خالد مُحمَّد عبده

“عِنْدَما تزدادُ نارُ المحبَّةِ تأجُّجًا، تغْدُو عاجزةً، ويُصبحُ الداءُ دواءً وينكشفُ السِّرُّ، السِّرُّ ظاهرٌ والرَّجُل خفيٌّ، ما شأنُ العاشق في هذا. في محلة الأرواحِ، أي شيءٍ أجمل؟ تقديمُ الروحِ؛ فدع عنك اليقينَ والظن”.
شيخ الإسلام الأنصاري الهروي (1)

استاءَ أحدُ شيوخ المولوية من كَثْرة الجدال والنقاش الدائر في عصره حول الطقوس والممارسات الصوفية، ورأى أنَّ الكتابة المضادة لم تفهم إشكاليات الممارسة الروحية؛ كون أصحابها يفتقرون إلى المعرفة والخبرة، ورأى أنَّه من الأفضل ألا يُناقِش الموضوع مع الذين يهاجمونه، وقد يَئِسَ من الحديثِ معهم، ورغم ذلك كتب بنفسه رسالة في حق “الدوران الصوفي”، وتحدث فيها عن شرعية السَّماع الصوفي، مُستندًا إلى القرآن الكريم وممارسة أتباع النبي للذكر بطرائق مختلفة في الإسلام المبكر.. مُنتهيًا إلى أنَّ شريعة الله لا تحرم مثل هذه الطقوس (2).

تظلُّ المولوية موضوعًا للجدل والنقاش، ويحظى مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي باهتمام بالغ شرقًا وغربًا. ومؤخرًا، نَجد حضورًا كبيرًا لأقواله ومعارفه الصوفية، الجمهور الأكبر يلتقطُ كلَّ ما يُكتب عن الرُّومي أو له بحبٍّ وشغف بالغين، وقد انزعجَ البعضُ من أتباع الطرق الصوفية من هذا الحضور؛ مما حدا ببعضهم أن ينزع عن الرُّومي تصوفه، ويصم التصوُّف الفارسي بابتعاده عن الشريعة. الموقفُ نفسه أكثر حِدَّة وصرامة من جانب التيار السَّلفي، فقد أعادَ أحدُهم إثارة نفس المشكلات التي استاء منها نوري أفندي، وتحدث عن “فسوق المولوية”، وعن نشرهم للفجور واستهانتهم بتعاليم الإسلام، مُعتمدًا في ذلك على قراءة كتب التاريخ، جاعلاً المقولات العقدية حاكمةً على ما يرد هنا أو هناك من أخبار.

وفي هذه الورقة، أتناولُ مَصْدرًا غلبتْ عليه الأسطورية -كما هو الشأن في الكتابة المناقبية وقصص القديسين- أرَّخ للرومي والمولوية بقلم المريد الذي يكتب عن شيخه، والمؤمِن بنبيه، والعاشق لمعشوقه؛ فغابت الحقيقة وَسْط هذا الكم من التبجيل والأسطرة؛ مما وضع الباحث أمام مهمة صعبة وهو يتعامل مع هذا الكم الهائل من المواد.
البعضُ وُفِّق في التعامل مع المرويَّات التاريخية، والبعض الآخر اتَّخذها مَطِية لإدانة الرُّومي، وسنرى في هذه الورقة أمثلة لذلك.

الأفلاكي وسيرة الرُّومي
اشتهرَ الأفلاكي بكتابه “مناقب العارفين”، وهو الكتاب السِيَرِي الأكثر طولاً وتفصيلاً في كل ما يتعلق بسيرة الرُّومي وآبائه الروحيين وتلاميذه ومريديه، ورغم أنه يقدِّم معلومات مُفصَّلة عن أشياء كثيرة في كتابه، إلا أنَّ الأفلاكي تظل جوانب كثيرة من حياته غير معروفة عند المحقِّقين والمؤرِّخين؛ فحسب ثاقب دده نعرف أنَّ اسم الأفلاكي أحمد آهي ناطور، تتلمذ على يد بدر الدين تبريزي، وله سياحات ورحلات قطعها في سبيل تحصيل العلم، ويُقال إنَّ أباه كان يروي مناقب بهاء الدين ولد سلطان العلماء ووالد حضرة مَوْلَانا جلال الدين.
بدأ الأفلاكي في كتابة “مناقب العارفين” في قونية في العام 718هـ/1318م، واستمرَّ في تنقيح الكتاب وتوسيعه فترة طويلة؛ لذا تُوْجَد من الكتاب أكثر من نسخة، يعثُر قارئها على تعديلات كثيرة، وكما أُهملت المعلومات عن حياته -وكأنه كان نسيًا منسيًّا- فلم يبرز اسمه على نسخ مناقب العارفين (3)!

جمع الأفلاكي مرويَّات سيرته عن طريق المشافهة من أشخاص أحبوا مَوْلَانا واتبعوا طريقته التي أبرز ملامحها ابنه سلطان ولد، بعض هؤلاء الأشخاص كانوا على قيد الحياة والتقوا بمَوْلَانا وولده، وكعادة المحبِّين تمَّ إضفاء هالات ونسبة أشياء كثيرة إلى محبوبهم من باب التبجيل والتعظيم، يستحيل قبولها عقلاً أو صدروها عن الرُّومي، كما يستحيل حدوثها في الواقع كما سيأتي في هذا المقال.

التقى الأفلاكي بأولو عارف جلبي (4)، وبناءً على تشجيعه بدأ كتابة السيرة، وليس غريبًا على الأفلاكي أن يعتقد في كرامة جلبي، وينسب إليه كرامات كثيرة؛ فجلبي الحفيد الأبرز لمَوْلَانا، والحامل للأنوار السبعة (وجهه مبارك ميمون، ومشاهدته مباركة للأرواح) (5)؛ لذا فملازمة الأفلاكي حقَّقتْ له مبتغاه من التعرُّف على عالم مَوْلَانا عبره؛ لأن الأفلاكي لم يعرف الرُّومي معرفة شخصية إذ وُلِد بعد وفاته، ومن خلال مطالعة لويس فرانكلين لمناقب العارفين يؤكد لنا ما أكده غيره من الدارسين على النحو التالي: (صورة الرُّومي التي رسمها الأفلاكي غيرُ مقيدة بأي ذكريات مباشرة للرومي، المخلوق البشري، ولعل هذا يفسر جزئيًّا تقبله القصص الأكثر خيالية وغرائبية، التي تدور حول موضوع الشخص الذي هَامَ فيه. ويروي الأفلاكي أحداثًا خارقة للعادة دون أن تطرف له عيْنٌ، إلى جانب تفاصيل أكثر دنيوية عن حياة الرُّومي العائلية تبدو قابلة للتصديق إلى الحد الكافي. وعندما يكتب الأفلاكي بعد ذلك بكثير يقدم معلومات أكثر كثيرًا في شأن حياة أولو جلبي والمولوية المتأخرين، وإذا كان العلماءُ غير ميَّالين إلى النظر لمناقب الأفلاكي على نحو أكثر تحقيقًا وتمحيصًا، فما ذلك إلا لأنَّ التفاصيل السِيَرِيَّة التي يقدمها لا يمكن العثور عليها في أي مصدر آخر) (6).

تَنْسِبُ السِيَرُ الصوفيةُ أعمالاً وكرامات لا يُمكن قبولها من قِبل كثيرين، خاصة خصوم التصوُّف، وتتم إدانة المتصوِّفين بناءً على هذه المرويَّات. واللافت للنظر أنَّ التلقي السَّلفي لمَوْلَانا وسيرة حياته لا يذكر شيئًا من هذه الخوارق، بل يحاول طيلة الوقت أن يُظهر مصداقية المصدر الأسطوري؛ ليؤكد لجمهوره ما وصل إليه من استنتاجات تجعل حكمه محلَّ رضا وقبول تامين، وإذا ذكر أمرًا خارقًا فإنه يتغافل عن عدم إمكانية تحققه واقعًا وأسطوريته، وينشغل بما يمس المعتقد فيه!
ومن ذلك ما فعله أبو الفضل القونوي (7) في كتابه “أخبار جلال الدين الرُّومي”؛ إذْ اعتمدَ الأفلاكي مصدرًا رئيسًا (8) لكتابة “سيرة مَوْلَانا برؤية مخاصمة”، وسأوْرِد هنا نماذج لتعامله مع المرويَّات تبعًا للاعتقاد، ومحاكمة لها، دون النظر إلى تحقق وقوعها، وسأناقش -بشكل مُفصَّل- مرويَّة ذائعة تتحدث عن موقف الرُّومي من المغول، وبالأحرى موقف الصوفي من الجهاد.
نماذج من التعامل السَّلفي مع المرويَّات التاريخية
إنَّ مَسْألة التحيُّز والانتقائية يُصاب بها كثيرون في حديثهم عن شخصيات تُقدَّس نسبيًا من قِبل محبيهم أو من يعتنقون أفكارهم، يمثل هذا السلوك سلوك جمهور عريض يصعب حصره أو متابعته، لكنه يشتركُ في أمر مهم، وهو التشجيع والمتابعة دون الالتفات إلى الحقائق حتى وإن مرَّت أمامه، وفي أوقات كثيرة يعطي ظهره لما يقدم إليه (9)، حتى وإن كان ما يُقدم إليه من شخص ليس متحيزا إلى فئة تخاصمه وتزهد في مقولاته، فقد اعتدنا في تراثنا الثقافي أن نوجه التاريخ تبعًا لما نؤمن به عقديًّا؛ فالشيعي لا يقبل بالرِّواية السنية، والسَّلفي لا يقبل بالرِّواية الأشعرية؛ مما يجعل الحديث عن رواية تتصف بالإجماع في أي من مستوياته أمرًا مستحيلا (10).

سنعملُ هُنا على مُتابعة التلقِّي السَّلفي لما كُتب عن مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي، والعينة التي نعمل عليها هي كتابات أحد الأتراك المقيمين في المملكة السعودية، احتشد الكاتب للتأليف ضد الصوفية؛ فكتب في هذا الجانب عِدَّة مُؤلَّفات تعلن الخصومة على التصوُّف، فوصف كلَّ ما لا يعجبه بـ”التصوُّف المنحرف”، ورغب أن ينتقل محبو التصوُّف من هذا اللون الصوفي إلى “تصوُّف أهل الحديث والأثر”.

خصص الكاتب عدة مؤلفات تدين الرُّومي والطريقة التي نُسبت إليه “المولوية”:
– “المهول من نبأ من خدم المغول”.
– “المنتخب من مناقب العارفين للأفلاكي في أخبار جلال الدين الرُّومي”.
– “اللباب المعنوي في انتخاب المثنوي”، “الهابط الغوي من معاني المثنوي”.
– “البراهين المعنوية الأولية على فسوق المولوية الدنيوية”.
– “أخبار جلال الدين الرُّومي”.
إضافة إلى رحلة الإمام بدر الدين العيني إلى قونية… وغير ذلك من الرسائل التي انتخب فيها أقوالاً وجمعها لتدعم فكرته في إدانة التصوُّف.

لسنا بصَدَد تحليل ودراسة هذه المؤلفات، وما ورد فيها من آراء مغلوطة؛ إذ تحتاج هذه المواد إلى مجموعة من المقالات، أو تخصيص بحث موسَّع لها، لكننا سنتناول مرويَّة تتعلق بموقف الرُّومي من المغول، إضافة إلى بعض المرويَّات الأخرى، لنرى إن كان ما يقوله الكاتب له وجه من وجوه الصحة، أم أنه انتقى من الرِّوايات ما يَخْدِم فكرته، وترك الكثير مما يُنزِّه الرُّومي عمَّا قاله.

يَرْوِي مُحمَّد عبدالله أحمد (أبو الفضل القونوي) في كتابه “أخبار جلال الدين”، عن الرُّومي ما يَجْعَل منه “موافقًا على كفر جنكيز، خان وما يقربه من الخيانة والعمالة للمغول، وهي التُّهمة التي يلصقها السَّلفيون دومًا بأهل التصوُّف عامة مع اختلاف العصور”، ويخلط الكاتب بين ما يقوله جلال الدين بما يُقال عنه في السير بشكل أسطوري؛ ففي الفصل المعنون بـ”المغول وأهل الفتوة في الأناضول وعلاقة جلال الرُّومي بهما” (ص:72-104)، لن يعثُر القارئ إلا على إحالة واحدة على نص للرومي وَرَد في كتابه النثري “فيه ما فيه”، عاد الكاتب فيه إلى الترجمة التركية، وسنقف عند هذا الكتاب لننقل للقارئ ما لم يُشِر إليه الكاتب لتثبيت فكرته عن الرُّومي، وإظهاره في صورة الخائن لأمة الإسلام! كما اعتاد مخاصمو الصوفية أن يفعلوا ذلك، متغافلين عمَّا يُقال في الفقه ويؤكده التاريخ من تبني الفقهاء والعلماء من غير الصوفية لمبدأ “نحن مع من غلب”، “لا أقاتل في الفتنة، وأصلي وراء من غلب”، وهو ما تأثَّر به التيار السَّلفي حتى يومنا هذا، وقطاع كبير منه ينتصر للحاكم المتغلب بناء على هذه الفكرة.

لننتقل إلى ما يقوله مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي بنفسه عن المغول، لا ما ترويه السير:
أ- يستحضر مَوْلَانا جلال الدين قصة نبوية في الفصل الأول من “فيه ما فيه” ((كل شيءٍ من أجل الحق))؛ فيذكر في أسلوب قصصي بديع سبب نزول قوله تعالي: “يَا أَيُهَا النَبِيُ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (11)، في تعقيبه على شرحه لقول مأثور: “شر العلماء من زار الأمراء، وخير الأمراء من زار العلماء، نِعم الأميرُ على باب الفقيرِ، وبئس الفقيرُ على باب الأمير” (12)، وموجِّهًا كلامه لمعين الدين سليمان بن مهذب الشهير بـ”بروانه” (13)، مُوبِّخًا إياه قائلاً: “إنك في أول الأمر برزت بطلاً للإسلام. إذ قلت: سأقدم نفسي فداءً، سأضحي بعقلي وتدبيري ورأيي من أجل بقاء الإسلام، وكثرة أهل الإسلام لكي يستمر الإسلام آمناً وقويًّا.. ولكن عندما اعتمدت على رأيك ولم ترَ الحقَّ، ولم تنظر إلى كل شيء على أنه من الحق، جعل الحق تعالى ذلك السبب والسعي نفسه سبباً لنقص الإسلام، فقد حالفت التتار، وقدمت لهم العون، لتفنيَ الشاميين والمصريين، وتخربَ دولة الإسلام. لذلك؛ فإنَّ الله سبحانه جعل ذلك الذي كان سبباً لبقاء الإسلام سبباً لاضمحلاله، وفي هذه الحال، توجه إلى الله -عزَّ وجلَّ- الذي هو محل الخوف، وتصدَّق لعلَّ الله يُخلِّصك من حال الخوف السيئة هذه، ولا تقطع الرجاء منه، برُغم أنه ألقاك من مثل تلك الطاعة في مثل هذه المعصية. رأيت أنَّ تلك الطاعة آتية منكَ؛ فوقعت في هذه المعصية. والآن وأنت في هذه المعصية أيضًا لا تقطع الرجاء وتضرَّع؛ فإنَّه تعالى قادرٌ، فقد أظهر من تلك الطاعة معصية، وهو قادرٌ على أن يُظهر من هذه المعصية طاعة. وهو قادرٌ على أن يعطيك الندامة على هذا الذي قدمت، ويهيِّئ لك الأسبابَ لكي تَسْعَى من جديد لكثرة المسلمين، وتكون قوة للمسلمين، فلا تقطع الرجاء!…. كان غرضي أن يفهم هذا، فيتصدق، ويتضرَّع. فقد انحدَر من حال غاية في السمو إلى حال من الضعة” (14).

نُلاحِظ في هذا النصِّ توبيخَ مَوْلَانا لمعين الدين بروانه، واعتباره مُخرِّبًا لدولة الإسلام؛ لمحالفته للتتار، واعتماده على تفكيره وتدبيره. ألا ترى مُطالبة مَوْلَانا له بأن يتوب إلى الله اعتمادًا على قوله تعالى: “إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين” (15)، عسى أنْ يَجِدَّ في العمل على تقوية دولة الإسلام، ويُصْلِح ما أخطأ فيه.

ب- في الفصل الخامس “عرائس الأسرار-ص:108-111″، وهو الفصل الذي اجتزأَ منه الكاتب ما أدان به مَوْلَانا: “يسأل أحدهم مَوْلَانا: يأخذ المغول الأموال، وبين الفينة والأخرى يعطوننا الأموال أيضًا. وهذا وضعٌ عجيب. ما حكمك على ذلك؟”، فيجيبه مَوْلَانا ويبيِّن له بمثال توضيحي كعادته، ويختم كلامه قائلا: “وهكذا فإنَّ مالنا حرامٌ عليهم، ومالهم حلالٌ لنا” ((ليدقق من يرجو التحقيق في هذه الجملة)). وفي مثاله، يَشْرح مَوْلَانا عَمل الحق سبحانه وتعالى. وإذا كان الكاتب السَّلفي قد استبعدَ الرِّواية السابقة التي يظهر فيها الرُّومي مُوبِّخًا الأميرَ لمحالفته للمغول؛ لأنها لا تخدم اعتقاده، وما أراد أن يوجِّه القارئ إليه ليدين التصوُّف، فإنَّ تعاملَه مع هذه المرويَّة أيضًا جاء على نحو انتقائي؛ فانتخب منها ما أراد وترك ما يُوضِّح رؤية الرُّومي للمغول.

لنقرأ نصًّا آخر للرومي.. جاء فيه:
“قال أحدهم: عندما جاء المغول لأول مرة إلى هذه الولايات كانوا عراة ومجرَّدين، كان مركوبهم الثيران وأسلحتهم من الخشب. أما في هذا الزمان، فهم مُحتشمون وشبِعون، ولديهم خيول عربية مُطهمة وأسلحة جيدة.
قال مَوْلَانا: في ذلك الوقت, عندما كانوا منكسري القلوب وضعفاء، ولا قوة لديهم، أعانهم الله وأجاب دعائهم. أما في ذلك الزمان الذي غدوا فيه مُحتشمين وأقوياء، فإنَّ الحق تعالى يُهلكهم بأضعف الخَلق؛ لكي يعرفوا أنهم بعناية الحق ومدد الحق استولوا على العالم وليس بقوتهم وقدرتهم. في موطنهم الأول كانوا في صحراء، بعيدين عن الناس، لا حول لهم ولا قوة، مساكين، عراة، فقراء. من دون قصد، جاء بعض منهم تجارا إلى ولاية خوارزمشاه وبدؤوا بالشراء والبيع، وكانوا يشترون الكرباس -ثوبٌ من القطن الأبيض- ليغطوا أجسادهم. وقد منعهم الخوارزمشاه، وأمر بأن يُقتل تجارهم، وأن يُؤخذ منهم الخراج أيضا، ولم يأذن للتجار بأن يذهبوا إلى هناك. مضى التتار إلى مليكهم مُتضرعين، قائلين: “لقد هلكنا”. طلب منهم ملكهم أن يُمهلوه عشرة أيام، ودخل في كهف عميق؛ وهناك صام عشرة أيام. وأظهر الخضوع والخشوع. فجاء نداء من الحق تعالى: “قبلت ضراعتك وتوسلك. اخرج: أينما ذهبت فستكون منصورًا”. وهكذا كان. عندما خرجوا انتصروا بأمر الحق واستولوا على العالم”.
وهذه هي الفقرة التي استبعدها الكاتب:
“قال أحدهم: التتارُ يُقرون بالحشر، ويقولون بأنه سيكون هناك حسابٌ. قال مَوْلَانا: يكـذبون، هم يريدون أن يجعلوا أنفسهم مشاركين للمسلمين [….] هذه المعاصي والمظالم والسيئات التي اقترفوها كالثلج والجليد تجمَّعت طبقاتٍ فوق طبقات. وعندما تأتي شمس الإنابة والندم وأخبارُ الآخرية وخشية الله ستذيب ثلوج المعاصي تلك كلها، مثلما تذيب الشمس الثلج والجليد”.

عِلْمُ الكاتب التركي بالنصوص السابقة، وعدم استشهاده بها في حديث الرُّومي والمغول، يُظْهِر تعمُّده إخفاء رأي الرُّومي في المغول، وتوبيخه لمن يتعامل معهم من الأمراء. وعدم استشهاده بالفقرة الأخيرة التي يُكذِّب فيها الرُّومي التتار، ويصف أفعالهم بـ”المعاصي والمظالم والسيئات”، يجعل ما قاله في ص:104 من كتابه “أخبار جلال الدين” غير صحيح: “فها أنت ترى الجلال ينسب إلى الكافر جنكيز خان الوحي، أو ما هو في معنى الوحي، والصيام والتضرُّع، ولا يذكر شيئًا عن كفره ومظالمه”.

ما مَدَى تأثير هذه الرِّواية السَّلفية وتلقيها من قبل الجمهور دون اختبار لصحَّتها؟
نقرأ لروائي شاب يُدْعَى مُحمَّد عبدالقهار عن اهتمامه بالتاريخ، ويظهر ذلك من خلال عمله الأدبي “سراي نامه: الغازي والدرويش”، وروايته “غارب” التي شكر بعد صدورها مجموعة من الأساتذة على معاونته في العودة إلى مصادر تاريخية كثيرة. لكن، نلاحظ أنه استشهد في أحد مقالاته “دين الملحمة” بما أوْرَده الكاتب السَّلفي، مُقتبسا إحدى مرويَّاته في صُورتها المنتخبة، مُحِيْلا إلى النسخة العربية من كتاب “فيه ما فيه”؛ مما يعني إمكانية مطالعته للنصوص السابقة وتعرُّفه عليها بسهولة. ومن العجيب أنْ يحث هذا الشاب من خلال مقال كتبه بعنوان “هل نقرأ التاريخ” -بعد صدور الرِّواية- على قراءة التاريخ دون الاعتماد على الوعظ، أو الوقوع في حيز الإسقاط والتنبؤات، ويقع فيما أنكره على غيره!

يَبْقَى سبيلُ التعرُّف على الرُّومي عند مُعظم التيار السَّلفي مُنحصِرًا فيما يُردِّده الكاتب السعودي، وخيرُ دليل على ذلك ما جاء في رواية الغازي والدرويش: “وهؤلاء الرَّاقصون لا يزالون يُلهون الناس منذ زمن شيخهم الأكبر الرُّومي، الذي رَقَص والمغول يخرِّبون الأناضول، ورقصَ الناسُ مَعَه ليهربوا من ألم الفواجع، وجَلَس البراوناه صنيعة المغول الذي حكم الأناضول باسمهم في مجلس الرُّومي يحاوره في الزهد والفناء”.. يحتفي الشباب بهذه الفقرة، ويشتركون في ترديدها دون التحقُّق من صحتها.

انتقلت المعلومة من السعودية إلى مصر، ولا تزال تنتشر كالنار في الهشيم كباقي المقولات التي تحمل وراءها ضغائن للرومي، ويستوي حاملُ المعلومة مع الجمهور في التلقي دون فحص أو اختبار، وكما أسهمت الكتابة المتحيِّزة في نشر صورة خاطئة للرومي، أسهمت الكتابة الأدبية كذلك كما رأينا في المثال السابق. كان هذا مثالا على نموذج من التعامل مع مرويَّة تاريخية واحدة تم اقتطاعها من سياقها لاتهام الرُّومي من خلالها.. ولنتابع مع نماذج أخرى.

ج- ينقل أبو الفضل (ص:130) عن الأفلاكي مرويَّة تتحدَّث عن شمس تبريزي وهو في بغداد -وللتنويه لا نعرف الكثير عن شمس؛ فبرغم آلاف الصفحات التي كُتبت عن الرُّومي لم يُكتب عن شمس في كتب التاريخ أو الطبقات سوى النزر اليسير، الذي يجعل سبيل التعرف على شخصيته أمرًا خاضعًا للظن والتخمين، اللهم إلا إذا قرأنا كتابه “المقالات” الذي اكتُشف حديثًا، وحاولنا أن نلتقط منه أخباره كما يرويها بنفسه- يقول الأفلاكي (16): “بينما كان الشمس يمر في بغداد بباب أحد القصور، إذا بصَوْت عَزْف يَطرُقُ مسامعه، فأراغ أن يستمع إليه شيئًا، فدخل القصر، فأشار سيد القصر الغافل عن سر هذه النشوة إلى عبده أن اضرب هذا الدرويش ليذهب. فاستل العبدُ سيفه وهجم عليه، لكنَّ الفالج سُرعان ما نزل بيده، فأمر عبده الآخر فجمدت يده في الهواء، وخرج الشمسُ من القصرِ وأخذ الطريق فلم يلحق به أحدٌ. وفي اليوم التالي رحل سيد القصر إلى الدار الآخرة!”.

لم يلتفت أبو الفضل إلى إصابة شخص بالفالج، وتوقُّف يده عن الحركة بشكل آلي، والآخر كذلك! إن هذا لو حدث بالفعل لجعل من كانوا يودون إيذاء شمس تبريزي يؤمنون به كما نقرأ في السير والتاريخ عن أمثال ذلك!
لكنَّ القونوي علَّق على الرِّواية مُثْبِتًا إيَّاها.. قائلاً: “هذا مُتطفلٌ يدخل البيوت بغير إذن أصحابها، وهو اعتداء، فما قوبل به الشمس لا يُلام صاحب القصر عليه لأنه يدفع بذلك عن عرضه. وتأمل قوله “فلم يلحق به أحد”، فإنِّي أخال أنَّه هَرَب بسرعة كبيرة، هروب الجناة المعتدين المتطفلين” (17).

د- قَبِل القونوي مرويَّة الأفلاكي التي تتحدَّث عن لقاء شمس بالرُّومي، وسفَّه من حوار دار بينهما؛ كان الحوار مجال الحديث فيه عن عظمة حضرة النبي والإنكار على بايزيد البسطامي (18)، لكنَّ القونوي تعمَّد ألا يذكر شيئًا من ذلك، وركَّز اهتمامه على المقطع الأخير في رواية الأفلاكي: “وأغلق عليهما باب حجرة فيها، وحرم على أهل الدار أن يدخلها منهم أحد، إلا صلاح الدين زركوب، وبقيا في الحجرة ثلاثة أشهر وقيل ستة (19)، لم يخرجا منها قط”. يعلق القونوي: “وهذا يعني أنهما قعدا عن صلوات الجماعة في المسجد وعن الجمعة” (20)! وزاد في هامش الصفحة بأنَّ شمسًا كان يُؤخِّر الصلاة عن وقتها بغير قصد! لا مجال عند الكاتب للتأويل أو المجاز، فإنْ صحَّت الرِّواية ألا يُمكن أن يكون معناها التزام الرُّومي بصحبة شمس، وأنه لم يكن ليترك فرصة للجلوس معه إلا والتزم بذلك؟!!!

هـ- يذكر الأفلاكي أن شمسًا طلب من الرُّومي شخصًا يخدمه، فقدم مَوْلَانا زوجته كيرا خاتون لتخدمه؛ فرفض شمس وطلب غلامًا، فقدم مَوْلَانا ابنه سلطان ولد ليخدم شمسًا، فطلب شمس من مَوْلَانا الخمر، فملأ مَوْلَانا إبريقًا من حي اليهود وقدمه إليه، فأخبره شمس بأنه كان يختبره، وعقب قائلاً: “إنما فعلتُ ذلك لأعلم درجة حلمه وصبره”.. مضيفًا: “إنْ عالم مَوْلَانا يضيق عنه نطاق الرِّواية لسعته”.

مَنَح القونوي الرِّواية دلالة جنسية مدينًا الرُّومي؛ فما يطلبه شمس يتعلق عنده بأن يتخذ غلامًا أو امرأة ليس للخدمة فحسب، وإنما للمتعة! فعقب على الرِّواية بشكل تهكُّمي: “ونحن بهذا علمنا غَيْرَته على حُرَمِه، وفقهه في دينه” (21).

لم يلتفتْ القونوي إلى رواية مُماثلة تدلُّ على أنَّ شمس كان يختبر فعليًّا الرُّومي، رغم إيراده لها -في بداية كتابه- لكنه انشغل عنها بإدانة الشخص المذكور أيضًا. يورد الأفلاكي الرِّواية على النحو التالي:
“قال الشيخُ أوحدُ الدين “برغبة كاملة: أريد بعد اليوم أن أكونَ في خدمتك!”، قال: إنك لا تطيق صُحبتي. فجد الشيخُ وقال: اقبلني في صحبتك، أرجوك. قال: بشرط أن تشرب النبيذ معي على الملأ في وسط سوق بغداد. قال: لا أقدر على ذلك. قال: تقدر أن تأتي لي بنبيذ خاص. قال: لا أقدر. قال عندما أشربُ تقدرُ أن تصحبني. قال: لا أقدرُ. فصرخ مَوْلَانا شمسُ الدين: انصرف عن الرجال”. يُعلق العلامة فروزانفر على الرِّواية قائلاً: “وكان غرضه من هذا الكلام اختبار أوحد الدين في مقام التجريد والتفريد الذي تتمثَّل حقيقته في مرحلة المعاملات في صَرْف النظر عن الخلق، والتوجُّه إلى الخالق بكمال الهمة وتمامها” (22).

يُمكننا أنْ نَرَى في الرِّواية أثرًا لحضور الخضر (العبد الصالح) مع موسى، ففي الرحلة التعليمية التي سجل القرآن وقائعها كانت الحوادث التي تُعرض على النبي موسى -عليه السلام- بمثابة اختبار له، فما يبدو غير منطقي أو مخالف للتعاليم وأحدثه العبد الصالح كان بمثابة درس لموسى، عُرِف فيه الفارق بين فِعْل المخلوق وحكمة الخالق. ومن المعروف أنَّ شخصية الخضر كانت حاضرة في التراث الصوفي والتفسيري والحديثي؛ فربما كانت هذه الشخصية حاضرة في مخيال كاتب الرِّواية التاريخية (الأفلاكي) -إن لم يتحقَّق لقاء شمس بالكرماني (23)- وربما كان شمس مستحضرًا لنموذج الخضر، فهو نفسه كشيخ له علاقة بمريد أقرب إلى صورة الخضر التي يرسمها التراث الصوفي (24).

و- ذكر القونوي في كتابه “مرويات عِدَّة عن سلطان ولد ابن مَوْلَانا”، نقل جميعها عن الأفلاكي، مدينًا سلوكه من وجهة نظر المقولات السَّلفية (25)، لكنه أحجم عن ذكر مرويَّات لا يُمكن تصديقها عقلاً، ربما لأن هذه المرويَّات تجعل من المصدر الذي يعتمده للتأريخ لحياة الرُّومي والمولوية مصدرًا غير موثوق في مصداقيته، سنذكر رواية واحدة من جُملة هذه المرويَّات التي لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال.

يَحْكِي الأفلاكي عن الفترة التي سبقت فِطام سُلطان ولد عن حليب أمه.. قائلاً: “كان سلطان ولد دائمًا ينام في حضن حضرة مَوْلَانا، وعندما كان يريد في التهجُّد أن ينهض ويقوم لصلاة قيام الليل، كان سلطان ولد يصرخ ويبكي، وعندئذ كان حضرة مَوْلَانا من أجل تسكينه يترك الصلاة ويضعه في حضنه. وعندما كان يطلبُ حليب أمه كان مَوْلَانا يضع ثديه المبارك في فيِّ وَلَد. وبأمر الله بسبب فرط حُنو الوالد كان يتدفق حليبٌ صافٍ “لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين”، إلى أنْ يشبع من لبن ذلك الذي هو أسد المعنى وينام، مثلما انبثق الماءُ الزلال من بين أنامل رسول الله” (26).

يَضْرِب القونوي صَفْحًا عن مثل هذه المرويَّات (27)، ولا يُوْرِدها في كتابه، ويركز أكثر على ما يلتمَّس فيه مُخالفة للعقيدة، أو ما يَقْدَح في السُّلوك، ويظهر الرُّومي في صورة غير أخلاقية. كذلك أغفل ذكر مرويَّات للأفلاكي تُقدِّم الرُّومي عالمًا مُحبًّا للفقه والشريعة، نذكر منها ما أورده الأفلاكي على لسان مَوْلَانا.. قائلاً: “كان الإمام أبو حنيفة النعمان، والمطلبي (الشافعي)، وأئمة آخرون -رضي الله عنهم- من صُنَّاع عالم الأرض الجذباء، من اتَّبع طريقهم بكل صدقٍ واتخذ هؤلاء العقول العظيمة قدوةً، ظلَّ في مأمنٍ من شر الخبثاء وتجار الدين ونجا. لكن الجنيد وذا النون وبايزيد وشقيق البلخي وإبراهيم بن أدهم والمنصور (الحلاج) وأمثالهم، فهم طيورٌ مائية، سبَّاحون عابرون لبحر الفكر، من اتبعهم نجا من مكر الهوى الخادع، وتقدَّم في طريقه نحو جوهرة بحر القدرة (28)”.

فروزانفر والأفلاكي
ثمَّة تعامُل مُختلف مع مرويَّات الأفلاكي، يلاحظه من يُطالع سيرة جلال الدين الرُّومي التي كتبها فروزانفر؛ فإلى جوار مصادره الكثيرة عن الرُّومي نجد حضورًا لمرويَّات الأفلاكي من بداية السيرة إلى مُنتهاها؛ فيذكر في مُقدِّمة كتابه أنَّه أدْرَج أكثر مطالب هذا الكتاب في تضاعيف السيرة، حتى إنَّ القراء بعد مطالعة كتاب فروزانفر ليسوا بحاجة إلى قراءة المناقب، ويقول: “وحيثما لزم الانتقادُ لم أُحجمْ عنه” (29).

ومن نماذج تعامله مع مرويَّات الأفلاكي: مُناقشته للخصومة التي حدثت بين الفخر الرازي، وبين بهاء ولد سلطان العلماء؛ فأغلب الكُتَّاب يُؤكِّدون ذلك اعتمادًا على نقد بهاء ولد لطريقة الفخر الرازي المفسر. ومن المعروف أنَّ الصوفية يعيبون طريقة الحكماء والفلاسفة ببيان شديد الوضوح، ويعدونهم مُنحرفين عن جادة الصواب؛ لإعلائهم من شأن العقل على الرُّوحانيات، ومن كلام مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي في هذا الشأن: “إنَّ قدم الاستدلاليين من الخشب، والقدمُ الخشبية لا تمكين لها ألبتة”. ومنه أيضًا: “ذو العقل يهرب من النملة الميتة حذرًا، وذو الحُب يدوس على التنين ولا يعبأ”. وفي المثنوي يَرِد مشهدًا لمجادلة عائلية يكون فيها العقل هو الأب، وتكون فيها النفس الرُّوح الدُّنيا، هي الأم؛ فالأم تريد أن تدلل طفلها الإنسان بإبقائه في البيت قريبًا من صدرها؛ لتجنِّبه كل أنواع المشاق في الحياة. أما العقل “الأب”، فيعظها بأنْ تُرْسِل الصَّبي إلى المدرسة من أجل إعداده لحياة شريفة. ويمثل هذا المشهد الطريقة التي يتحدَّث بها مُعظم المتصوِّفين عن العلاقة بين العقل والنفس، الملكات الطبيعية الدنيا (30).
لم تكُن هذه الإشارات بصارفة لفروزانفر من أن يتحقَّق من صِدْق رواية الأفلاكي أنَّ الفخر الرازي كان سببًا في هجرة والد مَوْلَانا من بلخ؛ فتعقَّب روايات الأفلاكي عن الهجرة، ورأى أنَّ أغلبها مُتعارض إلى حدِّ أنَّه لا يمكن الجمع بين المرويَّات، وعقب على ذلك قائلاً: “والظاهر أنَّ الأفلاكي من أجل إثبات كرامة أسرة مَوْلَانا، وجَعلِها في غاية القرب في المقام الإلهي، بل في نهاية الاقتدار والاستطاعة في عالم الكون والفساد والتصرُّف في الحوادث والأكوان، جَمَع هذه الرِّوايات دون مراعاة الترتيب التاريخي، وقد كَتَب الآخرون أيضًا في كتبهم مُقلّدين إياه. وبوجود روايات السابقين التي أيَّدتها القرائنُ التاريخية -قدر المستطاع- أرى أنَّ السببَ الرئيس لهجرة بهاء ولد من بلخ إنما كان الخوف من سفك الدماء والقسوة لدى جيش التتار” (31).

ويَدْعَم فروزانفر رأيه بالاستناد إلى مصدر أكثر وثوقية في الحديث عن الرُّومي وأسرته، وهو سلطان ولد في “مثنوي ولد نامه”؛ إذ يجعل هجرة جده على أثر إيذاء أهل بلخ له، ومُصَاحِبةً في الوقت لحملة المغول، ولا يذكر الفخر الرازي والخوارزمشاه.

لا يتوانى فروزانفر عن نقد مرويَّات الأفلاكي كلما وجدها غير مُطابقة للأحداث التاريخية، ومُخالِفة لما يَرِد في المراجع التي يُؤرِّخ لها المعاصرون للحدث؛ فنراه يُعقِّب مرة أخرى في حادثة هجرة عائلة الرُّومي على الأفلاكي قائلاً: “وغيرُ معلومٍ من أيِّ مَصْدرٍ جمع الأفلاكي هذه الرِّوايات، وعلى أي أساس جاء بها مُخالفة لرواة شيخه ومرشده، رغم أنَّ مثنوي ولد كان في حوزته، وكان هو نفسه ملازمًا لسلطان ولد وتلميذًا له” (32).

وتتكرَّر عبارات من مثل: “أخطأ الأفلاكي في أمر…” (33)، وكذلك “رواية الأفلاكي محل إشكال” (34)، “ولا بد أنَّ الأفلاكي يتصرَّف في كلامه بطريقة أخرى؛ لكي لا يتناقض أول الرِّواية مع آخرها” (35)، وعبارات أخرى توضِّح اختلاق الأفلاكي بعض المرويَّات من باب نشر الطريقة، من مثل: “يكون الأفلاكي قد أورد ذلك من عنده” (36)، “ذلك أن الأفلاكي في أغلب هذه الأمور يسوق كلامًا خارجًا عن دائرة التحقيق، وهدفه في كتابه الترويج لطريقة المولويين وعقيدتهم” (37).

يتعامل فروزانفر على هذا النحو من التثبُّت مع مرويَّات الأفلاكي بعد عرضها على المصادر التاريخية؛ فإذا كان هناك ما يَدْعَمْها اعتمدها واستفاد منها لكتابة سيرة الرُّومي، وإنْ بَدَت مُشكلة ناقشها، وإنْ كان هُناك ما يُعضِّدها من كلام الرُّومي نفسه تتأكد صحتها؛ ومن ذلك: ما يَسْرِده فروزانفر في الفصل الثامن عن “صورة مَوْلَانا وسيرته”؛ فكما تُطلعنا رسائله المترجمة والمنشورة (38)، نعرف أنَّ الرُّومي كان محط أنظار ملوك الروم وأمرائهم، وكانت هذه الطبقة تتوْق للقائه، وكان يجالس على الأكثر الفقراء والمحتاجين، ويسعى دومًا لخدمتهم وتلبية احتياجاتهم، يفعل هذا الرُّومي في وقت كان يُوْصِد بابَه مرارًا كثيرة أمام الملوك. يتحدَّث فروزانفر عن أخلاق مَوْلَانا الرُّومي في المعاملات، ويستأنس بمرويَّة للأفلاكي تَدْعَم رفضه للأمراء، ويعقِّب عليها قائلاً: وهذا الكلام تؤيِّده الإشارات الموجودة في “كتاب فيه ما فيه” (39). وحينما نُراجِع كتاب “فيه ما فيه” النثري لمَوْلَانا، نعثُر على ما يؤيد كلام فروزانفر؛ فالفصل الثالث من الكتاب -والذي يبدأ بالقول المأثور: “شر العلماء من زار الأمراء، وخير الأمراء من زار العلماء، نِعم الأميرُ على باب الفقيرِ، وبئس الفقيرُ على باب الأمير”- يَشْرَح فيه مَوْلَانا لماذا لم يكن حريصًا على صحبة الملوك وزيارتهم. وفي الفصل السابع، نُشاهِد صورة من ضجر معين الدين بروانه من عدم لقاء الرُّومي به، ويروي بروانه أنَّ والد الرُّومي لم يكن يُحب لقاءه أيضًا، وكان يتعلَّل بالانشغال قائلاً: “لا أرغب في أن يأتي الأمير في حالة لا أستطيع أن أكون فيها لطيفًا معه، وليس لديَّ الفراغ لأنْ أعِظه وأتجاذب أطراف الحديث معه” (40).
لم يَمْنَع تبنِّي فروزانفر لخطاب الرُّومي، ومحبَّته له أنْ يُدقِّق في المرويَّات، ويستند إلى القرائن والبراهين التي تُساعده في كتابة سيرة أقرب لما كان عليه قدر استطاعته، ولم تَجْعَله مَحبَّته يُكرِّر فِعْل الأفلاكي الذي بَالَغ كثيرًا في رَسْم صورة خيالية للرومي.

لعلَّ المتلقي المخاصِم للرومي لا يقنع بمثال المُحب الكاتب عن الرُّومي؛ لذا سنختم هذه الورقة بذِكْر مِثَال للتعامل مع مادة الأفلاكي من وجهة نظر تاريخية وحضارية، أُجِيْزَت الباحثة التي كتبته على دراستها، ومُنِحَت درجة الدكتوراة في المملكة العربية السعودية، التي يُصْدِر منها الشيخ القونوي كتاباته المعلِنَة الخصومة للتصوُّف بعامة، والرُّومي بخاصة، والباحثة على الرَّغم من تبنِّيها المقولات الاعتقادية (السَّلفية)، إلا أنَّ القارئ لأطروحتها سيُدرك إلى أيِّ مَدَى تحيُّز القونوي بعدم تناوله السيرة المولوية بشكل علمي.

—————————————————-

الهوامش:
1- “رسائل خواجه عبدالله الأنصاري”، ص:132، نقلاً عن “بحثًا عن الشمس.. من قونية إلى دمشق”، ترجمة الأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة نينوى، دمشق 2015م، ص:92.
2- لمتابعة موقف المولوية تجاه ما يُثَار من إشكالات حَوْل طريقتهم وطقوسهم، راجع: ألبرتو فابيو أمبروزيو، “الدرويش الدوار: عقيدة الصوفية وطقوسها في القرن السابع عشر”، ترجمة الأخت لويزات معوض، نشرة دار المشرق، بيروت 2015م، ص:178-215.
3- راجع: فرانكلين د.لويس، “الرُّومي ماضيًا وحاضرًا شرقًا وغربًا – حياة جلال الدين الرُّومي وتعاليمه وشعره”، ترجمة عيسى علي العاكوب، نشرة وزارة الثقافة، دمشق، 2010م، ص:492-512.
4- وُلِد أولو عارف جلبي في يوم الثلاثاء الموافق للثامن من شهر ذي القعدة عام 670 هجرية (7 يونيو 1272م)، وهو ابن سلطان ولد، وفاطمة ابنة قويومجي شيخ صلاح الدين، أحبَّ مَوْلَانا جلال الدين حفيدَه جدًّا، وكان يُدلله، كما كان حضرة النبي يُدلِّل الحسن والحسين، مُتمثلاً بميراث المحمديين؛ فقد قال عليه السلام “فليكن طفلاً من عنده طفل”. نشأ جلبي برعاية مَوْلَانا وسلطان ولد، وكان محبوبًا من البيت المولوي، وبدأ عارف جلبي يمثل الطريقة المولوية عندما وافت المنية أباه، وقد أمضى حقبة من عمره في السياحة والترحال، من أقواله: “إنَّ المتصوفة العارفين هم شمس الشموس، وإن الشمس لتنير بنورهم”. وقال أيضًا قبل وفاته: “إنَّ الذهاب إلى جوار المحبوب يُبدِّل من حال إلى حال، ويتوجَّب التخلص من الوجود والفرار منه، وليس من الصَّواب الذهاب بغطرسة ووقاحة إلى المحبوب الجميل الذي يشبه القمر، بل يلزم الذهاب إليه بوجه شاحب شديد الاصفرار وعينين مغرورقتين بالدموع”. راجع: عبد الباقي كليبنارلي، “المولوية بعد جلال الدين الرُّومي”، ترجمة عبدالله أحمد إبراهيم، نشرة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ص:115-145.
5- كان سلطان ولد يُحب ابنه جلبي كثيرًا، وهو من وصفه بهذا الوصف، راجع: عبد الباقي كليبنارلي، مرجع سابق-ص:115.
6- انظر: فرانكلين لويس، “الرُّومي”، مرجع سابق-ص:495.
7- وُلد مُحمَّد عبدالله أحمد في مدينة قونية عام 1966م/1386هـ، وأتمَّ تعليمه في المملكة العربية السعودية، ولا يزال يقيم فيها، وتلقى كتبه رواجًا في محيط المملكة. وبفضل انتشار الدور التي توزِّع كُتب التيار السَّلفي، لقيت كتبه رواجًا في مصر وبيروت…وغيرهما من البلدان العربية. يختار مُحمَّد لكتبه عناوين تقترب من اللغة التراثية؛ لذا ظنَّ البعض أنَّه مُؤلِّف قديم، وبعض الجمهور الذي يُحب الرُّومي اليوم التقط كتابه عبر الإنترنت، لكنه سرعان ما زهد فيه نظرًا للغته الصادمة للقارئ. ومن المفارقة أنَّ الشيخ مُحمَّد في حوار له مع بعض الشباب نَصَحَهم باستخدام الحكمة والموعظة الحسنة التي يتحلَّى بها الصوفية في حديثهم مع الآخرين، وقد استبدل هو في كتابته لفظة العاشق والمعشوق بـ”الناكح والمنكوح”؛ بما تحمله من دلالة مُسِيْئة، وهي من إشكالات التعاطي مع نصوص الآخرين؛ فعدم الوعي باللغة يُؤدِّي إلى هذا الخلل في فهم مُرَاد الآخر، والكلمات التي أدانها الشيخ السَّلفي ترد في أشعار “الشيخ عبدالقادر الجيلاني، والهروي الأنصاري”، لكنه لا يهتم إلا بتحقيق غايته فحسب.
8- يقول الكاتب: “وأمَّا مصادري التي أنقل منها أخباره؛ فمصدرٌ رئيس هو كتاب “مناقب العارفين” للأفلاكي، ثم كتاب: “سبهسالار”، وكتب أخرى باللغة التركية والعربية”، راجع: “أخبار جلال الدين الرُّومي”، نشرة السعودية، 2000م، ص:71.
9- سنُلاحظ ذلك بوضوح في مشاركة هذا الجمهور لمعلومة، والإشادة بها اعتمادًا على ثقتهم بشخص كاتبها كونه يمثل تيارهم؛ فالصوفي -نسبة من حيث الصورة- يحتفي بمقولات وينقلها دون العودة إلى المصدر ودون التأكد من صدورها عن الشخص المنسوبة إليه تلك المقولة، وكذلك يفعل السَّلفي، و”المثقف الشعبي”، حتى وإن أنبأت العبارة عن حداثتها وركاكة أسلوبها أن تنتسب إلى مُحب أو عالم تراثي. مُرَاجعة سريعة لما ينتشر من صُور تسجِّل مقولات عربية تنسب إلى شعراء أو مُتصوفة أو فلاسفة تؤكد ما نقول، وقد استثمرَ البعضُ هذه العشوائية ووظَّفها بشكل “كوميدي”، فنُسبت مقولات من باب المزاح والفكاهة إلى شخصيات يستحيل صدور المقولات عنها.
10- سيفيد في هذا السياق أن نراجع ما كتبه حسن سلهب في كتابه “علم الكلام والتأريخ..إشكالية العقيدة في الكتابة التاريخية الإسلامية”، نشرة مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت 2011م.
11- سورة الأنفال، الآية:70.
12- أورد مثل هذا القول منسوبًا إلى حضرة النبي الإمام جلال الدين السيوطي في “ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين”.
13- برغم إعجاب بروانه بالرُّومي، وحرصه على نيل صداقته، فإنَّ هذا الإعجاب لم يحُل دون توجيه مَوْلَانا سهام نقده إليه في كثير من المناسبات؛ ومنها: السلوك غير المتسم بالاحترام، شأن معظم الحكام ممن أعمت كراسي الحكم بصائرهم. فمثلاً بينما كان مَوْلَانا يشترك يومًا في حلقة السماع، تبيَّن إخلال بروانه بنظام الحلقة، فقال له مَوْلَانا: لقد سمعتُ عن طلبك العلم، وسماعك حديث رسول الله عند الشيخ صدر الدين، فقال بروانه: نعم. عندئذ أجابه: إذا كانت كلمة الله وأحاديث رسول الله لا تجدي معك، فما العمل؟!
وفي الفصل العاشر من كتاب “فيه ما فيه” (ص:74)، يضجر معين الدين بروانه من عدم لقاء الرُّومي به، ويروي بروانه أنَّ والد الرُّومي لم يكن يحب لقاءه أيضًا، وكان يتعلل بالانشغال قائلاً: “لا أرغب في أن يأتي الأمير في حالة لا أستطيع أن أكون فيها لطيفًا معه، وليس لديَّ الفراغ لأنْ أعِظَه وأتجاذب أطراف الحديث معه”.
14- “فيه ما فيه”، مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي، ترجمة الأستاذ العاكوب، ص:32.
15- سورة يوسف، الآية:87.
16- النقل عن “مناقب العارفين” للأفلاكي، النسخة التركية، والترجمة بقلم القونوي.
17- السابق نفسه – ص:72.
18- يسأل شمس الدين التبريزي مَوْلَانا: “من الأعظم: أبو يزيد أم محمد؟ فقال مَوْلَانا: ما هذا السؤال، محمدٌ خاتَمُ الأنبياء، فأية علاقةٍ له بأبي يزيد؟ قال شمس الدين: ولكن لماذا يقول مُحمدٌ: “وما عرفناك حق معرفتك”، وقال أبو يزيد: “سبحاني ما أعظم شاني”؟ فوقع مَوْلَانا من هيبة هذا السؤال وغاب عن الوعي، وعندما استعاد وعيه أخذ بيد مَوْلَانا شمس الدين…). راجع: فروزانفر، ص:103.
وترد الرِّواية في كتاب شمس “مقالات”، وقد ذكرتها ليلي أنفار في كتابها “الرُّومي: دين الحب”، وعلقت عليها تعليقًا مُفيدًا، راجع: قراءة وترجمة عائشة موماد، المنشورة في الأوان، المقال الثالث، السبت 29 نوفمبر 2014م. ويعلِّق عطاءُ الله تدين على هذا اللقاء قائلا: “صُنعت حكايات في شأن طريقة لقاء هذين الرجلين، والمقبول هو أن شمسًا في السابع والعشرين من شهر جمادي الآخرة سنة 642هـ وصل إلى قونية، أما تاريخ لقاء الشخصين وكيفية هذه الواقعة فأمرٌ غير واضح). راجع: “بحثًا عن الشمس..من قونية إلى دمشق”، ترجمة الأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة نينوى، دمشق 2015م، ص:31.
19- رواية الأفلاكي كما يذكرها العلامة فروزانفر في سيرة حياة مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي تقول بأنه “أدخله إلى حجرة، ولمدة أربعين يومًا لم يسمح لمخلوق بالدخول”، راجع: الترجمة العربية للأستاذ عيسى علي العاكوب، نشرة دار الفكر، دمشق 2006م، ص:103. ولعلَّ الكاتبَ نقل هذه المدة الزمنية عن عبدالرحمن الجامي في “نفحات الأنس”؛ فهو الذي حدَّد مُدَّة الخلوة بثلاثة أشهر. قارن فروزانفر، السابق نفسه ص:104.
20- السابق نفسه – ص:138.
21- “أخبار جلال الدين” – ص:144،145.
22- راجع: “من بلخ إلى قونية” – مرجع سابق، ص:100،101.
23- راجعت دراسة وترجمة إفراج أحمد أمين محمود الكفراوي لمناقب أوحد الدين الكرماني -نشرة مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2011م- فلم أعثُر على رواية تثبت هذا اللقاء، وتعود الرِّواية إلى أفلاكي وجامي حسب تحقيق العلامة فروزانفر.
24- للتعرف على أثر الخضر في التراث الصوفي الإسلامي، راجع: أبو الفضل بدران، “الخضر في التراث العالمي”، نشرة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2012م، ص:88-106.
25- راجع: القونوي، “أخبار جلال الدين” – مرجع سابق، ص:208-213.
26- راجع: فرانكلين، “الرُّومي شرقًا وغربًا” – مرجع سابق، ص:458.
27- يُبالغ الأفلاكي في نسبة كرامات لمَوْلَانا من باب التعظيم؛ فيتحدث عن فترة تعلمه العلوم الشرعية وهي أنَّه عندما كان مَوْلَانا أستاذا لعلوم التصوُّف بالمدرسة المقدمية بدمشق، وبينما كان في نزهة، ارتفع بجسمه في الهواء وسط دهشة تلاميذه الذين تحوَّلوا إلى مريدين له منذ ذلك اليوم.
28- راجع: Clément Huart, «De la valeur historique des mémoires des derviches tourneurs» dans «Journal asiatique», sér. 11, vol. 19, p. 308-317، Les saints des derviches tourneurs. Récits traduits du persan et annotés (tr. of Aflāki [q.v.], Manāqeb al-ʿārefin), 2 vols., Paris, 1918-22. وأشكر الأستاذة عائشة موماد التي ترجمتْ لي بعضَ المواضع عن هذه النسخة، والاقتباس المدرج أعلاه (ص:201).
29- راجع: فروزانفر – مرجع سابق، ص:29.
30- راجع: “أنا ماري شيمل..العقل والتجربة العرفانية عند أهل التصوُّف”، ضمن كتاب “المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام”، تحقيق فرهاد دفتري، نشرة الساقي بيروت، 2004م، ص:200،201.
31- راجع: فروزانفر – مرجع سابق، ص:45.
32- السابق نفسه – ص: 48.
33- قارن السابق نفسه – ص:51،53.
34- راجع ص:207،212.
35- راجع ص:209.
36- السابق نفسه – والصفحة نفسها.
37- راجع ص:198.
38- ترجم رسائل مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي الأستاذ عيسى علي العاكوب؛ معتمدًا على نشرة توفيق هـ. سبحاني. ونشرتها دار الفكر، دمشق، 2008م.
39- راجع: فروزانفر – مرجع سابق، ص:225.
40- راجع: “فيه ما فيه”، لمَوْلَانا جلال الدين الرُّومي، ترجمة الأستاذ العاكوب، ص:32.

1,568 total views, 2 views today