​عادل الفزَّاري

إحدى الرَّسائل التي وَصَلتني عبر برنامج “واتساب”، مُؤخَّرا، فاجأتني كثيراً، ووقفُ الفهمُ أمامَها حائراً مُستفهما؛ حيث كشفتْ بالفعل عن ثغرة معرفية كبيرة لديَّ على الرَّغم من سهولة السؤال الوارد فيها، والذي يتلخَّص في وجود مكتبات تبيع أو تُعِيْر كُتبا في محافظة مسقط؟ ورَغْم عِلْمِي بمَدَى بَساطة السؤال، إلا أنَّ التحدي يكمُن في الإجابة؛ حيث يَبْقَى الجانبُ الذي أصبح فيه بناني حائرا قبل الضغط على أيِّ زر للإجابة عن السؤال؛ فالسؤال هزَّني في العُمق، وفتح جُرُوحا حسبتها اندملتْ، وهو عن وجود المكتبات العامة، بل إنَّ قرارة السؤال تُنبئ عن وجود المكتبات وجوديا وليس مكانيا في حياتنا العادية؛ فالسؤال المطروح تجاهنا هو: أين المكتبات العامة التي بالفعل تستطيع أنْ تروي ظمأنا للقراءة منها؟ ليس في حياتنا العادية فحسب، بل في كل الأوقات، لا سيما أوقات الضرورة عند البحث عن معلومة، أو التأكد من صحة بيان أو مصدرٍ لبحث علمي، أو للاطلاع على تجارب مُختلفة من أنحاء العالم.

هذا السؤال بالذات أضاء لي بشكل مُتزايد جانباً حسبته مُشرقا لديَّ، وهو جانب القراءة باختلاف أهدافها، ونوعية الأدوار المطلوب من المكتبات أن تؤديها، والأهداف التي يجب عليها أن تحققها، لا أن تكون المكتبات عنواناً بريديًّا فقط، أو مجلسا عامًّا للمباهاة أمام الغير، وهذا ما ينقصنا في طريق الجهل إنْ فعلنا ذلك!

إنَّ القراءةَ تُمثِّل روح الحياة لدى الأفراد، وهي طريق المعرفة والرُّقي للقارئ على جميع المستويات، وهي ذخيرة لا تَنْفَد للفرد والمجتمع، وهي مُؤشر الثقافة وأسُّها، فكيف تقوم الحضارات بدون اطلاع وقراءة ومكتبات علمية متخصصة؟! هل كان العلماء والعباقرة وعلماء الحضارة الإسلامية عبر القرون إلا نتاج الجو الحضاري والعلمي والمعرفي السائد الذي ما كان ليكون لولا أن قَدَحَته كلمة “اقرأ” الخالدة؛ حيث تترابط العلوم مع بعضها البعض بطرق شتى، لكن تبقَى القراءة هي فاتحة الطريق لها؛ فلولا القراءة ما بدأتْ التساؤلات المختلفة للبحث العلمي والابتكار في شتى المعارف الإنسانية والعلمية.

إنَّ اللغة العربية بَحْر زاخر باللآلئ البراقة الثمينة، وقليل من يَغُوْص لاستخراجها، وهذا لا يتأتَّى إلا بالقراءة، ثم القراءة، ثم القراءة. وهل يكون الحديث إلا بالمفردات المكتسبة بالقراءة أو عبر الاطلاع على الكتب المعرفية المختلفة؛ وعلى رأسها القرآن الكريم، الذي هو الأولى بالقراءة من غيره؛ احتسابا للأجر، وتوسيعا للمعارف، وإثراء للمفردات اللغوية المختلفة لدى الشخص، والرغبة في استغلالها لبلاغتها وفصاحتها، فما جالستُ أصحابَ النظر والفهم يوما إلا واستفدت منهم فائدة عظيمة؛ فكم لنا فيهم من عِبَر وحِكَم! وكم لنا فيهم من فَخْرٍ لا ينقطع! فالقراءة هي مُفتاح العبور إلى الأمام؛ حيث يكمُن الجمال مع القراءة ومطالعة الكتب.

قبل فترة، انفضَّ سامرُ مَعرض مسقط الدولي للكتاب في أحدث نسخة منه، ولمَّا ينفض من أرواحنا المكلومة بفراقه، وهذا الضَّيف الغالي الذي يزُورنا في السنة مرة يتيمة، لمدة بسيطة نرقبها من الحول إلى الحول، ونرصد لها الوقت والمال، يأتي هذا الضيف الخفيف بسيطاً في حُلته، مَهِيْبا في طلعته كأنه قُدٌّ من نور له هيبة وجلال، وروعة وكمال، حلَّ ضيفنا أنيقا مهيبا في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض؛ فصادف الترحيب والإكرام، وارتشف الجميع من هذا المنهل العذب الذي لا يزال دافقا بالخير، مليئا بالمعرفة للجميع، وهبَّ الجميع بلا استثناء من أعلى الجبال إلى أدنى السهول للمجيء لرؤية مَنَاهل العلم، وخزائن المعرفة، وتيجان النور؛ فكان ملحمة ثقافية بحق، زادها وجود الفئات العمرية الصغيرة من طلاب المدارس، وربات البيوت اللائي انشغلن بشراء الكتب المفيدة لهن.

ولكن يبقى السؤال الأبدي هو ذاته: ما مَصِير الكتاب بعد ذلك؟ هل هو على رفوف الخزائن، أم على ألواح الخشب المتراصَّة بدِقَّة في مَدخل البيت، أو مفرش لأدوات المطبخ برفقة الزيوت والدهون؟ وقد لا يفعل البعض ذلك، لكن بالفعل توجد لدينا أزمة في فَهْم الحاجة لاقتناء الكتاب النافع والمفيد والمتوافق مع شخصية القارئ وحاجته له، ثم ماذا يكون سبيله؟

لقد خرجتْ علينا الصُّور المتداولة في وَسَائل التَّواصل الاجتماعي عن بعض المشاهير الذين يجرون الحقائب المليئة بالكتب، والتي للعجب العُجَاب تجد مُقابلها من يقول لك إنَّه يشتري للشراء مُتدثِّرا بحَمَاس القراءة التي ما تلبث أن تُذوى، وتنطفئ جَذْوة حب القراءة بعد أيام قليلة، لتجدها مُكدَّسة مع الكتب المشتراة من الأعوام الماضية.

إنَّ الحاجةَ لشراء الكتاب ليس تَرَفا، بل هو ضرورة في هذا العصر؛ فليس كالكتاب مُعينٌ لك في الدراسة والعلم، وليس كالكتاب منبعٌ للفهم والثقافة المختلفة، حتى وإنَّ جاراه الكتاب الإلكتروني في هذا، ولكن يبقى لكلٍّ لذته، وأحسب أنَّ اللذة هناك مع تصفح الورق وقلب الكتاب ومطالعة محتوياته، لتخوض تجربة معرفية عميقة تترافق مع أحاسيس جسدية رائعة بذلك الملمس الناعم للورق الذي يطربه صوت تقليب الصفحة بكل حذر، وبحث العين بكل سرعة عن بداية السطر الأول في الصفحة الجديدة، وما أروعه من شعور مُتجدِّد كالسكران الذي لا تنتهي سكرته إلا أردفها بأخرى؛ فهو في حالة نشوة دائمة.
الجميعُ بلا استثناء يتَّفق على أهمية القراءة، ولكن آليَّات التنفيذ تختلف؛ فمنهم من لا يُحرِّك ساكنا، والبعض يسعى للحراك المعرفي بطرق شتى؛ ولعل أهمها على الإطلاق: تكوين المكتبات المعرفية في البيوت والمساجد والأحياء السكنية ومقرات الفرق الرياضية. وأبرزها هو تلك الثروات المعرفية الموجودة في البيوت الخاصة للأفراد التي تضمُّ بلا أدنى شك الكثيرَ من العناوين المهمة -القديمة منها والحديثة- وتعزز من المستويات الثقافية لصاحبها، وهذه المكتبات من جانب آخر تتجه نحو التخصُّصية في محتوياتها، وهذا هو الجانب المهم لتخريج أفراد وأفواج من القراء عاليي التخصُّص في مجالهم، وهذا تواصل للمكتبات الرئيسية لدى العلماء والشيوخ التي تأتي من صميم العصور الماضية، التي أبرزت أهمية العلم والقراءة ولو على ضوء السراج.

لقد مرَّ يوم 10 مارس عَلَيْنا كيومٍ عادي في حياتنا، ولم يعرف الكثيرون أنه يوم المكتبة العربية، ولم تفرخ الصحف إلا تقريرا وحيدا تلاشى خجلا تحت ضوء أخبار الندوات والمؤتمرات والافتتاحات الفندقية الكثيرة. ولعلَّ أبرز ما ينبغي أن نذكُره هُنا اقتباسٌ من التقرير هو أرقام إحصائيات المنظَّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الإيسيسكو”، والتي تقول بأنَّ مُعدَّل القراءة لدى الأفراد في الوطن العربي هو 6 دقائق في العام، بينما مُعدَّل القراءة في دول أخرى هو 36 ساعة في العام، وشتان بينهما، ويتم نشر كتاب واحد لكل ربع مليون شخص في العالم العربي سنويًّا.

لكن، كيف نطوِّر القراءة، وننغمس في لذتها، وأنفسنا قد لا تحب ذلك بسبب كثرة الملهيات والمشتتات، ولكن مَنْ نحن حتى نكره القراءة ونحب الجهل؟! هل عقولنا عاطلة بالفعل وتم تغييبها عن عَمْد لصالح القنوات الإعلامية المختلفة المرئية والمسموعة والإلكترونية؟! لذلك فتعزيز حُب القراءة مُهم جدًّا، ويجب غرسه في النفوس منذ النشء عبر نشر ثقافة حب الكتاب، والإقبال عليه، والسعي لامتلاكه، وتبيان أهمية ذلك، والسعي لإنشاء مكتبات في بيوتنا، وأن لا نجعلها خاوية على عُروشها من الكتب، إلى جانب تعويد النفس على البحث عن المفيد من الكتب، ومتابعة دور النشر والمكتبات المختصة، ووَضَع أهدافا محدَّدة المدَّة تجعلنا نحققها بكل شغف.

كذلك البرامج الإذاعية والتليفزيونية لها دَوْر كبير هي الأخرى في تعزيز هذا الدور، عبر الحديث باللغة العربية الفصحى بين المذيعين ومقدِّمي البرامج الإعلامية الأخرى، وهذا الكلام ينسحب على الكُتَّاب والأقلام الصحفية في الصحف المحلية التي يجب عليها تطوير الأساليب اللغوية المستخدمة في الأخبار، والتدخُّل لرأب الصدع بين المعنى والكلمات، والعمل على إثراء هذا الجانب بما يكفل لكافة القرَّاء الكلام اللغوي السليم، والكلمات المناسبة للقراءة التي تستطيع إيصال الرسالة الإعلامية الواضحة لكل الناس بلا استثناء.

المبادرات القرائية المدرسية لا تنتهي لتعزيز القراءة -كمبادرة “قطار العلم” أو “أمير القراءة”…وغيرهما- وهذا بالفعل ما نحتاجه من مبادرات لتعزيز القراءة التي إن أدرك المجتمع أهميتها لاختفتْ الكثيرُ من الظواهر التي تتناسب مع القراءة؛ مثل: الضعف القرائي لطلاب المدارس، والفقر في مُفردات اللغة لدى البعض الآخر. ولعلَّ تعزيز الثقافة القرائية والمطالعية حتماً سيُوجِّه المجتمع لعصر جديد ومختلف، وسيؤدي -بلا أدنى شك- إلى اختفاء بعض الظواهر لارتفاع ثقافة الفرد في المجتمع كالتسرب المدرسي وجرائم الأحداث؛ لأنَّ الحدثَ سيعرف بحكم القراءة أن هذا ليس من شيم القارئ الذي يعطي الكتاب حقه وللمجتمع حقه؛ من حيث احترام النفس أولا، واحترام الآخر دائما.

إذن؛ الطريقُ إلى المجد يبدأ بالقراءة، اقتنصوا فرصَ الفراغ واملؤوها بالقراءة والمطالعة، وزِيْدوا من حصيلتكم الثقافية ودبجوها بالمعرفة؛ فالكتاب هو البساط السحري المهمل الذي لم نلتفت إليه لينقلنا إلى سماوات الإبداع. وحتما، فإنَّ هذا البساط لن يطير دون الكلمة السحرية وهي القراءة، ولن يتحرك بدون الوقود السحري العجيب المسمَّى بـ”الكتاب”.

553 total views, 5 views today