سما عيسى

التراثُ المنسيُّ المغيَّب هو لُبُّ هذه التجربة السينمائية المتدفقة، وهي تخطُو بثقةٍ خُطواتها الأولى، نحو إضاءة ما هو حقيقي وجوهري في حياتنا وتكويننا. وجُرأة الطَّرح هي لغة السينما الأولى؛ لأنَّها الأكثرُ قدرةً على النفاذ والوصول منذ أنْ دشَّن المخرجُ الرُّوسي دزيغاروف فيلمه الوثائقي “الرجل الكاميرا” في العام 1929م.

التجربةُ السينمائيةُ هُنا -حتى وهي في بداياتها- تحملُ شغفَ الميثولوجيا، وتطمح إلى تقديم تجربةٍ ذات لغة سينمائية توازي الواقع؛ أي لا تكرِّره، ولا تنسخه، رغم أنَّها تنبثقُ منه وتعود إليه. وهي تجربةٌ تتميَّز بالبعدِ عن زرع الإجابات الجاهزة؛ لذلك ترفضُ أنْ تزرعَ الطمأنينة إلى ما هُو قائم ثابت ظاهريًّا، ومزعزع غير مُتجانس في أعماقه.

ولَرُبَّما يظهرُ تفسيرٌ ما بالنقد اللاذع الذي يُوجِّهه شريط نقاب إلى العادات والتقاليد، التي تقدِّم المرأة خيمة سوداء، يختفي بداخلهما جَمَال المرأة؛ وحجبها لهذا الجمال عن التفتح والانتشار، أو حتى في وقوف الفنانة موقفا إيجابيا، من الحياة العملية الخصبة التي ما زالت تحظي بها امرأة البادية، من قدرة على التعامل الرحب مع الآخر دون تحفظ أو خوف، وهو ما تفتقده اليوم امرأة المدن المقفل عليها خلف جدران الأسمنت والحديد.

وَمَا تُقدِّمه مُزنة المسافر عبر الفولكلور، أو التراث الشعبي عموما -سواء كان البلوشي، أو البدوي، أو الإفريقي- إنما هو إيمانٌ بوحدة التنوُّع، التنوُّع الذي به نقدر أن نعيش ونثري تجاربنا الإبداعية. وليس بالطمس الذي دون شك يعني فقرَ التناول الإبداعي لقراءة المجتمع واعتقاداته وتحولاته.

الأفلامُ الثلاثة محورُ الحديث عنها هنا، تذهب إلى اليوميات مُحتفية بالتفاصيل، مُبتعدة عن عموميات الطرح؛ لأنَّه من الجزئيات نستطيع الذهاب للكليات، والتي عبرها مُخالصة نطرح القضايا الكبرى كالهُوية والانتماءات الإثنية، وتأسيس المجتمع الواحد ذي الجذور المختلفة، لكنها أيضا المتحدة النقائض؛ لأنها تشكِّل تلاحماً وطنيًّا يُشكِّل الوطن الواحد أيضًا.

كَمَا أنَّها جميعا لا تطرح الحلول، قَدْر ما تُقدِّم الواقع. لذلك؛ جميعها تنتهي نهاية مفتوحة، طارحة الأسئلة فقط، فاتحة أمامنا جميعا استقبال الآخر بفرح مُطلق؛ وذلك يُشكِّل ثراءً، والخوف انتكاسة حالة عدم قدرتنا على قبول الآخر ومعرفته والإيمان بوجوده.

فيلم “دانه وانا ورحلتنا مع الماعز”
ففِي هَذَا الفيلم توثِّق مُزنة حياةَ يوم عادي في حياة امرأة بدوية، مُسلِّطة بذلك الضوء على نمط آخر من الحياة يقترب من الزوال والتواري. مع أنَّ الفيلم يُعبر سريعًا على حياة امرأة بدوية وأطفالها وأغنامها، إلا أنَّه يرصُد الكثيرَ من المفقود في حياتنا؛ مثل: علاقة المحبَّة والمعرفة التامة بين الإنسان والحيوان، ويقدم المرأة العُمانية في تجربتها العملية، وانعكاس هذا الطابع العملي على تكوين شخصياتها الواثقة لا الخائفة المرتبكة الفزعة خاصة من الرجل.

تَرْصُد اختلاف حُب الماعز عند الأجيال السابقة الذي يكاد اعتباره يكون مقدَّساً، ورفض الطفل شُرب الحليب لعدم استساغته لطعمه. غِنَى الفيلم بالتفاصيل يكمُن في الزجاج الأمامي المهشَّم للسيارة؛ أو غيرها من الجزئيات الصغيرة التي تتعاون معاً لإثراء المشهد الكلي.

وَبِالطَّبع، كان من الممكن أنْ تذهب مُزنة في هذا الفيلم إلى ما هو أبعد مما قدَّمته؛ لأن ما أمامها ثري ومُتراكم، وتناوله السينمائي محدود جدًّا. مُمكن جدًّا في مُقبل الأيام الذهاب إلى أبعد من توثيق صحراء اليوم الواحد، خاصة وأنَّها أهملت إظهار جماليات الصحراء، وارتباط الإنسان والحيوان بها، وخسارة أو فقدان هذا الارتباط الروحي أمام زحف المدنية، وهي تغيِّر معالم الحياة ليس في مظاهرها فحسب، بل في أعماق أبنائها أيضا.

فيلم “بيشك”
التَّجْرِبة هنا تختلف عنها في فيلم “دانة وانا ورحلتنا مع الماعز” فهي أكثر نُضجًا. هي وإنْ كانت تسير وفق النهج إياه، أي إثراء المشهد الكلي بتفاصيل الحياة اليومية لشخصيات الفيلم، هذه الشخوص التي حرصتْ مُزنة على تقديمها على فطرتها، مثلما هي في واقع حياتها، دون تصنع يذكر. حرصتْ مُزنة على تقديم الحوار بالبلوشية، وقدَّمت الشخصيات حياتها بصدق. وهنا؛ لا إشكالية في الهُوية وبحث الانتماء عن وطن مفقود كما هو في فيلم (cholo)؛ إذ لا تعارض على الإطلاق بين الانتماء الوطني وخصوصية الجذر.

في المشهد الأول من الفيلم، تتحدَّث امرأة مشيرة إلى مدينة مطرح قائلة: “هذه هي أرض أجدادي”. وما تُثريه مُزنة إذن، هو الخصوصية فقط؛ فالوحدة تأتي من التعدُّد، والخصوبة تكمُن في هذا الاختلاف، بل وفي هذا الاعتزاز بالجذر، فرحابة الوطن الأم هي مصدر الثراء. تلك هي رسالة مُزنة الأولى والأهم. والاحتفاء بالخصوصية يأتي لاحقا في اللغة، وطقوس الزواج المختلفة في أغنياتها وزف العريس عِوَضا عن زف العروسة، واقتناء ملابس ذات ألوان زاهية عرفن بها نساء المناطق الساحلية من عُمان عموما.

ذَكَاء المخرجة في التقاط تفاصيل تُثْرِي المشهدَ الكليَّ تكمُن في العودة لأرشيف صور العائلة؛ حيث نرى أنه أرشيف عسكري؛ فآباء وأجداد المرأة عملوا جنوداً في الجيش السلطاني في خمسينيات القرن الماضي. دُوْن شك تقدِّم المرأة هذه الشهادة كشهادة اعتزاز بتاريخها العائلي؛ الأمر الذي توظفه المخرجة جيداً ليس كأسلوب دعائي ساذج، بل كتأكيد على الانتماء الوطني عبر التاريخ.

فيلم “cholo”
فَازَ هذا الفيلم المتميِّز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان أبوظبي السينمائي، وقبله تمَّ اختياره كواحد من أفضل السيناريوهات المقدَّمة لنيل ثقة وقبول مهرجان الخليج السينمائي.. تأتي جُرأته في طرح الموضوع سينمائيًّا؛ موضوع: “الهوية المفقودة”، أو الحنين للجذر البعيد وراء البحار؛ من خلال صَبِي يفتح عينيه مُتسائلا وباحثا عن انتمائه المزدوج العربي والإفريقي في آن.

الاعْتِقَادات الشعبية توظَّف جيدا في الفيلم، خاصة من خلال أسطورة الوحش، الذي يتَّخذ أشكالاً مُتعدِّدة في خبز المندازي، وهو خوف يتجدَّد ليلا لدى الصبيين نظرا لليل الظلام السائد في إفريقيا، وما تُقدِّمه مُزنة أولا: عدم الارتياح الإفريقي لوجود الجذر العربي بينهما، إثر حادثة الاعتداء على الصبيين في السوق، وتهديد عصابة إفريقية لهما بالقتل إنْ اقتربا من السوق ثانية، وثانيا: تعويض ذلك لدى الصبيين برسم حروف عربية على رمل الشاطئ، ومحاولة قراءة اللغة العربية وكتابتها، وهي بالطبع كل ما تبقَّى لديهما من جذور بعيدة يحلُم الصبيان وصلها مرة أخرى، وهما يتطلعان للبحر، أملا في عبوره يومًا ما، عائدين عبره إلى مواطنهم الأولى.

مَا تُؤكِّد عليه مُزنة من خلال سير الأحداث في “cholo”؛ هو: استسلام الوالدين لمصيرهما في الانتماء الإفريقي، كمهاجريْن عاشا واستقرَّا في حياتهما الجديدة، خاصة الأب، رغم أنه مثلما تذهب أحداث الفيلم يعيش عدم استقرار أمني ونفسي لم يكُن ذلك كافيًا لزرع الاستقرار النفسي في الصبيين؛ إذ وهما يُدركان جذورهما الغريبة عن المكان يودان لو عادا من حيث أتت أرواح المهاجرين القدماء، ويعودون دون أن يسألهما أحد ما عَنْ سرِّ عودتهما إلى هذه البقعة من الأرض؛ لأنها كانتْ يوماً ما المنبت الأول لأسلافهما القدماء.

الحَياةُ في الأفلام الثلاثة التي تُقدِّمها مُزنة حياة مرحة ذات بهجة وتفاؤل، لا نلاحظها إلا نادراً في الإبداع العُماني المعاصر، المتهم بتشاؤمية تجاه الأحداث، وتقديم الإنسان مُغتربا عن واقعه رافضا إياه. ليس في هذا الطرح نقدٌ ما؛ فذلك حقيقي ومشروع في كلِّ زمان ومكان، إلا أنَّ الوجهَ الآخر الذي تُقدِّمه مُزنة، والذي يدفعنا للتعاطف العميق مع كائناتها، هو لأنها ذهبت إلى الطبقات الشعبية من المجتمع، والتي هي مُشبعة بحب الحياة رغم صعوبتها وقساوتها، والتي تعمل وتكدح بها، دون تذمُّر أو تأفُّف، رغم وقوعها في مُعاناة التهميش والفقر؛ لأنَّ المآسي هنا جزء من حياتها. والمآسي هنا لا تكف عن الرحيل والقدوم ثانية، مثل ذلك الأب الإفريقي ذي الجذور العُمانية في فيلم “cholo”، والذي يأتي ويرحل، ويرحل ويأتي، دون تذمُّر من الصعوبات المعيشية والإرهاق البدني والنفسي الذي وضعته الأقدار في سياقها، واقتناعه بأنَّه جُزء من هذه الدائرة؛ التي تَطْحَن ما أمامها، حتى يوم رحيله النهائي عن الحياة.

الطَّبَقَات الشعبية هي مَنْ حَفِظ التراث الشفهي العُماني، خاصة في جانبه الفولكلوري، وهي من حيث الألم المتواصل تعيشه يوما بيوم، فهو جُزء من همومها المعيشية؛ وبالتالي ليست بغريبة عنه وسلما هي كذلك؛ فالفرح أيضا جزء من يوميات الحياة بها؛ لذلك لا يوقف الحزن سيل الفرح بها، وهذا ما تقدمه مُزنة المسافر في تجربتها التي وإن كانت في بداية الطريق، إلا أنَّها تحمل في مكنونها تفجُّرات تجربة سينمائية قادرة على إضافة تجربة نوعية متميزة في الطريق الشاق نحو خلق التحوُّل الكيفي المنتظر من السينمائيين العُمانيين في قادم الأيام.

866 total views, 2 views today