م. إلهام الهلاليَّة

يُعتبر فنُّ المعمار -باختلاف مجالاته- أحد الفنون المتبادَلة بَيْن الأمم والشعوب؛ حيث كان لكل أُمـَّة طابعها المعماري الخاص بها نتيجة لنمط معيشتها وعاداتها وتقاليدها؛ ليظل طابعها الفني العريق الذي تفخر وتعتز به، ولتصبح واجهتها الرئيسية لثقافتها وحضارتها.

والمُتأمِّل في النِّتاجات الفنية للإنسان عبر تاريخ الأمم والشعوب، سيجد كمية التداخلات في السِّـمات والخصائص التي استلهمها صانعوها من الطبيعة والبيئة والظروف المحيطة بهم؛ كالتبادلات التجارية، والفتوحات العسكرية، والسفر، والتبادلات العلمية والفنية؛ حيث نجد أنَّ بعضَ الشعوب صنعتْ لنفسها هُوية فنية استطاع الإنسان القديم توثيقها بجماليتها ومميزاتها.

وفي هذا المقال، ارتأينا أن نسلِّط الضوءَ على جُزء من أجزاء فنون العمارة، والذي يتمثَّل في الزخرفة؛ حيثُ تُعتبر الزخرفة أحد أساليب الفنون التي خلقها الإنسان البدائي منذُ قِدَم وجوده على وجه هذه الأرض؛ لذلك نجد أنَّ الزخارف حاضرة في أدواته ومُختلف حاجياته برسومٍ وألوانٍ عفوية تعكس فِكرهُ وثقافتهُ في كل حقبة.

ومع التطوُّرات الحياتية والثقافية التي عاشها الإنسان الفنان بمرور الزمن، نصل إلى بُؤرة الجمال والفن، والتي أثمرتْ خصائص فنية جديدة، تكمُن في حقبة العصر الإسلامي، والذي يُعتبر عصراً جديداً للإخراجٍ والإنتاجٍ الفني والإبداعي المُستلهَم من الدين الإسلامي بشكلٍ أساسي؛ حيث إنَّه دَفَع الفنان المسلم لابتكار أنواع جديدة من الزخرفة، والتي لم تكن معروفة من قبل.

والنَّاظر لتطوُّرات فنون الزخرفة عبر رحلة الإنسان والفن، سيجد مَدَى تطوُّر التعبير الإنساني وارتقاء جمالية نظرة النفس البشرية للكون، ومدى انعكاس ذلك إيجابيًّا وجماليًّا على الماديات المحيطة به؛ من مبانٍ وعمائر وتحف متوارثة وخزف وأقمشة وسجاد ومعادن وجلود وورق…وغيرها.

والزخرفة -مفهوماً- تتمثَّل في الفن الذي يهدف للبحث والتعمُّق في فلسفة التجريد، والنسبة والتناسب، والتكوين والفراغ والكتلة، واللون والخط، وعادةً تكون الزخرفة الإسلامية شكليًّا عبارة عن وحدات هندسية أو وحدات طبيعية (نباتية، آدمية، حيوانية)؛ لتتحوَّر إلى أشكالها التجريدية، وتُترك بعد ذلك المساحة للفنان المسلم لإطلاق عنان فكره وخياله وإبداعاته في تشكيلها، وِفقَ قواعد وأصول مشتقة من مبدأ التوحيد؛ لتؤسِّس لعمل فني زخرفي بشكلٍ مكتمل.

وتُعتبر الزخرفة واحدة من أهم الوسائل التي تخلق الجمال للأعمال، وهذا ما يوضِّح لنا السرَّ في ثُبوت صدارتها بين الفنون الإسلامية الأخرى؛ حيث اتَّخذت الزخرفة الإسلامية خصائص مميِّزة كان لها أثر واضح في إبراز المظهر الحضاري لنهضة المسلمين، وازدهارها بدرجة عالية، سواءً من حيث تصميمها وإخراجها، أو من حيث موضوعاتها وأساليبها؛ فتفرَّد الفنانون المسلمون عامةً والمُزخرِفون خاصةً، واتجهوا إلى عوالم مختلفة من الزخرفة البعيدة عن رسم الشخصيات ومحاكاة الطبيعة، لتتجلى أعمالهم الإبداعية وأحاسيسهم الخيالية في مُعظم الزخارف، وتصل لذروة جمالها بتفاصيلها الدقيقة مُستندة إلى ما جاء به الإسلام من إلهامٍ ووحيٍ ديني.

ووصفَ المؤرِّخون الفن الإسلامي بأنَّه فن زخرفي؛ لأنه لا يكاد أثر من الآثار الإسلامية يخلو من زخرفة أو نقش، بدءاً من أدق التفاصيل في الحُليِّ إلى أوسع المباني المعمارية التي تجمع أعداداً هائلة من الناس.

والزخرفة العربية الإسلامية تمتلكُ من المميزات والأشكال الخاصة بما يميزها عن سواها من الزخارف على مستوى الدول والثقافات الأخرى. واللافت للانتباه أنَّها ترتكز على أسس عميقةَ الجذور، تنبع أصولها من الدين الإسلامي والتقاليد المتوارثة. وذكرتْ المصادر أنَّ أعمال البنَّائين والفنانين المسلمين والعرب هدفتْ لإبراز خصوصية هذه التقاليد بتفاصيلها التي غلب عليها الطابع الإسلامي؛ ومن ذلك يتضح لنا العلاقة الوطيدة بين الإسلام وفن العمارة والزخرفة وبناء المدن والحياة الاجتماعية، رغم الاختلافات الشكلية والسطحية التي نشاهدها في تفاصيل الزخارف، والتي تعكس إجمالاً روحانية الدين، والمسارات التي سلكها الإنسان المسلم، والتي تنعكس عليها السكينة والطمأنينة والتأملات والبساطة التي عاشها خلال أزمنة وحُقب مختلفة؛ لذلك عمد الفنان المسلم إلى استخدام أساليب مختلفة لإضفاء لمسة الإسلام وروحانيته على أعماله؛ فلجأ إلى إضافة لمسات اللون والضوء والمساحات الواسعة في معظم أعمال الفن الزخرفي.

والمُلاحَظ في الزخرفة العربية والإسلامية أنَّها تتشكل من عناصر مختلفة تكمُن في: الخط العربي، والأشكال الهندسية، والرسوم الطبيعية، والضوء والنور، وكل هذه العناصر تُكمِل بعضها البعض في الإيحاء بالسكينة والطمأنينة والبساطة، دون الحاجة لوجود أيِّ تكلُّف في الإظهار التصويري للشخصيات البارزة أو التعظيم المعماري من رسوم وتماثيل في القصور الشامخة، ودُور العبادة والأضرحة. وممَّا يُؤكِّد على ذلك ما كتبهُ المعماري البريطاني “أون جونز” في القرن التاسع عشر في الزخرفة الإسلامية: “إنَّ زخرفة المبنى هي الأساس في فن العمارة!”.. وأنَّ الفن الزخرفي الإسلامي فن مثالي لا توجد به زخرفة فاقدة للهدف، أو زائدة، أو غير ضرورية، بل إنَّها زخرفة عفوية وطبيعية وواقعية؛ وذلك ما اعتمده البناؤون والمعماريون المسلمون في معظم أعمالهم.

ويُعتبر الخط العربي أبرز عناصر الزخرفة الإسلامية؛ فلا يكاد مسجد أو صرح إسلامي أو ضريح يخلو منه؛ فتجدهُ يزيد جمالية رسم الآيات والأبيات والعبارات على المداخل وجدران القاعات والممرات، وعلى الخشب، وغالباً تُضاف إليها أسماء أصحاب البناء، وتاريخ الإنشاء، والفنان الذي صمـَّم وأتقن العمل. وإذا ما تطرَّقنا لبداية الاهتمام بالخط العربي، فقد كان في العصر الأموي؛ حيث تمَّ تطويره وتحسين أدائه وأدواته، فأصبحَ يُحفَر على جُدران المساجد وأعالي البوابات وبيوت رجالات الحكم ودواوين الخلافة وأغلفة الكتب؛ لتنتقل إلى المرمر والخشب والجص والنحاس. وأبدع الخطاط العربي في الخط بأنواعه كالكوفي والثُّلث والنسخ والديواني. والمتأمِّل في فنون العصور الإسلامية المختلفة، سيجد مدى طموح ومحاولة الفنان المسلم تحسين فن زخرفة الخط العربي ليصل إلى ما هو عليه اليوم.

ومِن جانبٍ آخر، نجد أنَّ الزخرفة الهندسية من عناصر الزخرفة الأكثر إبداعاً وتنوُّعاً وسيادةً في الفن الإسلامي، والتي أدخل عليها المهندسون والمعماريون العرب والمسلمون نماذجَ لم تكن معروفة أو معتمدة سابقاً، لا سيما في عصر المماليك في مصر؛ حيث ظهرتْ التراكيب الهندسية والنجمية متعددة الأضلاع وتشكيلاتها المتعددة، فنلاحظ التناسق الهندسي والتكرار والتناغم والإيقاعات في الوحدات الهندسية المزخرفة؛ حيثُ ذكرَ مُؤرِّخ الفنون “هنري فوسيون” مُلاحظته الدقيقة عن الزخرفة الهندسية.. قائلاً: “ما أخال شيئاً يمكنه أن يُجرِّد الحياة من ثوبها الظاهر، وينقلنا إلى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية؛ فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكيرٍ قائم على الحسابات الدقيقة والقوانين الرياضية، والتي تتحوَّل إلى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية ومعانٍ روحية”، غير أنَّه ينبغي ألا يفوتنا أنَّه وخلال هذا الإطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط المتشابكة والمتداخلة مع بعضها، فتؤلِّف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد، مُتفرقةً مرَّة، ومجتمعة مرات، وكأنَّ هُناك نبضًا في كلِّ وِحْدَة هندسية يعيش معها الناظر لها؛ لتعطيه تأويلات وتأملات وأفكارًا قائمة من جماليات الفن الإسلامي، وجميعها تخفي وتكشف في أنواعها عن سرٍّ ما تتضمَّنه من إمكانات وطاقات بلا حدود.

أمَّا الرسوم الطبيعية، فاتخذت مساحة من الأعمال الزخرفية للفنان المسلم؛ حيث اعتمدَ على نقل الرسومات من الطبيعة وتجريدها؛ فجاءت وريقاته عملاً هندسيًّا، أُمِيتَ فيه العنصرُ الحيُّ، وسادَ فيها مبدأ التجريد، وقد انتشر استعمال هذه الزخارف في تزيين الجدران والقباب، وفي التحف المختلفة وفي تزيين صفحات الكتب وتجليدها.. وتجلَت الرسوم الطبيعية في فن الفسيفساء أو الأرابيسك أو الزخرفة النباتية الهندسية؛ حيث ذكرت المصادر أن فن زخرفة الفسيفساء كانت بداية ظهوره في العصر العباسي وطوَّرها الفنان المسلم ليصل إلى ذروة جماله.

ويُشار إلى أنَّ الفنان المسلم في مُختلف الفنون قد عاش تجربة مشتقة من التوحيد، وقام بتطبيقها في معظم أعماله لتتواجد هذه الخاصية من خلال حضور فلسفة التجريد والرمز في الزخارف؛ حيث تبنَّى الفنان المسلم التوحيد في تجربته الإبداعية، واعتبرها كقضية إيمانية وشخصية؛ إمَّا عن طريق تأمله للأشياء وتصويرها تمثيليًّا، أو عن طريق تجريده للأشياء وتصويرها لتشكيل خطوط ومسارات وأشكال مزخرفة وهندسية. ومن هُنا، لم يكن غريباً أنْ يعبر فن الأرابيسك أو الخط العربي والزخارف الهندسية التجريدية عن مَضْمُون الإسلام الروحي المتمثل في التوحيد؛ فلقد تمكَّن الفنان المسلم من التعبير عن الوجود اللامتناهي في كماله، والذي يعجز دائماً عن التعبير عنه بالكلمات والعبارات والتصورات من خلال مفهوم التجريد والرمز.

لقد كانتْ كراهية الإسلام لتصوير الكائن الإنساني دافعاً للفن الإسلامي إلى السَّير في طريق مُختلف تماماً عن ذلك الذي سار فيه الفن الغربي؛ حيث نجد أنَّ الفن الغربيَّ مليء بالمناظر الطبيعية والأشخاص، مقارنةً بالفن الإسلامي الذي يُترجم الحس الفني إلى أشكال هندسية وتصاميم خطية محكمة ومدروسة. وعلى مَدَى قرون من ممارسة هذا التجريد المطلق، استطاع الفنان المسلم أن يصل بهذا الفن إلى درجة من التأنُّق لا مثيل لها.

1,147 total views, 2 views today