أحمد بن سالم الفلاحي

تتأصل منظومة الوعي الاجتماعي عبر مراحل معرفية وسلوكية متعددة، يدخل فيها العُرف والعمر والتجربة والمعرفة، ومتى تحصلت عند الفرد جوامع هذه الروافد المعنوية كان له نصيب وافر فيما يُشَار إليه مِن وعي قد يبدأ فرديًّا، ولكنه يصب ريعه على المشهد العام للمجتمع، ومنه يمكن أَنْ يُشَار إلى هذا المجتمع أو ذاك على أنه مجتمع واعٍ بالقدر الذي يفصح عنه مِن سلوك، ومِن رؤى، ومِن فعل معرفي متعدد الأوجه؛ ولذلك تنطلق الأمم في مجموع أفرادها مِن قِيم مكتسبة، ومِن فعل حِراكها الاجتماعي الصرف، ومع مرور الزمن تمثل سياقا معرفيًّا تُبْنَى عليه الكثيرُ مِن الأحكام والرؤى، وعلى أساسها تصنف عَراقة المجتمعات مِن حداثتها، بحيث يصبح ذلك بمثابة المنهج الذي تسير عليه الأجيال لتواصل ما بدأه مَن سبقهم، عبر مراحل التكون الاجتماعي، فكما هو معلوم بالضرورة أن المجتمعات ترتقي معرفيًّا مِن خلال مجموع الخبرات، والممارسات التي يقوم بها الأفراد على مرور الزمن، وتأتي بعد ذلك الأُطُر الخاصة بكل مجتمع أو أسرة أو فرد؛ لتضيف أبعادًا مهمة في ثقافة السياق الاجتماعي بشكل عام، حيث تدعم هذه الأبعاد التوجه الجمعي العام لدى أفراد المجتمع، فترسخ فيهم قناعة الممارسة؛ ولذلك نلاحظ أنه لو خرجت بعض الممارسات قليلاً نتيجة اجتهاد ما، نجد في المقابل أَنَّ هذا المجتمع يثور ويرفض أي جنوح خارج عن سياق هذه القيم الفطرية أو المكتسبة؛ لأنها أصبحت قيمة اجتماعية يؤمن بها أفراد المجتمع، ويعدونها مرتكزًا مهمًّا في مواصلة حياتهم الاجتماعية من جهة، وفي تحديد هُويتهم أيضا من جهة أخرى.

وهذا ما أكد عليه الكاتب المعروف توماسيللو في كتابه «الثقافة والمعرفة البشرية» إذ يقول في هذا المعنى: «إنَّ أفراد البشر يكتسبون المعارف والمهارات والتمثيلات المعرفية، ويستخدمونها حسب الأُطر والرموز، أي حسب السياق الثقافي الذي يُولَدُون وينشأون فيه، ثم تُهَيَّأ لهم بفضل هذا الاستيعاب وتغير السياق الاجتماعي قدرةٌ على التعديل والتطوير والانتقاد ليتمثلها أو يتبناها الجمع بعد ذلك، لما فيها من جدوى ونفع. وهنا صورة للتفاعل بين ابتكار الفرد والنتاج المجتمعي، وكذا الإضافة المتواترة إلى الموروث عن السلف ضمانا لدينامية الحركة الاجتماعية».

فالقدرة على التعديل والتطوير حسب ما يؤكد عليه «توماسيللو» مهمة إضافية وضرورية في تعزيز الوعي الجمعي الذي نبحث فيه، وإلا تناسلت المجتمعات مع مرور الزمن؛ مجتمعات نمطية متكررة في فعلها، وبالتالي متشابهة في نتائج أفعالها، وهذا ما لا ينطبق على الواقع، ولا يقبل أيضا من أي مجتمع كان يعيش على سطح هذه البسيطة، ويتشرب بالوعي ليل نهار عبر منابع عديدة، وعبر وسائل متعددة، إلا إذا كان هذا المجتمع أو ذاك يعاني مِن شيء قاهر يحد من تشربه للمعرفة، ويحد من امتزاجه بالآخرين مِن حوله، ويغلق عليه منافذه وأبوابه، وهذا ما لا يمكن خاصةً في عصرنا الحالي بعد أن أصبح العالم اليوم قرية كونية، تسعى جل دول العالم -بما فيها القوى الكبرى- لأن تندمج مع الآخرين مِن حولها في صور من مشاريع العولمة، وهي كثيرة ومتعددة، إلا في الحالات الاستثنائية، وهي الحالات التي تتعرض دولها للاحتلال والحروب، والقلاقل الأمنية غير المستقرة.

وعند البحث في معززات الوعي اليوم بالتأكيد هي عديدة ومتنوعة، بدءًا من وسائل الإعلام، ووسائل الاتصال الأخرى التي تتعزز بوسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الشركات متعددة الجنسية التي تكتسح اليوم كل بقاع الدنيا بما تسوقه مِن ثقافة كونية لم تعد حكرًا على شعب دون آخر، فقيرًا كان هذا الشعب أو غنيًّا، مِن دول العالم الثالث أو الرابع، أو مِن دول العالم الأول الصناعي المتقدم، فلك أن تذهب إلى آخر قرية في أي دولة أفريقية كأحد الأمثلة -إن جاز التعبير- لتجد محلات الوجبات السريعة، وتجد الماركات العالمية من الملابس والسيارات وغيرها من منتوج هذه الشركات، حتى إنه مِن قدرة تأثيرها على الطرف المتلقي شكلت قيمًا جديدة، وفرضت على هذه المجتمعات البسيطة -التي للتو تبصر النور- أشياء جديدة عليها وعلى حياتها، فلم تعد الوجبة الرئيسية على سبيل المثال وجبة تقليدية معروفة في هذا المجتمع أو ذاك، وإنما أصبحت إحدى هذه الوجبات التي تُسَوِّقُها هذه الشركات، وإن كانت بعض الشعوب تأوي إلى فراشها بعد غروب الشمس مباشرة أصبحت تسهر الليل، حيث النوادي الليلية تغري زائرها الذي لا يمل، فلم يعد هناك فرق في هذه الصورة بين مختلف شعوب العالم، فالجميع يتقاسم هذه السلوك، أو الانفلات الأخلاقي وفق رؤية البعض المتمسكين على القيم الفطرية بيد من حديد؛ لأن اليد العادية لم تعد تستطيع المقاومة في ظل هذا الواقع الذي يصفه البعض بأنه «المخيف» وفي المقابل هذا ينفي النظرة الشديدة الخصوصية التي ننظر إليها نحن كشرقيين بأننا مستهدفين ومقصودين في تشظي القيم مِن قِبَل الآخر القادم إلينا بزحفه الشامل، فالكونية العالمية تزحف بكل ثقلها وشموليتها على كل جوانب الحياة، وعليك كمجتمع أنْ تكون أكثر وعيًا في المحافظة على شيء من خصوصيتك المحلية؛ لأن الذوبان المطلق في خضم هذا الزحف يقينًا سَيُمِيت الهُوِّيَّات؛ بل سينهيها إلى الأبد.

وحتى المُنَظِّرِين الغربيين يقرون بهذا التحول، ودور الوسائل ليس فقط في تعزيز الوعي الجمعي لسكان الأرض كلها؛ وإنما في تفكيك مجموعة الحزم الاجتماعية التاريخية التي تميز شعبًا عن آخر، حتى وإن حَاوَلَت بعض الشعوب في تأصيل قيمها الفطرية، وفي القبض عليها أيضا بيد من حديد، فلن تستطيع المقاومة، وماذا عساها أن تقاوم والكتلة الضاغطة أثقل مما قد يتصور من الكتلة الصادّة، يقول الكاتب مايكل كرانغ في كتابه «الجغرافيا الثقافية» ما نصه: «التلفاز يؤدي إلى وعي عولمي أو كوكبي معزز، إن لم يكن جديدًا تمامًا، وهو الذي اعتمد عليه عند التفكير في الاستجابات الحالية للأزمات العولمية. وشهدت الثمانينيات ظهور أحداث الإحسان ذي التوجه العولمي مثل المساعدة الحية، وقد استعمل هؤلاء التلفاز ليحملوا المشاكل البعيدة إلى الناس في حجرات جلوسهم في الغرب، ولم يستعملوا سرعة التلفاز في الإرسال فحسب؛ وإنما الصفة المباشرة للصورة وصلوها إلى الأفضية المنزلية الخاصة للمشاهدين لإقناعهم بقضاياهم، ويبدو أن التلفاز يقدم ارتباطًا بين العناية والمسؤولية بين أولئك الذين يوجدون جسديا في الأطراف البعيدة من الأرض». ولذا يبدو أن الحضور الجسدي حسب ما يرى «كرانغ» ليس مهما اليوم، فالحالة واحدة سواء كان في مصدر الفعل الموجه، أو في بقعة الفعل المتلقي أو المتأثر، في أي بقعة يكون، فكل البقاع وفق هذا السياق مشكلة حالة من الاندماج المستمر، ولا ندري حقيقة ما سوف ينبئ عنه الغد أيضا من تشظيات أخرى في هذه «الحزم الاجتماعية التاريخية»، لأنه حتى هذا التاريخ يخضع اليوم لفكر تفكيك النص، كما يدعو إلى ذلك بعض المنظرين في الشأن الاجتماعي والشأن المعرفي على حد سواء، وهناك حرص على ذلك، أو هناك صراع على ذلك أيضا، لأن المؤسسة الدينية يقينًا لن يرضيها هذا التوجه، وترى فيه تغريبا لواقع النص الديني على وجه الخصوص، الذي يجب أن يبقى هكذا بكتلته دون تفكيك.

مِن هذا المنطلَق يُعاب كثيرا في مسألة تقييم الأحداث عندما ينطلق هذا التقييم مِن رؤيةٍ خاصة، أو يُحشَر في هذه الرؤية دون أَنْ يُعطى الحدث أي حدث بُعدًا أكبر، سواء في وقته الحالي أو على المدى البعيد، فبهذه الرؤية الخاصة جدًّا تَتَقَزَّم قيمة الأشياء وتأثيرها، وإذا كانت هذه الرؤية مقبولة إلى حد ضيق جدا من فرد فإنها بكل تأكيدٍ غير مقبولة على الإطلاق مِن الجمع، وهذا يعكس وجها آخر لمستوى التطور المعرفي الذي لم يعد حِكرًا على فئةٍ دونَ أُخرى، فالجميع اليوم يتقاسمُ مستوى الوعي، نعم تظل هناك «التخصصية» فقط التي يجب أن يُوضَع لها اعتبار عند الحديث عن الوعي العام، أما بخلاف ذلك فلا ينبغي أبدًا أن يُقْصَى رأي عن السياق العام الذي وصل إليه مجتمع ما.

لذا هناك دول لم تستطع أن تحرر نفسها من الرؤية الضيقة -على مستوى القيادة فيها- فلم تَجْنِ في المقابل سوى التخلف والتقهقر والبقاء في آخر الصف -كما يقال- على الرغم مِن البُعد المعرفيّ الذي يتميز به أبناؤها، ذلك لأن التحرر من استحكام الذات أمر ليس يسيرًا على كل فرد، حيث يحتاج إلى أرضية خصبة تستلهم خصوبتها إلى مغذيات أساسية، فبالإضافة إلى التربية والتعليم وهضم القيم هناك التاريخ الضارب في القِدَم، فالمرجعية التاريخية مهمة جدا في مختلف الأدوار المنسوبة إلى الأفراد، وقد يقول قائل: ما علاقة التاريخ بالفرد الواحد في وطن كبير؟ تكون الإجابة على سؤال كهذا بأنَّ هناك علاقة عضوية شديدة القُرْبَى، فليس مِن اليسير أن يُؤْتَى بشخصٍ يعيش عَبر تدرجِهِ الاجتماعي في أحد الأدغال ويقال له: احكم دولة -على سبيل المثال- أو أي دور آخر، والواقع وأحداث التاريخ كثيرة التي تؤكد هذه العلاقة العضوية بين الفرد والمنجز الإنساني الذي يمكن أن يفضي به انطلاقا من الدور المسنود إليه، وهذه مسألة لا تقبل الأخذ والرد فيها.

مسألة التأثير، نعم، أَمْرٌ لا مَنَاصَ عنه؛ لكن الاستعداد الفطري يلعب دورًا محوريًّا في تعزيز هذا التأثير وتوظيفه التوظيف الجيد الذي يُضِيف رصيدًا منجزًا آخر يحسب لهذا الإنسان، ويكتمل المشهد أكثر عندما تكون هناك حالة عامة لمجتمع كامل يحظى بهذا التوازن في الرؤية إلى الأشياء مِن حوله، حيث القدرة هنا ليس فقط على تشكيل علاقات كما تقول الكاتبة فرجينا هيلد في كتابها (أخلاق العناية): «نحن عادة ما نتعلم أن نكون ذاتيين من خلال تفاعلنا مع الآخرين، على الرغم من أننا لسنا أسرى لظرفنا أو ما تَرَبَّينا عليه، إن علاقاتنا الشخصية والأسرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع الآخرين قد تَدْعَم أو تَرْدَع قدرتنا على الوصول إلى بدائل ذات جدوى، ونحن نتشكل ونقدر على تشكيل هذه العلاقات».

بل الحرص على دمج العلاقات مع بعضها البعض والخروج بمولودٍ جديد معبر عنا كمجتمع له خصوصيته، وينطلق من أرضية تاريخية خصبة بحضارتها هو الذي يعكس مدى ديناميكية أفراد المجتمع على تكوين صِيغ جديدة لحياتهم، وهذا لن يَتَأتى إلا مِن خلال وعي عام لدى أفراد المجتمع، يعطيه القدرة على إيجاد بدائل ذات جدوى، وهو ما أشارت إليه هيلد في مقولتها السابقة.

أختم هنا بالقول: إن الوعي الجمعي الذي نطمح أن نصل إليه كمجتمع يجمع مختلف العلاقات، وتتشكل رؤى أبنائه من مختلف المصادر المعرفية، ويتعرض في الوقت نفسه إلى مختلف أساليب الدعاية بمختلف مسمياتها -هو أن نعكس فعلا مستوى هذا الرصيد الكبير لهذه العلاقات كلها، والصور النمطية المتكررة لم تعد اليوم سلعة ذات جدوى، فهناك شعوب تعمل لتأصيل الفعل المنجز، والفعل القادر على إضافة لبنة جيدة ليس فقط على مستوى الوطن الذي ينتمون إليه -وإلا لما وصلت إلينا اليوم كل هذه المنتوجات المعرفية والتكنولوجية- وإنما مد العالم الآخر، وهو قريب قياسا بمفهوم القرية الكونية. إن اجترار المواقف المتكررة والابتعاد عن المساهمة الفاعلة في المساحة الممنوحة لكل شخص لم تعد سلعا يمكن ترويجها لتأصيل المواقف الشخصية -على سبيل المثال- وإنما التحرر مِن سلطة الذات هو الذي يُعول عليه -بلا شك- في إضافة لبنات جديدة على أرض الواقع، على الرغم من أن هذا الواقع ليس ملكا لنا كأفراد؛ وإنما نتقاسم مع آخرين في ملء كوبه ماءً. هذا مطلب حالم، قد يراه البعض؛ ولكن ما الذي يمنع أن نحلم بأن نرى مجتمعًا واعيًا بمعنى الكلمة، يكون إضافة رائعة للمجتمع الكوني، كما هي القرية الكونية؟!

4,543 total views, 2 views today