أنيسة الهوتي


التهويدة أغنية ناعمة هادئة ترددها الأمهات بكلام ذي إيقاع بسيط جميل يجذب خيال الأطفال لتنويمهم، والأمهات المُهَوِدات تُهَوِدَنَ أبنائهُن للنوم وأخذ الراحة والهدوء بنغمات ودندنات متناغمة على السُلَم المُوسيقي، وعلى سُلمٍ غير مُوسيقي هُناك أُمهاتٌ تُهودِنَ أبناؤهن كإنتماءٍ ديني حسب تلمودهم وإعتقاداتهم التي تُشَرِع بأن الأم تُهَوِدُ أبناءها وليس الأب وذلك تصنيفاً منهم لأن أبناء أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام من سارة أي ذرية إسحاق عليه السلام يهود، وأبناؤه من هاجرأي ذرية إسماعيل عليه السلام عَرب.

ومع الزمن تم قبول التهويد الكنائسي لدى حاخاماتهم وتقبل اليهود بدرجة ثانية لإنشاء الكيان الصهيوني الذي ما أن تم فطامه وبدأ أولى خطواته وإذا به يتأرجح على أرجوحةِ الإنفصام الشخصي في تشخيص علم النفس، والمس الشيطاني في تشخيص العلم الروحاني، فيبحث أولئك عن أفضل الأطباء، ويبحث هؤلاء عن أفضل المشايخ لعلاجه، وإتفق الطرفان أن الحل هو بالتطبيع معها لكف أذاها عن نفسها وغيرها! أما المجتمعات العامة فتعارفت مع التاريخ الذي يشهد بأن هذا الكيان لايؤمن بالسلام  ويستخدمه سُلماً ليصل إلى مآرب وأهدافٍ بعيدةً جِداً. وقولهم بأن المسلمين أعداءٌ لليهودية بُهتان، فالمسلمين لا يُعادون أهل الكتاب، أما هؤلاء فهُم ليسوا يَهوداً ولا من أبناءِ إسرائيل! وتاريخهم أثبت بأنهم يُعادون الإسلام وسائر الديانات، وليسو سوى مجموعة من الذئاب التي لاتتفق إلا مع من تواجد معهم في القطيع، ولأن هدفهم هو الشرق الأوسط فإن المستهدفين هم المسلمين!

والإسلام دينُ سلامٍ ولا يُعادي إلا من إعتدى على خلق الله، وهؤلاء الصهاينة لم يتوقفوا عن الإعتداء حتى بغضتهم أغلب الثقافات والحكومات، وأقصى ما فعله المسلمون هو طردهم وليس حرقهم بمحارق جماعية، ودفنهم بمقابر جماعية للتخلص من شرهم ومؤآمرتهم وفتنهم التي تفاقمت مع الزمن وخلقت الكثير من الخلافات والمشاكل السياسية بين القبائل والحكومات وأيضاً الإحتكار الإقتصادي والتجاري. واستمرت سلسلة الطرد من مِصر وليبيا، وإنجلترا قبلهم عام 1290م، والمجر، وفرنسا، والنمسا، ونابولي، وميلانو، وإسبانيا، والبرتغال، وغيرها الكثير من الدول التي لم تكتفي بطردهم فقط بل أنزلت عليهم العقوبات ومارست معهم أشد أنواع التعذيب.

ويقول البعض بأن التطبيع إقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وتعامله مع اليهود، ولكن اليهود في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام لم تَكُن أيديهم ملطخةٌ بدماء المسلمينِ! وهؤلاء ليسوا يهوداً بل صهاينة، وخُطة إمتلاكهم أو بالأصح إحتلالهم للأراضي الفلسطينية خطة مُحاكة للإستيلاء على الشرق الأوسط الذي هو مقر ومستودع النفط والغاز الطبيعي خاصة في منطقة البحر الميت التي هي أخفض نقطة في الأرض، والتي ستنتعش إنتعاشاً خيالياً بعد عشرات السنين بالذهب الأسود، وهذا هو سبب تعلقهم بتلك الأراضي وليس لأنها أرض الخليل!

ورجوعاً إلى أساطير الأولين وأقلام مؤرخيهم بقولهم في سفر التكوين أن يعقوبَ أخذ النبوةَ مِن أبيهِ إسحاقَ بحيلةٍ حاكتهُ أمهُ لهَ ضِد أخيهِ عيسو الذي كان محبوباً عند أبيه إسحاق، عكس يعقوب الذي كان نبضاً لقلب أمه، مُستغلين ضعف بصر وسَمعِ إسحاق! وعندما عَلمَ إسحاق بخداعِ زوجتهِ وإبنه ومكرهما وإحتيالهما عليه، أخبر إبنه الأحب عيسو بإنه قد فقد النبوة ولن يحصل عليها بسبب كيت وكيت، فحقد عيسو على أخيه ونوى أن يقتله، فهرعت أمه تطلب منه أن يسافر إلى شمال الرافدين عند خالٍ له ولايرجع إلى أن يهدأ غضب أخيه، فأمرهُ إسحاقُ مُغاضباً بألا يتزوج من بنات كنعان أبداً التي هي أرض فلسطين، وأن يتزوج من بنات أخواله ويحرم عليه بنات أعمامه وعماته من بلاد كنعان ويُحرَمُ عليهِ أن يعيشَ فيها! إذاً، وبناءً على أساطيرهم فإن أرض كنعانٍ حُرمِت على جَدهِم فبالتالي حُرِمَت عَليهم فكيف لازالوا يطالبون بها!

والحقيقة أن الصهاينة ليسوا من أبناء يعقوب واسباطه أبداً، بل هم مرتزقة سياسيين يسوقهم مرتزقة سياسيون آخرون لهم مآرب مستقبلية في إحتلال أرض فلسطين التي هي مربط فرسهم في التاريخ الإسلامي، أما حسب زبورهم فمربط فرسهم يقع في شمال الرافدين التي رحل إليها يعقوب وأنجب فيها من بنات خالاته، وحسب الجغرافيا الحالية هي كردستان!

وكما حصل في الحربين العالميتين حين أسست بعض الحكومات أُسَراً من عملائهم المختارين المميزين بتزويجهم، وتعليمهم للغات الدولة العدوة وعاداتهم وتقاليدهم، حتى يعيشوا بينهم وكأنهم منهم في الطبقات الأرستقراطية، للوصول إلى معلومات سياسية هامة ومفيدة خاصة من المسؤولين الحكوميين، فالتمثيل كان فناً سياسياً، والممثل كان عميلاً ثميناً، والخطة القديمة لازالت ستنجح إذا عُمِل بها! ولايُستبعَد بأن الكيان الصهيوني المُجند يتبعه ويعيشُ عليه! والـ17مليون ونصف ليسوا سوى عملاء صهاينة وذريتهم، واليهودية السماوية براءٌ منهم كبراءة الذئب من دم يوسف، لأنها الديانة الوحيدة التي لا تُعتَنَق إلا بالولادة، والأم تهودِ إبنها وليس الأبَ، وإبن الرجل اليهودي ليس يهودياً إن لم تكُن أمه كذلك، فكيف بمن أتى من ديانةٍ أخرى مُهوداً نفسه! وإن عُمِلَ بهِ فإنهُ تسييس لدينهم لزيادة عدد ذئاب القطيع الصهيوني.

ومن جانب آخر، لنقل بأننا نصدق أن الصهاينة يهود، وبأن أرض الخليل تاريخياً ودينياً حَقٌ لَهم، ونتبع القوانين الدولية التي أتت تضغط على دول الشرق الأوسط بالتطبع مع هذا الكيان السياسي ونقول سمعاً وطاعة وأنه علينا إرجاع الحقوق إلى اصحابها، مع فتح صفحات جديدة بيضاء. ولكن ليس فقط حقاً واحداً يُعاد إلى صاحبه، بل كل الحقوق المسلوبة يجب إعادتها إلى أصحابها، وأولها إعادة أمريكا من المستعمرين البريطانيين المسميين بالأمريكان البيض حالياً إلى قبائل الهنود الحُمر، وإعادة أستراليا للأبورجيون، وجنوب أفريقيا إلى السَان والخوي خوي، وكندا إلى الميتي والإنويت، وإسترجاع سلطنة بلوشستان المحتلة من إيران وباكستان لقبائل البلوش، وإرجاع كردستان إلى الأكراد! وغيرها الكثير من الدويلات التي تأسست بالخروج من الدول والممالك والسلطنات العُظمى، ونَلمُ الشَمل التاريخي القديم ونُنهي كل تغييرٍ جغرافي سياسي جديد.

ونرد على المستائين من التطبيع ونطلب منهم بأن يتحكموا بمشاعرهم البشرية الواهنة، فإن العلاقات من الممكن أن تتطبع بعد التوتر والقطيعة الطويلة لخلافٍ تافه أو جاد بسبب ميراث، فتنة، كذبة، شيءٌ من هذا القبيل وغيره، وتجده أسهل إذا كانَ فيه سرقة، أو قتل، أو إغتصاب! حتى وإن كانت جريمة متعمدة! فلماذا لا يتطبع أهل قتيلٍ مع قاتل إبنهم؟ أو أهل إبنةٍ قد إغتُصبت عفتها وشرفها يتطبعون مع المُغتصبَ! ولماذا لا نسامح الصهاينة المجرمين على هدرهم دماء الفلسطينيين، وهتك أعراضهم، وسلبهم ونهبهم، فلنرمي كل ذلك وراء ظهورنا لبناء مِظلة سلامٍ فضفاضة لربما ستتسع لاحقاً لليمن، وقطر، وإيران! وتعود المسلسلات التُركية إلى قناة “أم بي سي” كأبسط أنواع التطبيع مع تركيا وأردوغان.

ومَع ذِكر أردوغان وتُركيا، فإنهم من أوائل الضحايا المسلمين للكيان الصهيوني منذ عهد الإمبراطورية العُثمانية التي إستقبلتهم في تركيا وأسكنتهم في أفضل مدنها بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال بمرسوم الحمراء في اواخر القرن الخامس عشر، وعرض أولئك اليهود بناتهن على العثمانيين مجاناً دون مهر وشروط، فتزاحم أعداد العُثمانيين على أبوابهم للزواج من بناتهم، وبذلك أنجبن جيلاً جديداً من اليهود العُثمانيين ونجحت خُطة إكثار الذرية الصهيونية وزادَ عددهم للتجنيد المستقبلي، فكما قلنا اليهودية ديانة تتبع الأم وليس الأب.

وأصبحت مدينة بورصة بؤرة لهم، وبُني فيها كنيسة شجرة الحياة بموافقة السلطات العثمانية إرضاء لزوجاتهن. وزاد عدد المهاجرين والنازحين اليهود إلى الدولة العثمانية خاصة مابين عامي 1421م و1453م ومن بينهم كان الحاخام إسحاق سرفاتي الذي بعث رسالة إلى يهود أوروبا بالقدوم إلى الدولة العثمانية والإستيطان فيها، ومما كتبه في رسالته: هذه أرضٌ لا ينقصها شيء. وختم رسالته بتساؤل: أليس من الأفضل لكم العيش في ظل المسلمين المُتسامحين بدلاً من المسيحيين المُشددين؟

وهذا مديحٌ عالي المستوى في حق الدولة العثمانية التي لم تنل بعدها منهم شيء، وأصبحت تركيا هي بؤرة إنتشار اليهود في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، وتحكموا بالتجارة العالمية بمختلف أنواعها، فأصحاب أغلب المؤسسات التجارية العالمية، من هوليوود إلى شركات الطيران، الفنادق، البنوك، التمويل، التأمين، المصانع، الماركات العالمية، المطاعم الكبيرة و”الفرانتشيز”، المقاهي، السيارات، الهواتف، الأجهزة الإلكترونية، الأدوية الطبية، أغلبُ أغلبها لمستثمرين يهود صهاينة، وإنهم وبعددهم القليل جِداً يحتلون أكثر من ثلاثة أرباع الإستثمار العالمي بشتى أنواعه!

حتى البرامج التعليمية وسلاسل الدراسات الأكاديمية خُطة تجارية إستثمارية هُم لا يخضعون إلزاماً لها، فلديهم برامج لتمييز الذكاء العِلمي، الفني، الأدبي، السياسي، الرياضي، الإجتماعي،،، إلخ .. ولا يضيع عُمر الصهيوني في دارسة تدوم 12عاماً في مراحل مدرسية، ثم 16عاماً لنيل شهادة دكتوراه في تخصص معين! ولأجل ذلك عقولهم أقل ضوضاء وضجيجاً وأهدافهم أكثر وضوحاً وأوسع مدى! وهُم أكثرُ إداركاً لما يسعون إليه.

والتنازل عن أولى القبلتين للصهاينة بحجة السلام ليست نقطة على آخر السطر! بل إنه عنوانٌ لروايةٍ قادمة بأحداث قاسية لإختلاسات وفِتَن وإغتيالات مجدولة، سيتم إفتتاحها بالتخلل اليهودي للإستثمار متبوعاً بخُطة إسترجاع أراضي أجدادهم –كما يتحججون- من بني قينقاع وغطفان وكِنانة، فعيونهم تنظر إلى خَيبر بينما هم يشربون نبيذهم في القدس.

و”أفلا تعقلون”!

 179 total views,  2 views today