية للأخلاق على الابتعاد عن الالتزامات الاعتقادية الجدلية والميتافيزيقية والدينية وغيرها، فهي قريبة من المشترك الفطري الإنساني الذي يعني الجميع كإسعاد الناس. ويناقش الكاتبان في هذا الفصل التبرير الفلسفي النفعي للأخلاق وهل تبسيط النظرية النفعية قادر على تقديم تفسيرات جوهرية كافية للسلوك الأخلاقي؟ وفي نهاية الفصل الرابع، يبحث المؤلفان عن إجابة سؤال فلسفي أزلي وهو: لماذا نكون أخلاقيين؟

في الفصل السادس يتحدث الكاتبان عن الحرية باعتبارها الفكرة المركزية في الفلسفة السياسية، حيث تنطلق الأبعاد المفاهيمية للحرية من مبدأ: أنت حر لكن بدون التسبب في أذى الآخرين، الأمر الذي يراه الكاتبان الأساس النظري الذي انطلقت منه المدارس الفلسفية السياسية وتحديدًا هنا الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية، فالليبراليون هم المدافعون الأبرز عن المطلب البشري القائم على حرية الفرد باعتباره «الخير السياسي الوحيد» وكذلك هو «الحق الرَّسْمي» الذي يجب ألا يُنتهك. يحاول الكتاب في هذا الفصل تبسيط مفهوم الحقوق المرتبطة بالحرية مستشهدًا بمقترحات الفيلسوف القانوني دونالد داركن الذي اعتبر مثلاً: حق التعبير «حرية أساسية» بينما حق الملكية «حرية عامة»، حيث لا يمكن انتهاك الحرية الأولى إلا بشكل محدود، بينما يمكن تقليص الثانية مراعاة للصالح العام.

تقديس الحرية الفردية كقيمة فلسفية أساس، عمَّق في المجتمعات من الفردانية التي يراها الكاتبان قاسية إذ هي تقوم على «الكفاءة» كمعيار للعدالة الجمعية، والكفاءة التي يقصد بها هنا المجهود الناجح قد تحيد عن الإنصاف ولا تتوزع الحرية فيه بالتساوي، فالناس ليسوا سواسية في الإمكانات التي تؤهلهم وتعينهم على بذل «مجهود ناجح» كالآخرين. «دولة الحد الأدنى» التي ينشدها الليبراليون إذا تنطلق من أن الفرد هو الركيزة الأساس للعلاقات الإنسانية وهي بذلك تولِي اهتمامًا محدودًا بالخير الاجتماعي. من جانبها، الديمقراطية الاجتماعية تصرُّ على الفرص العادلة للجميع مع الأولوية للحرية الفردية. فهي تتماثل مع الرؤية الفلسفية لمفهوم الحرية الفردية من حيث حيادية الدولة فيما يختاره الفرد كخيرٍ له، لكنها تنفرد بإلحاحها على مبدأ المساواة فيما عدا ما يمكن تبريره من الحقوق الفردية. يتطرق هذا الفصل لشكل العلاقة بين الفلسفة السياسية ونظريات الطبيعة البشرية، ومفاهيم الحرية الإيجابية والسلبية ويستفيض في تناول العلاقة بين الفرد والدولة متطرقًا للعقد الاجتماعي وعلاقة جميع ذلك بالمساواة وتحقيق العدالة مع الاحتفاظ المنصف بمقتضيات الحريات الفردية.

في الفصل السابع من هذا الكتاب فلسفة الفن، يتحرَّى المؤلفان العلاقة بين الفن وجملة من المفاهيم الفلسفية، فما هي الخصوصية في ربط الفن بالمتعة، في الوقت الذي تقدِّم فيه صنوفٌ عدة من «الأشياء» المتعة وربما أفضل من الفن؟ يحاول الكتاب تفسير هذا الرابط بين الفن والمتعة باعتبار أن المتعة ليست الدلالة الأوحد على القيمة الفنية في العمل الفني، فما قد يعتبر ممتعًا لك قد لا يوصل لذات القدر المتعي عند آخرين، فالمعول عليه إذا هي الخواص النوعية في الفن التي من شأنها أن تكون المعيار الاستيطيقي «الجمالي». البحث عن الشيفرة الفنية قاد الفلاسفة للحديث عن «المحاكاة» أي قدرة الفن على محاكاة الواقع باعتبار أن ذلك الانتاج للحقيقة الواقعية عبر عمل فني يدل على التمكُّن الفني من «تصوير» التفاصيل ونقلها وتأويلها، فهو ليس نسخًا مجردًا من الإضافة الفنية عليه.

ويسهب هذا الفصل في التطرُّق للتمثيل البصري، وكيف أنه متأثر بالأنساق إلى حد أن «نظرية المواضعة الراديكالية» تنص على أنه «تتوقف أفكارنا حول الذي تمثله اللوحة على الرموز التي نطورها في ثقافتنا، وهذا سبب قراءتنا لمجموعة من الأشكال والخطوط والألوان وكأنها تمثل كراسي أو أشخاص أو أشجار» (ص 316). يعتقد أصحاب هذا المذهب الفلسفي أن الفن «إحالة» دلالية تعمل محل اللغة الموصلة أو المرتبطة بشيء آخر. ولقد تعرَّض هذا الاتجاه للكثير من النقد خصوصًا في أطروحته المركزية فمن المتعذِّر التمييز بين ما هو «تمثيلي» وبين ما هو اعتباطي لا يحيل ولا يمثل لشيء. في هذ السياق، يتحدث الكاتبان عن الطاقة التعبيرية باعتبارها المعيار الأبرز للفن، فمتى ما كان العمل الفني قادرًا على نقل الانفعال أو الحالة النفسية عبر أدوات الفن وتقنياته المختلفة متى ما اعتبر الفن متحققًا، وعليه، فبالإضافة لما سبق ذكره من معايير القيمة الفنية (المتعة، القدرة على التمثيل، الخواص التعبيرية التي نستبطن من خلالها خبرات الآخرين)، تأتي اللذة، والطريقة التي يغور فيها في عمق المعاني والدلالات المشتركة.

في الفصل الأخير فلسفة الدِّين يتصارح المؤلفان مع القارئ بصعوبة تفكِيك الدِّين فلسفيًّا، وهذه الصعوبة تنبع من الاختلافات الشاسعة بين الأديان بسبب ما تحمله من تباين في قضاياها العقدية الجوهرية، وكذلك بسبب مفهوم الدِّين الفضفاض والواسع والقابل للتمدد مفاهيميًّا، وحتى مع وجود فكرة اللاهوت الخلاصي كعامل مشترك بين جميع الأديان ينطلق من مركزية معتقد الخلاص من الخطايا فإن دراسة الأديان تحافظ على تمنعها وصعوبتها. تتناول فلسفة الدِّين قضايا جوهرها لاهُوتي كوجود الإله، إثبات وجوده، عقلنة الدِّين، الوظائف الاجتماعية للدِّين. يناقش هذا الفصل المحاولات التي قامت لإثبات وجود الله، وهي محاولات تنطلق من التجاور حد التقاطع بين اللاهوتي والفلسفي، كالحُجَّة الوجودية، والحُجَّة الكوزمولوجية (الكونية)، والحجة من التصميم. يتطرَّق الكِتاب كذلك لمفهوم العدل الإلهي بمحدداته الدالة على الوجود للإله، فعموم الخير مثلاً دال على العدل السماوي، ولكن هذه المحاولة للربط بين العدل السماوي والارتباط بالخيرية بمفهومها الفلسفي اعتبرها الكثير من الفلاسفة سفسطة مبالغ فيها. ثم يختم المؤلفان هذا الفصل بمناوشة أسئلة فلسفية عميقة مع محاولة الإجابة عليها من مثل: هل يمكن أن يكون الإيمان الديني عقلانيًّا؟ هل الاعتقاد الديني غير علمي بالضرورة؟ ما الذي سيؤول إليه النزوع للتدين، والتصور عن الله في ظل التسارع العلمي؟ وهل سيكون التقدم العلمي كافيًا لتقديم إجابات وافية للأسئلة الوجودية وتفسيرات لمختلف الظواهر؟

3,793 total views, 8 views today