سلمى اللواتية

يعد مفهوم الثقافة من المفاهيم الاساسية في علم الاجتماع ؛ للاستدلال على إحدى أبعاد الحضارة الإنسانية بشقيها المادي و المعنوي  و هو من المفاهيم التي اختلف كثيرا في تحديدها و تعريفها ، غير أنني هنا سأعرض تعريف السير إدوارد تايلور لها ، باعتباره من التعريفات المعتبرة ، و التي لها الصدارة في هذا الباب . يعرف تايلور الثقافة على أنها “ذلك الكل المعقد الذي يشتمل على المعارف و الفنون و المعتقدات و القوانين و الأخلاق و التقاليد و الفلسفة و الأديان و العادات التي اكتسبهاالإنسان من مجتمعه بوصفه عضوا فيه “.

و يعرفه مالك بن نبي المفكر الإسلامي الكبير قائلا أن ” الثقافة تتعرف بصورة عملية بأنها مجموعة من الصفات الخلقية و القيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته و تصبح لاشعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه ؛ فهي إذن المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه و شخصيته “.

والثقافة  كما أراها بعد التأمل في العديد من تعريفاتها ،هي كل هذا الأرث من الجهد الفكري و العطاء المعرفي  الذي بذلته الإنسانية جيلا بعد جيل منذ ووجودها على هذه الأرض في كل مجالاتها المادية و المعنوية – و إن كانت الآراء مختلفة في أنها تشمل الجانب المادي أم لا تشمله ، غير أني أميل للرأي القائل أن الثقافة لها جانب مادي ما ، يؤثر في المعنوي منها و يتاثر به -.و ستظل ، أي الإنسانية تبذله و تنتجه حتى آخريوم من وجودها ؛لأنها أي الثقافة ديناميكية تنمو و تتحرك مع المسيرة الإنسانية في كل تفاصيلها ، كما أتى في كتاب الأستاذ عيد الدرويش ( سيكيولوجيا الثقافة ) حيث يقول : ” إن الثقافة هي ذلك البحث في الجوانب المادية و الروحية ، لا تقف عند حاجز ؛ فهي تتعدى حدود الزمان و المكان ، و الذات الفردية و الجماعية، وو أصبحت من الضرورات الموضوعية بين الشعوب ، و الزاد الفكري و المعرفي للذهنية الجماعية ، و يقوم بإنتاجها الأفراد ، فهي تبحث في كل جوانب الحياة و ظواهر الأمور .. ”  و لذا فهي سجل شامل متنوع اللون و الزهر ، من بيئة إلى أخرى ، و من مكان و زمان إلى آخر ، و هو ما يجعلها ذائقتها مختلفة في كل مرة  نتنقل فيها من طور ثقافي إلى آخر ، و من مساحة جغرافية إلى ثانية ؛ فتعكس من شعاعها  ما يؤثر على أرواحنا و عقولنا ، وربما أفكارنا ، ليغير سلوكا و مسارا ما في حيواتنا ، و هي تختلف حتما من مجتمع إنساني إلى آخر  و هو الذي يمنحها تلك الخصوصية المتباينة . ومع أن للثقافة خاصية الحركة و النمو إلا أنها عادة ما تظل محتفظة بخصائصها الأولية التي تضمن لها البقاء و الاستمرار ؛ ألا وهو جوهرها المعنوي  و جانبها القيمي .إن هذه الخاصية الفريدة للثقافة حفظتها- دائما- و حفظت الأمم المنتمية إليها من الانحلال و الزوال ، وهي مهمة الثقافة الأولى ؛إذ أنها بذلك تشكل صمام الأمان لمجتمعاتها ، و يشعر الأفراد أن التغيير فيها- و أقصد جانبها المعنوي – يهدد بشكل ما وجودهم ، ووحدتهم ، ظهر ذلك  في أحاديثهم أم لم يظهر ، ؛ فهو شعور خفي تظهر آثاره في وقوفهم أمام الجديد الغريب بالنسبة لهم ، و هو ما يفسر بطء عملية التغيير الاجتماعي المعنوي ؛ إذ أنه غالبا ما يكون من أصعب أنواع التغيير ،فالناس لم يمانعوا من دخول وسائل النقل و الأثاث الحديث ، و الآلة في حياتهم ، و لكنهم فكروا قبل الارتياح لدخول آلة الطباعة و التلفاز ،لأنهم خمنوا أنها قد تجلب لهم ما يهز الأرضية التي ترتكز عليها قوة مجتمعاتهم . و يتضح هذا جليا في مجتمعاتنا العربية ،سواء تلك التي أتتهتا رياح التغيير مبكرا أم التي تأخرت حتى بدايات القرن العشرين ، فتغيرت معها كل أنماط الحياة المادية ، و لكن ظل اعتزاز العربي بعاداته و تقاليده قائما ، حتى جاء عصر الانفتاح و العولمة الكبير وشرعت الابواب للتداخل و التمازج لنرى تهاوي بعض القيم ، الواحدة تلو الأخرى ، يحكم ذلك عدة عوامل قد يأتي ذكرها لو وسع المجال خلال الحديث ، أما الأهم هنا فالسعي لصيانة تلك الأجزاء من الثقافة التي تحفظ للمجتمعات كيانها و تميزها و بقاءها و التي بدأت  بالتراجع ، و بدأ المهتمون بقرع أجراس الخطر و الإنذار لما قد تجره علينا العولمة من ويلات ضياع الهوية الذي سيجعلنا – إن لم يكن فعلا نترنح بين مشية الغراب و الطاووس – لنقول أن الثقافة و المثقفين  يؤدون دورا هاما في الحفاظ على كيان المجتمع من الذوبان و الانتهاء في كأس القادم من وراء الحدود خاصة في هكذا فترات تاريخية ، و يشكل الخطاب الثقافي حينها سدا مانعا من تسرب ما لا يليق إلى ثقافة مجتمعه .. و لكن يظل السؤال المهم هنا هو ، كيف يفرق المثقف بين ما يليق و ما لا يليق ؟ و هل يمكننا كمراقبين – لوصح التعبير – أن نخمن أن المثقفين في زمكان ما  ( الزمان و المكان) يمكن جمعهم على كلمة واحدة و رأي واحد ؟! قبل الإجابة عن السؤالين السابقين أرى أنه من الأهمية بمكان أن نوضح الدور الحضاري العميق الذي يؤديه المثقف في مجتمعه، والحقيقة فقد كان الأشخاص الأكثر معرفة و على مر التاريخ – مرجعية هامة في مجتمعاتهم ، فقد ظل العلماء و المصلحون قدوات و مثُلٌ عليا دوما ، و كان لهم دور تسييير و توجيه العقل الجمعي نحو راية ما ، أو  فكرة معينة ، و هذا الدور القيادي للثقافة و المثقف كان دوما محل نظر و اعتبار من الأنظمة الشمولية التي لاحقتهم عبر التاريخ فيما لو خالفت آراؤهم ما يحفظ بقاءها و استمراها و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الدور الفاعل لهم في المجتمعات ، فكون الأديب أو الكاتب مرآة لأهل زمانه ، و ظروف حياتهم ، يجعله حتما الأقرب من نفوس و عقول قرائه و متابعيه و تحكم آراؤه سلوكهم الاجتماعي ، و بالطبع فقد تحسن الحكومات التشريع و الرقابة و ربما التعطيل، أما ان تحسن الإنتاج ، أو تتقن بناء اللإنسان ؛ فهذا هو دور المثقف الرسالي وحده . و تلك مسؤولية عظمى يتحملها  المثقفون أمام الله – جل وعلا- أولا ، ثم أمام الوطن و التاريخ ، ومن هذا المنطلق فمن الجدير بمن يتحمل عبء مسؤولية بناء العقول و النفوس ، و عمارة الأرض أن يعي تماما ما يصلح لمجتمعه و أمته ، و أن يعي المرتكزات الصحيحة التي تصنع المثقف الرسالي المسؤول عن تكوين الصورة الختامية لمجتمعه .  ولكي لا نكون قد تجاوزنا السؤالين الآنفين ، فالقول في الثقافة أنها ليست قراءة في نص ، أو مشاهدة لمشهد ، أو سماع لعذب شعر أو غناء فحسب من قبل المتذوق ، بل إنه في خلال تفاعل حواسه معها ، يرسم خيالاته ، و يكون رؤاه ،حتى تكون الأفكار المتكررة في المشهد الثقافي الذي يمر عليه هي شخصيته التي يرى عليها نفسه في اللاواعي ، و هو أمر غاية في الأهمية ؛ لتحديد مصير المجتمعات و الأمم ؛لذا فعلى المثقف الرسالي حين يرسم صورة ما في ذهنه لنتاجه الفكري أو العملي ،أن يفكر في أثره على عقليات و نفسيات جمهوره ، وهو أمر صعب الإجماع عليه سواء من قبل المثقفين ، أو حتى من قبل المتلقي في مستوى و مدى و صحة فهمه و هي الإجابة على السؤال الثاني ، و مع ذلك  يظل الاتفاق على الرذائل و الفضائل من الأمور المسلمة عند البشرية جمعاء ، و هو الأساس الذي يجب أن ينطلق منه المثقف من وجهة نظري ، فتعزيز الفضيلة أنجع سلاح لدحر الرذيلة . و لأجل هذا الدور الرسالي و المحوري للمثقف و لرسالته ، ينصب اهتمام الدول على تقييم مشهدها الثقافي في كل مرة ، و لا يختلف المشهد الثقافي العماني بالطبع في ذلك عن غيره كونه حلقة متصلة بسلسلة الأمة الإنسانية ، مما دعاني في حديثي هنا أن أتجاوز عن تفاصيل تحليل الفنون الثقافية المختلفة ، من قصة أو مسرح و شعر  لأتناول المرتكزات الأساسية للثقافة العمانية ، والتي سيقوم عليها لاحقا باقي البناء و بالطبع فإن مقالا واحد لن يكفي  لتشخيص و دراسة المشهد الثقافي في عمان ، فما نحتاجه  في الحقيقة هو فريق متخصص يقيمّ هذا المشهد و يحلله من خلال وعن طريق “analysis   SWOT” لنرى بوضوح وموضوعية مكامن القوة و الضعف في ثقافتنا و نخطط لتجاوز التحديات ونستشرف الفرص المتاحة للنهوض بثقافتنا العمانية داخل إطارها العربي ، مستلهمين من إرثها الإسلامي، في نظرة شاملة للخصوصية العمانية في تعاطيها مع إطارها العربي ، و العالمي ؛ لنتمكن أخيرا من تقييم المشهد الثقافي العماني برمته ؛ و لذا  فإن بضع أسئلة ضرورية لا بد من الإجابة عليها  لأنها ستؤسس القاعدة التي ستحفظ للمشهد الثقافي العماني فيما بعد نموه المطرد ، و ثباته الحضاري و الذي سينهض حتمابالصورة الختامية .

أولها : هو إشكالية تعريف الثقافة ،و المثقف ذاته في إطار الخصوصية العمانية ، و ماذا نعني حقا بتلك الخصوصية  ؟

ثانيا :هل الثقافة العمانية هي ثقافة محافظات مختلفة – متمازجة و مفترقة – نعنونها بعنوان العمانية ، أم أنها ثقافة منطقة عمانية معينة ، نعممها على المشهد بأكمله ؟

ثالثا : و هل المشهد الثقافي العماني ، هوصورة لنزوة عابرة تردنا من أي مكان و زمان فنتمسك بها و ندور جميعا حولها في مرحلة ما ، أم أنها صورة لجذور حضارية ضاربة في القدم ، مرتكزة على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف و الموروث العربي و الخصوصية العمانية ؛ فتغربل على أساسها ما يردنا بقبول أو رفض أو استجلاء ثقافي معين يتناسب مع بعدنا الثقافي و إرثنا الإمبراطوري العماني ؟

رابعا : ما الدور الذي نرجوه من الثقافة و المثقف العماني في ظل أمواج  العولمة العملاقة تلك ، و كيف يمكنه أن يبحر بالمجتمع في الخضم بأمان و ثقة ؟

خامسا : ما العلاقة الحقيقة للمثقف العماني ،بالمشهد الثقافي الخليجي و العربي و الإسلامي و العالمي ، و كيف يتعاطى المثقفون معها في ظل الخصوصية العمانية ؟

إن الإجابة على الأسئلة السابقة ، سيفسح الطريق أمامنا للتخطيط لبرامجنا الثقافية ، و نتاجنا الفكري ، و ستتشكل الأرضية القوية التي تمكّن المبدع من أصالة الإنتاج في ثوب من الحداثة المعاصرة ، في صورة تصل إلى العالم بنكهة عمانية ، لتتشكل بالتدريج لدينا منظومة ثقافية عمانية متكاملة قابلة للدراسة والنقد ، مشكّلة مدرسة ثقافية متفردة بخصوصة عمانية .

من ناحية أخرى فإن تحديد ما سبق سيتيح لنا تنظيم برامج لصناعة المثقف العماني ، و هو لا شك عمل جبار يحتاج إلى دراسة و تخطيط ، و ثم إلى وضع آليات للتنفيذ ،تستثمر الطاقات الطلايبة الكثيرة من المدارس ، و التي تتعطل بعد تخرجها ، أو يظل نشاطها مقتصرا على المشاركة في بضع مسابقات . في الوقت الذي يحتاجهم الوطن في الارتقاء بالوعي المجتمعي العام ، و الجدير بالذكر هنا أن أقامة البرامج الثقافية الموجهة و الموضوعة على أسس علمية صحيحة بما يتناسب و أعمار الطلبة ، و توجهاتهم له دور كبير في خلق مجتمع أكثر وعيا و إدراكا ، و لاختلاط الطلبة بالمثقفين دور أكبر في نضج تفكيرهم و صقل شخصياتهم ، فأين نحن من هذا ؟؟   إن هذا يستحق أن يكون برنامجا وطنيا يقوم عليه نخبة من المثقفين  ومن المهم هنا التأكيد أنه ليس لزاما على من يقود عملا كهذا أن يكون مثقفا على قدر ما هو مهم جدا أن يكون قادرا على إدارة البرانامج بكثير من الدقة و المهنية ضمن فريق عمل متخصص ،كما أنه من المهم في مثل هكذا مشاريع أن تعرض للتقييم في جميع مراحل العمل ؛ لتعديل المسار متى ما انحرف . إن هكذا خطوات عملية من شأنها أن ترفد الساحة الثقافية  بأجيال جديدة  من المثقفين ،والتي تكون قادرة على إنتاج المعرفة ، لا مكررة لها فقط ، و هوجوهر الثقافة في مسارها المعرفي ،  مما يعني الاستمراية و الديمومة و التقدم و التطور، كما يعني حتما أننا سنعد مثقفين قادرين على استشراق الحلول في أوقات الأزمات ، فالمثقف عادة ما يكون ناصحا ، وواضعا للحلول في أوقات الأزمات ، لا مرددا لها في دائرة استحكام حلقاتها فقط  ، إنه من يعرف كيف يفتح مغاليق الأبواب ،وهو المهندس الأول لأكثر القرارت أهمية  و هذا لن يتحقق إلا لو عرفنا كيف تدار أزماتنا المجتمعية في ظل الخصوصية العمانية ،و سيكون المثقف العماني حينها قادرا على جذب العامة بكل أطيافهم ،لأنه قادر على إخراجهم مرة بعد أخرى من ضيق مشكلاتهم اليومية ، و يتمكن حينها من إخراج حديث الثقافة من دائرة النخبة المثقفة ، إلى ساحة الكثرة العامة .

و الحديث هنا مكانه و محله ليتطرق إلى البرامج الثقافية  المقدمة للعامة ، و التي لازالت غير قادرة على جذبهم ، فلا يتعد حضور الندوات الثقافية ، و التي تكون غالبا مجانية  أعدادا قليلة ، ومخجلة في كثير من الأحيان ! إننا نحتاج إلى أن نبحث عن أسباب العزوف ؛ لمعالجتها عن قرب مع المجتمع .

جانب آخر مهم عند الحديث عن المشهد الثقافي في عمان، و الذي  تقوده عدة جهات مختلفة ، و تلك قد تكون ميزة ، لو أحسنا تنويع الأدوار و توزيعها فيما بينها ،ما يتطلب بالجلوس على طاولة تخطيط استراتيجي ، يقيم المرحلة الحالية ، و يرسم القادمة في المستقبل ، و يتفق على الاسس و الثوابت ، و يحدد المسارات و الاتجاهات ، حينها ستتحول الثقافة من عفوية أديب أو كاتب إلى مركب تتفاعل أجزاؤه ؛ لتثري المجتمع ، و ترقى بأفكاره في ضوء رؤى واضحة وتنقله من نظرة آنية قصيرة إلى نظرة تصنع مستقبله و مستقبل أجياله في الوطن ، و هو دور حيوي تؤديه الثقافة الناضجة الواعية في المجتعات ؛ حينها نستطيع القول أن المشهد الثقافي العماني يرسم صورة المجتمع القادم الذي يمكن لعلماء الاجتماع أن يبحثوا فيه ليحددوا صورته القادمة ، و يستفيد من هذه الدراسات الاقتصاديون و السياسيون ، و أصحاب العلوم التجريبية و الإنسانية على المدى القريب في استجلاب النفع للبلاد من جميع النواحي الآنفة الذكر، و على المدى البعيد ، في اعتبار أن عمان استطاعت ، و لازالت قادرة على وضع بصمة حضارية واضخة في سلسة العلم و الحضارة العالمية  .

3,765 total views, 2 views today