Sadiq Jawad

د. صادق جواد سليمان اللواتي

كمبدأ ومنهاج الوسطية مفهوم عريق تعددت صياغاته في أدبيات الأمم، ومنها توصيف أرسطو الإغريقي له بالوسط الذهبي (the golden mean) هي أيضا مفهوم عربي قالت العرب فيه:  خير الأمور أوسطها،  ولا إفراط ولا تفريط.  وهي فوق كل ذلك مفهوم قرآني جاء متجاوزا نطاق المسلك الفردي إلى سلوك الأمم حيث خاطب القرآن المجيد الأمة المسلمة الناهضة بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾.  المعنى الموسع هنا: بما أتيتم من الرشد، ولقنتم من مبادئ الصلاح وقيم البناء، أصبحتم مستوعبين سياق الشأن البشري عامة، وصرتم على بينة من أسباب انتهاض الأمم وارتكاسها، وبذلك أضحت لكم أهلية أن تشهدوا على سائر الأمم مدى التزامها بتلكم المبادئ والقيم، وترتب عليكم تنبيهها حيثما يقع منها قصور أو تقصير.  واضح طبعا أن الأمة الإسلامية في عصرنا ما عادت تمتلك أهلية وافية لمثل هذا الدور الوسطي، فهي في ذاتها أمست مبتلية بقصور وتقصير.

في موقع آخر، يصف القرآن الكريم شخصا أكثر عدالة بين قومه بأوسطهم.  يأتي المعنى في سياق قصة: أن نفرا من الأثرياء وجماعة من الفقراء تعاهدوا على استصلاح أرض وزرعها على أن يتقاسموا محصولها بالتساوي. قام الفقراء بكل جهد الحرث والزرع والسقي. لكن الأثرياء بيتوا غدرا. عشية الحصاد، على حين غفلة من الفقراء، سارعوا لنهب المحصول كله. لكنهم لقوا المزرعة خاوية قد أتلفتها ريح عاصف. فتحسروا، وندموا على ما بيتوا من ظلم. هنا يروي القرآن الكريم: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴾ (أي لولا تمجدون الله فتقسطون). ﴿ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾.

ضدُ الوسطية تكون الطرفية. الطرفية من الطرف وهو آخر الشيء، أكان من عاليه أو سافله أو سائر جوانبه، كما في الآية: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾ … الدلالة هنا أن التناقص قد يبدأ من الأطراف، كما مثلا في التصحر. وقد يحدث هكذا في جسم حيوان أو إنسان عندما ينشأ مرض في طرف منه ثم يسري إلى الأعضاء الحيوية في وسط الجسم، فيودي بالجسم كله. وقد يحصل التناقص في أهلية الإنسان عندما يتطرف تصرفه إزاء أمر ما، فإن لم يتدارك ويصحح تطبع تصرفه على التطرف في سائر تعامله مع الأمور. وقد ينشأ التناقص في المجتمع عندما تتطرف قلة فتجر كثرة إلى التطرف، وهناك توصم الوسطية بالجبن والخذلان.

التطرف في النسق السياسي-الدبلوماسي الذي نحن هنا بصدده يعني أخذ طرف محدد من قضية ما دون الاحتفاء بالقضية ككل. المتطرف من موقعه لا يستوعب القضية بكليتها، لذا لا يُعنى بها ككل. رؤيته مبتورة وهمه مختزل. وهو إذ يتصرف من هكذا رؤية وهمٍ محدودين يغفل عما للقضية من أبعاد متشعبة تستدعي الحكمةُ أخذَها مجتمعةً بشكل متوازن، كي تتكامل المعالجة فلا يأتي الحل المنشود منقوصا أو مفرطا أو مفرّطا في القضية من أي جانب هام.  ثم إذ يتطبع التطرف لدى المتطرف، فردا كان أو جماعة، فإنه يسري في عموم تعامله مع القضايا وفي عموم مسلكه مع الناس.

على نقيض ذلك، الوسطية يؤتىَ لها بممارسة الاعتدال. الوسطية تعني التمحور وعياً في وسط القضية، حيث الرؤية كاشفة، والفهم شامل، والواقع مدرك بمختلف أبعاده، وحيث الاهتمام بالقضية لا يأتي منصبا على جانب محدد منها مع إهمال جوانب أخرى هامة، بل قد تكون هي الأهم. بهذا المعنى الوسطية لا تعني مسك العصا من الوسط، أي تبني أنصاف الحلول. هي بالأحرى تعني التمركز في نقطة الوسط التي منها وحدها تتاح الإحاطة بكل ما هو في دائرة النظر والتقرير. ذلك أن من نقطة الوسط في أيما دائرة تكون المسافة متساوية إلى أيما نقطة على المحيط.

كما التضاد بين الوسطية والطرفية، كذا التضاد بين المغالاة والاعتدال. المغالاة هي المبالغة في قضية ما لدرجةٍ تُفقد المُغالي مصداقيته، فلا يُعاد يُعتد بقوله وإن صدق، وتُفقد القضيةَ اعتبارها، فلا يُلتفت لها بجد وإن كانت لها جدارة. المغالي، بذلك، يبخس نفسه حقها، ويضر بقضيته من حيث يريد نفعها، وينفر الناس عنها من حيث ينوي استمالتهم لها. لاحظ الإمام علي ظاهرة الغلو هذه فيمن أفرط في حبه من الناس وفيمن أفرط في بغضه، فقال بحكمته المعهودة: هلك في رجلان: محب غال ومبغض قال.  وجاء القرآن الكريم ينهى عن الغلو في الدين: ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ … أذكر أنني عندما استشهدت بهذه الآية في مؤتمر دولي قبل سنوات للتدليل على أن القرآن ينهى عن الغلو في الدين، اعترض علي أحد المشاركين أن هذا الخطاب موجه إلى أهل الكتاب. قلت نعم: لكن المسلمين ليسوا مستثنين. وأضفت أن من أدب القرآن قوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾.  وقلت أنه لا يأتي في القرآن ندب إلى صلاح أو زجر عن فساد إلا ويكون أفقَه الناسُ أجمعين.

إلى جانب التضاد بين الطرفية والوسطية، وبين الغلو والاعتدال، هناك التضاد بين الإفراط والاقتصاد. الإفراط هو الإكثار من الشيء حتى الهدر، أي إهدار المورد إسرافا وتبذيرا لحد الإضرار بالنفس والغير. الاقتصاد هو تصريف المورد قصد تحقيق منفعة بينة، ومن ثم صيانة المورد وإنمائه، خاصا كان أو مشتركا كالمال العام. الإفراط يحدث عن جهالة أو حماقة أو بطر، أو بتلكم مجتمعة. الاقتصاد يمارس بحصافة النظر وبالتبصر في عاقبة الأمور. يشير القرآن المجيد إلى ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ (لو أنهم ساروا على سبل الصلاح المبينة لهم وحياً) لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ( لعمهم اليسر) مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ( رصينة التصرف بالمورد) وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ. (بما يسرفون ويبذرون) ﴾.

أخيرا، هناك التضاد بين التعصب والصفح. التعصب هو التحزم ضد الآخر، فردا كان الآخر أو جماعة، بمبرر أو بدون مبرر. الصفح هو التعامل مع الآخر بسماح حتى حيث يكون الآخر قد أخطأ أو أساء. في القرآن يُدعى النبي ليصفح، ويُذكّرُ بأن الله يحب المحسنين.  يقول القرآن الكريم: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلََ﴾.  ولواليه الذي يوجهه إلى مصر، وجُل أهل مصر بعد لم يدخل الإسلام، كتب الإمام علي عهدا مفصلا ينصحه فيه: وأشعر قلبك الرأفة بالرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.  نعم لقد لاحظ ابن خلدون أن العصبية تمكن من استجماع القوة والاستيلاء على السلطة.  نعم لا يزال هذا أمرا واقعا حيث الفئوية تتنفذ أو الطائفية تسود أو القبلية تتحكم.  أما حيث تكون المواطنة هي الإطار الجامع والمساوي بين أهل الوطن الواحد، وتكون مبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان هي المرتكزَ والمحتكم، فإن الأمة تقرر أمرها وتدير شأنها بالشورى (أي المبدأ الديمقراطي) من خلال مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وفق دستور مؤصِل للدولة مُجمَع عليه.

ما علاقة هذا الذي استعرضناه بالعمل السياسي- الدبلوماسي؟  للإجابة، لنلاحظ ابتداء أن العمل السياسي-الدبلوماسي أهم أنواع التعامل بين المجتمعات لكونه معنيا بتنظيم ورعاية العلاقات بين الدول. ولأن الدول كيانات منظمَة متنفذة مستقلة سيدة ومعضدة بقوة عسكرية، فإنها تتصرف في الخارج بشكل ناجز وحازم، ساعية بقوة في تحقيق مصالحها، ذائدة بقوة عما تراه من حقوقها، وصادة بقوة ما تعتبره ماسا بسيادتها أو منتقصا من قدرها أو مضرا بمصالحها. من هنا يتسم التعامل ما بين الدول أسلوبا ومضمونا بدرجة كبيرة من الحساسية والغيرة والحرص، الأمر الذي يستدعي من الدبلوماسيين درجة فائقة من الدقة والوضوح في التخاطب والتفاوض، ودرجة عالية من الأداء الحصيف. كل ذلك في إطار المعاملة بالمثل، أو طبق المبرم من معاهدات وتفاهمات.

الحرص على سلامة التعامل بين الدول إذن بالضرورة يتطلب الابتعاد عن التطرف، الابتعاد عن المبالغة، الابتعاد عن الإفراط والتفريط، الابتعاد عن التعصب.  في المقابل هو يستلزم انتهاج النهج الوسطي على الصعيدين السياسي والدبلوماسي معا في نسق إيجابي واع ومراع لمختلف الاعتبارات ذات الأهمية لدى كافة الأطراف. من هنا لزومية الصحة والإتقان في كل ما يجري التعامل فيه، ثنائيا أو دوليا، على صعيد تخاطب أو تفاوض أو تعاون بين الدول.

ما معالم النهج الوسطي في الأداء والخطاب على الصعيدين السياسي والدبلوماسي؟  ابتداء، لعلنا نمايز بين العمل السياسي والعمل الدبلوماسي، فمع كونهما صنوين في مجال إدارة ورعاية العلاقات ما بين الدول، إلا أن لكل منهما مجال متمايز عن مجال الآخر.

للدبلوماسية وجهان: وجه يُعنى بالمسلك، ووجه يتصل بالموضوع. بالمسلك نقصد حسن الأسلوب في عموم التواصل مع الآخرين. بالموضوع نقصد وجود كفاءة معرفية عالية في الأمور التي يجري التعامل حولها بين الدول. ولأن أداء العمل الدبلوماسي يتطلب، بل يشترط، أهلية في الاثنين معا، فإننا في العادة نفكر في الدبلوماسي كشخص مالك للشرطين معا: أي إنه – أو إنها – شخص يفترض أن يكون مهيَأ مسلكا وموضوعا لأداء مهام يتطلب أداؤها وفورا في التهذيب إلى جانب وفور في الفهم المتقن لمضامين الأمور.

للسياسة أيضا معنيان: معنى يقابله لفظ policy، ومعنى يقابله لفظ politics.  في المعنى الأول نقصد منهاج العمل الذي يتقرر ويزمع انتهاجه في شأن من شؤون الدولة، كأن يكون منهاجا اقتصاديا أو اجتماعيا أو تعليميا فنتعارف على تسميته سياسة اقتصادية أو سياسة اجتماعية أو سياسة تعليمية. بالمعنى الآخر – أي ما يقابل لفظ politics –  نقصد ما ينشأ عادة من تناظر أو تنافس أو أحيانا تنازع  بين الآراء لدى القائمين  بمهمة تقرير النهج السياسي. وهنا يمكن أن نلاحظ وجه الشبه، أو القاسم المشترك، بين الدبلوماسية والسياسة من حيث انطواء كل منهما على ما يتصل بالأسلوب من جهة وبالموضوع من الجهة الأخرى، معا في تكامل.

بيد أن الدبلوماسية غير السياسة. الوظيفة الدبلوماسية تتعامل بالشأن السياسي، لكنها لا تصوغ السياسة.  لتاليران، وزير خارجية نابليون، يعزى القول المأثور أن الدبلوماسية هي خط الدفاع الأول عن المصالح الوطنية.  أما خط الدفاع الثاني فهو القوات المسلحة للدولة.  مغزى ذلك: أن فشل الدبلوماسية قد يؤدي لحرب. من هنا القول بأن سياسة جيدة يمكن أن تحبطها دبلوماسية رديئة، فتوقع الأمة في صراع مسلح، وفي المقابل، القول بأن دبلوماسية جيدة يمكن أن تخفف من مضاعفات سياسة رديئة، فتجنب الأمة وبال القتال. أما حيث تكون السياسة سديدة والدبلوماسية حصيفة، فنتائج جيدة تتحقق وتعود على الأمة بوافر خير. أما حيث السياسة والدبلوماسية معا في تخبط، فكارثة تحدث أو تنتظر الحدوث.

بقي أن ألاحظ أن وزارة الخارجية هي أساسا مؤسسة دبلوماسية. السياسة الخارجية لا تقرر حصرا بين جدرانها. هي في الواقع تقرر خارجها على مستوى أعلى وأشمل حيث تؤخذ في الحسبان الاهتمامات الوطنية للدولة في شتى الحقول: سياسية، دفاعية، اقتصادية، اجتماعية، علمية، بيئية، وغير تلك. السياسة الخارجية تسعى دأبا لتحقيق أحسن النتائج في كل تلك الاهتمامات الوطنية من خلال التعاون والتنسيق مع الدول الأخرى، وفي سبيل ذلك يوكل لوزارة الخارجية توظيف الخبرات المهيأة ضمنها خصيصا لأداء مختلف أوجه العمل الدبلوماسي في تنفيذ السياسات المقررة وطنيا في مختلف المجالات.

ما هي أهم عناصرِ أداء دبلوماسي فالح؟  هناك خمسة عناصر أراها على رأس ما ينبغي للدبلوماسي أن ينميها بدأب في خبرته حتى تستقر لديه كطبع سائد: العناصر هي:

1)  المعرفة المعمقة.  2) التنظيم. 3) التهذيب. 4) الاستقامة.  5) التدوين.

لجميع هذه العناصر لزوم جذري في المنهج الوسطي. بمعنى آخر، بقدر ما ترسخ هذه العناصر في قابليات الشخص الدبلوماسي فينطلق أداؤه مفعلا بها، بقدر ذلك يكون أداؤه مرجحا للتوفيق.

التهذيب أداء ظاهر في الخارج، والاستقامة حال مستقر في الداخل. التهذيب في الخارج من دون الاستقامة في الداخل ضرب من الخداع، وسرعان ما هكذا يتكشف للآخرين إذا استمر. الاستقامة في الداخل من دون التهذيب في الخارج ضرب من الضياع، وهذا أيضا سرعان ما يظهر قصوره في الأداء. الأمثل أن يترافد التهذيب والاستقامة لدى الشخص السياسي الدبلوماسي سجية، فيتسق ظاهر أدائه بباطن تفكيره، وباطن تفكيره بظاهر أدائه. بذلك سرعان ما تتضح صدقية الشخص للجميع فينتج جراءه تقدير خاص له لدى من يتعامل معه، أكانوا أقرانه في العمل أو نظراء من الدول الأخرى، ومن ذلك ينبني له رصيد ثقة واعتماد.

بهذا المعنى المنهج الوسطي ضابط للعمل السياسي والعمل الدبلوماسي معا: ضابط للخطاب والأداء معا، وضابط للمنطلق الفكري والمؤدى العملي معا. ذلك أن المنهج الوسطي يبتعد عن التطرف والمبالغة والإفراط والتعصب، ملتزما الرصانة في المنطق، الموضوعية في العرض، والإخلاص في المسعى لأجل التوصل لمعالجات مرضية للجميع في القضايا قيد البحث. لا يجدي السياسي أو الدبلوماسي كثيرا في أيما تباحث أو تفاوض حول قضية ذات اهتمام مشترك مع فريق مقابل أن يظل حاصرا الحديث في اهتمامات بلده دونما إبداء تفهم لما للبلد المقابل إزاء القضية ذاتها من محاور اهتمام. المنهج الوسطي باستيعاب اهتمامات الآخر يرمي إلى صيغة تعامل مع القضية تنطلق من نظر وسطي مراع لاهتمامات الجانبين، وبذلك يؤصل لمنهاج تعاوني فالح للتعامل مع أيما قضايا تستجد مستقبلا بين البلدين. ولعلي ألاحظ هنا أن الفشل في تفهم اهتمامات الآخر واستيعاب منظوره يشكل أحد أخطر عوامل الربك والإخفاق في التعامل السياسي الدبلوماسي بين الدول في العصر الحديث.

التعامل السياسي بين الدول في توسع وتشعب وتطور باطراد. مواقف كانت تعد طويلا ثوابتَ في سياسات الدول ما عادت تعد ثوابتَ ممتنعةً حكما على أي قدر من حراك اجتهادي جديد.  السياسات اليوم ما عادت محكومة تحديدا بمصالح راكدة أو إيديولوجيات مستحكمة، بل أضحت محل مراجعة موضوعية براجماتيكية. ثم إن الحراك الاجتهادي في مسار سياسة أيما دولة مرارا ما يتجاوز حيز الجيرة أو حدود الإقليم، وكثيرا ما ينطلق إلى الفضاء العالمي الأوسع في العلاقات الدولية. الدبلوماسية بدورها واكبت هذا الحراك فشهدت في العقود الأخيرة تطورا متزاخما في أساليب ومنهجيات التواصل والتعامل والتواجه والتفاوض ما بين الدول، القريبة منها والبعيدة.

خلاصةً وختاماً، الدولة العصرية السوية لم تعد تُعنى بتحقيق مجرد كسب آني أو منفعة مادية عاجلة من خلال التعامل مع دول العالم.  إنها تُعنى أيضا، وبقدر لا يقل، بإنماء انطباع حسن عن نفسها عالميا: انطباع يغدو رصيدا لها لدى سائر الدول ومصدر تعاطف وتعاون إذا ما ألم بها عنت جراء حادث داهم أو ظرف عصيب.  إنها تبني ذلك الرصيد عن طريق برهنة رصانتها في الخطاب، رجاحتها في النظر، صدقيتها في التعاون، وتأييدها لكل مجهود دولي هادف لتعضيد الحقوق والاستحقاقات الإنسانية، الحداثية والحضارية بسواء.  بتعبير آخر، إنها في الوقت الذي تبقى مرتكزة في ثقافتها ومتميزة بهويتها بين الأمم، تنتهج النهج الوسطي سياسيا ودبلوماسيا في التعامل مع الجميع في كل مكان على ظهر هذا الكوكب السيار.  إنها تنطلق من اعتبار الأرض موطنا مشتركا بين الناس كافة، وتعتبر الناس كافة إما إخوة أو نظراء، تحت عناية رب رحيم. وعسى بمثل هذا النهج الرشيد أن يعود للأمة الإسلامية من جديد دورها الوسطي فتشهد على نفسها قبل أن تشهد على الآخرين أو عليها يشهد الآخرون… ثم بتدافع مع الجميع تدفع بالإنسانية جمعاء نحو مراتب متراقية من التحقق الحضاري المفعم بالخيرات، المبتعد عن شرور التطرف والغلو والإقراط والتعصب … الشرور التي تحجب الاستبصار بإعماء القلوب التي في الصدور.

3,098 total views, 2 views today