عائشة الدرمكي

إن تطور الأفكار ذات الأهمية المركزية في العلم نمط يناسب مفهوم الثقافة ، وهو المفهوم الذي تقوم عليه العلوم جميعها سيما علم الأنثروبولوجيا ، لأنه نمط يحاول تفكيك ما ذهب إليه تايلور من أن (الثقافة هي ذلك الكيان الكلي الأكثر تعقيداً) ، وهي نظرة قد تسهم في تقييد الثقافة وتعقيد مفاهيمها .

وبما أن الإنسان بحسب السيميائيات عالق في شبكات رمزية نسجها بنفسه ، فإننا نبحث في الثقافة من جانب تأويلي أكثر منه جانبا تجريبياً يبحث عن قانون صارم ، وعليه فإن الثقافة كما يقررها (كليفورد غيرتز) (تلك الوثيقة المتمثلة بالأفعال ، وهي شيء علني وليس بالفكرة الباطنية) ، ولهذا فإنها تستوجب على الدوام التأويل والتفسير ، فالأفعال هنا غير منتهية ، وغير مكتفية بكينونتها العامة والقارة ، إلا أنها في أحوالها جميعا تعكس ثقافة المجتمع ، تلك الثقافة التي تتأسس أصلا على كل تلك الأشياء التي يتوجب علينا معرفتها أو التصديق بها ، لكي نقدمها بوصفها سلوكاً معرفياً له أبعاده التاريخية والفكرية والثقافية .

وإذا نظرنا إلى ثقافتنا العمانية من جهة أنها شبكة من الأنظمة فإننا لا نستطيع أن نفصل بين بنيات وأجزاء هذه الشبكة لأنها تتكامل فيما بينها لتشكل قوة وبالتالي سلطة بحيث لا يمكن إزاحة أو إحداث تغيير في أي بنية من بنياتها إلاَّ بإحداث تشكيل مجتمعي أو سلوكيات مؤسسة على سيرورة عملية وجمعية واضحة ، من هنا يمكن أن نتحدث عن الظاهرة الثقافية بوصفها طبيعية نابعة من قلب المجتمع دون اختزال لخصوصيتها ، وهكذا سيتاح لنا الوصول إلى الفهم الحقيقي وبالتالي التأويل الفاعل .

على ذلك فإن الثقافة في أصلها مبنية على السلوك الإنساني الذي يتم التعامل معه بوصفه رمزيا ، بحيث تقوم دراسته بحسب اشتراطات معينة بغية التوصل إلى البنى العميقة التي تشكل الثقافة التعبير السطحي عنها ، وهي سلوكيات قائمة على المبادئ العقدية التي تشكل الأساس لتلك الثقافة ، وهي في حقيقتها رؤية قائمة على دراسة الثقافة اعتمادا على المنطق غير الرسمي للحياة الواقعية ، فهذا الواقع الاجتماعي هو من يؤسس للشكل السطحي والعام للظاهرة الثقافية ، ولذلك فإن دراسته سوف تؤسس للتعبير والسلوك المنتج لثقافة المجتمع ، الثقافة العمانية إذن من منظور الواقع الاجتماعي تؤسس للتنظيم المؤسسي ؛ ذلك لأن شيخ القبيلة مثلا ونظام التواصل معه ونظام عمله اجتماعيا بل وسابقا سياسيا على المستوى الداخلي هو من ينتج ثقافة القيادة والإدارة المجتمعية النابعة من قلب المجتمع ، وهو الذي سيؤسس فكرة القيادة بالمفهوم الحديث الآن ، هي إذن أنظمة اجتماعية تمثل ظواهر ثقافية سوف تشكل بنية مهمة من بنيات الثقافة المجتمعية .

وتأسيساً على ذلك فإن هذه الثقافة ستتميز بالاختلاف والتنوع ، وهي ميزة ناتجة في الأصل من تنوع الطبيعة الإنسانية ووسائل عيش المجتمع ، وبالتالي تنوع أفكاره وقدرته على التعاطي مع البيئة ، ولذلك سينتج مجموعة كبيرة ومتباينة من المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والآداب والفنون عموما ، وهي متغيرة ومتطورة باستمرار حياة المجتمع وتعاطيه مع وسائل العيش .

إن الظاهرة الثقافية التي نعرضها هنا تتسم بالتجريبية الشمولية ، فلن تكون الثقافة قادرة على إظهار أي مستوى من مستوياتها العميقة سوى عن طريق النظر إلى أصلها الإنساني المتكامل ، الذي يتأسس ضمن المنظومة الفكرية والإنثروبولوجية في مستوى متكامل وشامل ، وعلى هذا الأساس يجب أن ننظر إلى الثقافة في عُمان نظرة شمولية نابعة من طبيعة الإنسان العماني ، فلا يمكن أن نفصل بين الثقافة الشعبية والثقافة النخبوية – إن صح لنا التمييز هنا – ذلك لأنهما نتاج طبيعة إنسانية مشتركة من حيث أمكنة وأزمنة التشكل والتطور ، ولهذا وجب علينا النظر إليهما من مفهوم تركيبي ؛ أي ضمن مفهوم يمكن فيه معاملة العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية بوصفها متغيرات ضمن مناهج التحليل .

وعليه فإننا ننظر إلى الثقافة العمانية باعتبارها مجموعة من الأنماط السلوكية تشمل ؛ العادات والتقاليد وأنماط التفكير ، وطرائق السلوك والفكر والتعاطي مع الواقع والتواصل مع الآخر وغيرها من الأنماط التي تؤسس مجموعة من آليات الضبط ، وخطط وقواعد وتعليمات موجهة تحكم تلك الأنماط ضمن إيديولوجية ثقافية عامة ، ولذلك فإننا نحتاج إلى إعادة النظر إلى آليات دراسة تلك الأنماط ضمن رؤية متكاملة نابعة من طبيعة الإنسان العماني نفسه . فالتطورات التي يشهدها المجتمع العماني اليوم تُظهر مجموعة من التغيرات سيكون لها أثر كبير عندما ننظر إلى الثقافة بوصفها (آلية ضبط) كما يطرحها كليفورد في كتابه (تأويل الثقافات) وهي نظرة تبدأ بالافتراض أن الفكر البشري هو في الأساس اجتماعي وعلني ؛ ذلك لأن موطنه الأساسي الطبيعي هو فناء المنزل والسوق والساحة .. التفكير إذن لا يتألف من أشياء تحدث في الرأس وحسب – بحسب تعبير كليفورد-  وإنما تحركات وتبادلات لما يُسمى بالرموز ذات المغزى ، وهي تلك العلامات التي التي تؤسس للمفهوم العام لثقافة المجتمع والتي نبعت في الأصل من الطبيعة الإنسانية ؛ ولذلك فعندما نعرض الظاهرة الثقافية في عمان ، فإننا لا نريد من ذلك سوى تحديد كُنه هذه الثقافة من حيث هي خُطط آنية ومستقبلية .

وإذا كان عقل الإنسان يخزن بحسب تشومسكي جملا أساسية تكشف معالم جوهر القواعد ونحو الكلام الذي اكتسبه ، فإنه يخزن ضمن هذه الجمل قواعد الثقافة وآليات ضبطها ضمن المجموع الكلي لأنماط الثقافة ؛ ذلك لأن (القدرة الفطرية) تؤدي إلى (القدرة الثقافية) وبالتالي المخطط الرئيس للعمل الفعلي .

إن الظاهرة الثقافية لا تنتج إلاَّ من تكامل أفكارنا وقيمنا وأفعالنا ، وبالتالي تتشكل ضمنها بنية معرفية معينة لكل مجتمع ، وستختلف ثقافة مجتمع عن آخر بسبب اختلاف تلك الأفكار أو القيم أو الأفعال ، من هنا سنتحدث عن مفهوم (القدرة الثقافية) ؛ التي يتمتع بها المجتمع العماني الذي تميز ضمن حقبه المعرفية والتاريخية المتعددة بما يمكن أن نطلق عليه (التعدد الثقافي) ، فهذا المجتمع يتحرك ضمن أنماط ثقافية متكاملة من الناحية اللغوية والفكرية والتاريخية ، وهو ضمن هذا التكامل سيكشف عن أنماط تمايز ثقافي مهم جدا على المستوى المحلي أو الإقليمي العربي -ـ إذا ما تحدثنا عنه بوصفه عربي ـ فهذه الأنماط تحدد تاريخ الثقافة والبنية العميقة التي تتأسس عليها تلك الثقافة ذات النمط المرن القائم كما قلنا سابقا على طبيعة الإنسان العماني وقدرته على التعاطي مع واقعه المعيش من زمن إلى آخر ، لتصبح تلك القدرة ضمن السلوك الثقافي أدوات رمزية ، وهي أدوات تمده بالرابط بين القدرة الفطرية والحالة الفعلية التي يصير إليها بوصفه فردا في المجتمع .

الظاهرة الثقافية العمانية إذن وليدة تكامل معرفي لا يمكن فصله ، ولذلك فإننا من خلال هذا الموقع سنتعامل مع النص العماني (المكتوب أو الشفاهي) بوصفه ثقافيا ، وهذا يعني أن النص لا يكون ثقافيا إلاَّ إذا حقق التكامل المعرفي والأنثربولوجي العام والقدرة على الانفتاح ، ومن هنا أيضا يجب أن ندرس النص العماني بصفته المعرفية الضاربة في القدم .

3,733 total views, 2 views today