د. محمد عبدالكريم الشحي

في الوقت الذي تتصدرُ أولوياتَ الدول: التنميةُ المعرفيةُ، والاقتصادُ والمجتمع المعرفي، والطاقة البديلة، والتفوق العلمي والصناعي وغيرها من رهانات الفارق الحضاري، تنشغل شعوبٌ ودول أخرى في معاناة يومية من تداعيات الفرز الطائفي وتحلل الدولة بسبب الاستقطاب الطائفي والسياسي والتناحر الذي يستمد شرعيته وقدسيته من نصوص وتأويلات أسبغ عليها المتاجرون باسم الدين لباس القطعية سندًا ومتنًا ودلالةً، في الوقت ذاته، تكشف عمان عن واجهة وضيئة من واجهات استقرارها وتفردها من خلال التناغم والتعايش المذهبي الذي تتمتع به في منطقة مأزومة طائفيًّا وأيديولوجيًّا وسياسيًّا.

لقد تيسر لي عبر مناسبات متفاوتة الأزمان لكنها متفقة الغاية والمضمون لمشروع بحثي أعمل على إنجازه، الالتقاء بمجموعة من المفكِّرين والمنظِّرين والعلماء عبر مقابلات خاصة كان من بينهم: الأستاذ الدكتور وهبه الزحيلي، آية الله أحمد مبلغي، الشيخ أحمد الكبيسي، الداعية البريطاني عبدالرحيم جرين، أ.د أحمد كمال إمام، د. أحمد عبدالعزيز الحداد، السيد عبدالله فدعق وآخرين غيرهم. تطرقت هذه اللقاءات «للحالة العمانية» المتمثلة في التناغم المذهبي الذي جنَّب السلطنة الانزلاق لنفق الفتن المذهبية التي تعجُّ بها المنطقة والتي تدخلت يد بطشها بقسوة في تحطيم المناعة ضد الفرز الطائفي وخلقت حركة «صفائح أيديولوجية» لا تعترف بترسيمات الحدود لما تتمتع به من قابلية أثيرية للتنقل العابر للتضاريس والجغرافيا.

فكانت القراءات والعناصر التي يراها العلماء والمفكِّرون ورأيناها في الكثير من الشهادات الموضوعية من النُخَب التي اقتربت من السياق العماني «كمراقب خارجي» تارة و«كمتعايش ومخالط» للشأن العماني تارة أخرى، تنطلق في الغالب من تقدير الوعي العالي لدى القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم بأهمية التناغم والانزياح الحكيم نحو المنطقة الفسيحة التي تلتقي فيها الأفكار والمذاهب وهي عزلاء من شغف التصادم والندية العنفية، هذه الرؤية السامية تم تجسيدها تشريعيًّا عبر النظام الأساسي للدولة في المادة (17 ): (المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقـوق والواجبـات العـامـة، ولا تميـيز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصـل أو اللون أو اللغـة أو الـدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي)، وكذلك عبر قانون الجزاء العماني من خلال المادة (130 مكررًا): (يعاقب بالسجن المؤقت مدة لا تزيد على عشر سنوات كل من روَّج ما يثير النعرات الدينية أو المذهبية، أو حرَّض عليها أو أثار شعور الكراهية أو البغضاء بين سكان البلاد)، فالسقف الذي تنضوي تحته مختلف شرائح المجتمع هو المواطنة التي لا مكان فيها لهويات تفتيتية تعمِّق التناقضات الثانوية على حساب المشترك اللحموي الانتمائي الأكبر وهو المواطنة. إن هذا التعايش الرَّصِين بين مختلف الطوائف والمذاهب وكذلك الأديان في عمان ما هو إلا نتيجة حتمية وثمرة من ثمار الارتباطات الدولية والسياسية الخارجية العمانية التي نأت بنفسها عن التدخل في شؤون الدول فجنَّبت البلاد ذرائع الآخرين لتصدير الأفكار اليقينية التي تتمتع بنواة عقدية صماء غير قابلة على الاندماج بل ومحفِّزة للصدام والتنافر والاقصاءات التي لا تتماشى مع راهنية التسامح والانصهار العماني في مشروع الدولة الحديثة.

إن التعايش المذهبي العماني الذي يقدم نموذجًا يحتذى به ما هو إلا التفات مبكِّر ويقظ لما توارثته الأجيال والحقب من تأريخ ناصع خالٍ من الاحتراب والمناوشات المذهبية، حيث خلت المبررات التي استلت تاريخيًّا سيوف العمانيين من أغمادها أو أطلقت زناد البنادق من كل غاية طائفية مذهبية وإن انغمست أحيانًا في الاقتتال السياسي أو القبلي. ويشير الباحث الدكتور زكريا المحرمي لمبررات عديدة لتأصُّل هذا التسامح في عمان في مقالته (عمان من التسامح إلى الانسجام – يرجع لها كاملة في مدونته) تناول أسبابًا عديدة للتعايش والتسامح لها علاقة بالجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا، وطبيعة المذاهب الموجودة السلمية كالإباضية والتصوُّف.

إن حديثنا عن الحالة العمانية يقودنا دائمًا للاحتفاء به كمنجزٍ أصيل يجب الحفاظ عليه، ولكن قلَّما نستطلع آليات ديمومة بل وتطور وتماسك هذا المنجز مستقبلاً، الأمر الذي أعتقد أنه سيتأتى من خلال تقصي وتمثُّل الدروس المستقاة من حالات كانت تعيش في ذات المرحلة من التناغم ولكنها خسرته، فأصبحت تعيش أزمة هوية حضارية بعد الانشطار المعنوي للنسيج المجتمعي والذي تسببت به إلتحامات الطوائف والمذاهب، ونصبها لأفخاخ المحاكمات التاريخية التي عبأت الوعي الجمعي بحتميات التصادم، واحتكار الحقيقة، والمطلقات والنهائيات، والتي آلت بالمجتمع وقادته للتآكل والانقسام ونشوء الفطريات الأيديولوجية وبالتالي الانكشاف الاستراتيجي العميق.

كيف هو مستقبل التعايش والتناغم؟ سؤالٌ طرحته على دولة الرئيس فؤاد السنيورة، في لقاء على هامش مؤتمر فكر 13 الذي نظمته مؤخرًا مؤسسة الفكر العربي بالمملكة المغربية، وعن الضمانات التي يراهن عليها اللبنانيون -مجتمع الطوائف المتعددة- لإبقاء لبنان لحمة واحدة، فأجاب بإيجاز عميق بأنها الرغبة الدفينة والمتأصلة في نفوس اللبنانيين لبقاء كيان الدولة متوحدًا مهما تجاذبته المتغيرات والمنعطفات.

من هنا، ولتعميق هذه الرغبة وتأصيلها في الذات العمانية، وكضمانات أرى أهميتها في الراهن العماني في هذه العجالة – فالموضوع بحاجة لمعالجة أكثر اتساعًا – أرى أهمية إعادة النظر في هيكلية التمثيل المذهبي في عمان من خلال مكتب إفتاء أو لجنة دائمة للفتيا تمثِّل جميع الطوائف حتى لا يكون الاستيراد للفتيا – التي أزعم أنها سياقية صرفة في الكثير من وجوهها- قناة عبور لما لا يتوافق والسياق العماني أو يبث فيه الالتباسات التي يتعذر رؤيتها وهي في حالتها الجنينية ويستعصي استئصالها حين تكون في عنفوانها وتخلُّقها البائن.

كما أعتقد أن المناهج التعليمية يجب أن تعنى بتعزيز قيم المواطنة، والحوار، والمصلحة العامة والتأسيس لأنساق معرفية إنسانية النواة والغاية، وأن يعاد النظر في إيقاف تدريس الفلسفة التي تربي العقل النقدي الموضوعي وتساعد على بناء مصفوفة القيم الضابطة للتفكير الحضاري المسئول، فالكثير من حالات التشنُّج الطائفي ما هي إلا محصلة فشل المناهج التعليمية في تهذيب العقل، والإعلاء من قيمة المعرفة على حساب الانفعالات والتعاطفات الحدية التي تصنع ومن ثم تخترق الوجدان العام الاصطفافي وتبث فيه روح الفرقة والانقسام.

ويجمع الباحثون كذلك على دور المجتمع المدني الفاعل والحيوي على تقليم وترويض الفكر الطائفي الذي يهدم تجارب التناغم والتسامح والتعايش، فالمجتمع المدني يوفر خيارات متنوعة للشرائح بدلاً عن انجذابها مغناطيسيًّا للأفكار الطائفية الاحتكارية دينيًّا وقبليًّا ومناطقيًّا، والتي تقدِّم نفسها كخيار أمثل في ظل غياب حيوية الحواضن الأخرى، وعليه فالقوانين المنظمة للمجتمع المدني، والحريات المدنية والحقوقية في السلطنة يجب مراجعتها جيدًا بحيث تكون قادرة على استيعاب ديناميكية المجتمع وتطلعاته المتنامية تعقيدًا وتنوعًا.

وأقترح إيلاء الهوية الدينية للدولة مزيدًا من الاهتمام وترسيخها كأحد أهم المدركات الجماعية، وهذا لا يتناقض مع الدولة المدنية التي ننشدها جميعًا، فعناصر الهوية الدينية هي التسامح والمساواة والتعايش والمواطنة المعرفية حين يتعدى الاعتداد بالمنجزات المعرفية الهويات المذهبية الضيقة ويتبنى منجزيها في احترام للآراء والخلاصات، إن ترسيخ هذه الهوية وتسويقها للذاكرة الجمعية وذلك من خلال – على سبيل المثال – المعارض والملتقيات والمؤتمرات والندوات والبرامج الإعلامية والدراسات والبحوث، سينتج عنه خلق مناخٍ تفاعلي مرشَّدٍ للمتغيرات والطارئات، قادرٍ على استدعاء فرادة التجربة العمانية في أي وقت للحؤول دون تمدد أي تهديد طائفي أو إقصائي.

وختامًا، المنجزات المعنوية كهذه الفسيفساء المرجعية الدينية للعمانيين هي مما ورثته الدولة الحديثة وعملت على ترسيخه وتعزيزه وسَنِّ التشريعات لضمانته، ويجب الآن المُضي قدمًا في سبيل استدامته وتطوير مناعته ضد عوامل التعرية الجارفة التي لا تبقي ولا تَذَر.

5,930 total views, 2 views today