أبرار ناصر حميد عبد الله الحضرمية
السويق- الباطنة شمال
مسابقة أفضل مقال اجتماعي “كيف ترى عُمان 2040؟”
المركز الثاني
جمعية الاجتماعيين العُمانية


‏    تشهد السلطنة تحت قيادة السلطان هيثم بن طارق (حفظه الله ورعاه) نهضةً متجددةً- مكمِّلةً للنهج الذي سار عليه السلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور (طيب الله ثراه) – نهضة شاملة في المجالات الاقتصادية، التعليمية، والاجتماعية كافة، حيث انبثقت رؤية عمان2040 من منطلق دراسة المستقبل بمشاركةٍ مجتمعيةٍ، بحيث تكون مستوعبةً للواقع الذي تعيشه السلطنة، ومستشرفةً للمستقبل بموضوعيةٍ، وتهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطنيِّ، وتعزيز استدامة الثروات الطبيعية؛ لتحقيق الرفاهية وتطوير المجتمع.

‏   ولعلَّ ما كان بارزًا في الرؤية، وملفتًا لانتباهنا كوننا مختصين اجتماعيين، هو إشراك الإنسان العمانيِّ في كلِّ محورٍ من محاور الرؤية، الذي كان الهدف الأساسيُّ لها. فعلاقتها ليست بالاقتصاد فحسب، بل بالتحضيرٍ لمستقبلٍ أبعدٍ، مستقبل مجتمعٍ أكثر معرفةً، وأكثر رفاهيةً. وهي ليست مرتبطةً في نواتها (جوهرها) بقطاعٍ أو مجالٍ معينٍ، بل مهتمة بشكلٍ أساسيٍّ بالعقل البشري، والمعرفة، والهوية العمانية، وتوطين الابتكار، والاستثمار في الإنسان العماني الذي يُعدُّ خطوةً لمستقبلٍ حقيقيٍّ للسلطنة والمجتمع العمانيِّ.

‏   وعند محاولة تقديم قراءاتٍ مستقبليةٍ فيما يتعلُّق بالتساؤل المطروح (كيف نرى عمان 2040؟) يتبادر إلى أذهاننا العديد من التصوُّرات والتوقُّعات بما ستكون عليه السلطنة في عدة مجالاتٍ، ولكن قد يتساءل البعض ما الاختلاف بين هذه الرؤية والرؤى التي سبقتها؟ وما الذي سيجعلها تنجح؟ خصوصًا أنَّ الكثير من الخطط والرؤى التي وضعتها السلطنة لم تؤدِّ أهدافها بالشكل المطلوب. ونلاحظ في هذا الجانب أنَّ رؤية 2040 جاءت شاملةً للجوانب والمجالات كافةً على عكس ما جاءت به رؤية 2020 التي كانت تركِّز بشكلٍ أساسيٍّ على الجوانب الاقتصادية. وكذلك أصبحت الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل ملحَّةً عمَّا كانت عليه في السابق في ظلِّ تقلُّبات أسعار النفط، الأمر الذي يجعلنا نعمل بشكلٍ أكبر؛ لتحقيق التنوُّع الاقتصادي، والتوجُّه نحو العناية بالابتكارات والمعرفة التقنية، بدلًا من الاعتماد على الموارد الناضبة، الذي بدوره سيسهم في تحقيق اقتصادٍ معرفيٍّ متنوِّعٍ ومرنٍ، وسيعزِّز من الوسائل المستدامة، والقدرات التنافسية العالمية للسلطنة.

‏   وكذلك سيتطلَّب الأمر السعي نحو الاهتمام بالجانب التعليميِّ، والانتقال من دائرة التعليم الاتباعيِّ إلى التعليم الإبداعي  الذي سيدعم التحوُّل إلى اقتصادٍ مبنيٍّ على المعرفة، وهو ما يتطلَّب توفير عناصرٍ متكاملةٍ في المؤسَّسات التعليمية العامة والخاصة، أهمها عنصر الموارد البشرية المؤهَّلة ذات المهارات التقنية العالية، القادرة على التعامل مع آخر ما وصلت إليه تقنية المعلومات، والاستفادة  من التطوُّر التكنولوجي والرقمي، بما فيها تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وانترنت الأشياء، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية.

‏   وكذلك تحديث منظومة التعليم؛ ليكون لها مخرجاتٌ منسجمةٌ مع متطلَّبات النموِّ العالميِّ، والاهتمام خصيصًا بالبحث العلميِّ، والتفكير الإبداعي، والعمل على رعاية الموهوبين، وبناء القدرات المؤهَّلة في المجالات العلمية والتقنية والمعرفية.

‏   وقد تواجه الرؤية بعض التحديات والمخاطر التي لابدَّ من أخذها في الحسبان مثل: تقلُّبات الأوضاع العالمية والإقليمية، وقضية الباحثين عن عملٍ، وكيفية تحقيق الرؤية دون المساس أو الإضرار بالفئات الضعيفة، وكذلك التحدِّي في تحويل هذه الرؤية إلى برامج عملية تنفَّذ وفق جدولٍ زمنيٍّ، وأولوياتٍ واضحةٍ ومحدَّدةٍ. فعلينا أن ندرك ضرورة التحوُّل من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق الفعليِّ، وغيرها من التحديات.

‏   وكما أنَّ هناك تحديات، فهناك أيضًا معطياتٌ ستساعد على تحقيق الرؤية، فمن المتوقَّع إذا ما تمَّ العمل على ما جاء في الرؤية بخططٍ ثابتةٍ وبحرصٍ شديدٍ، وبإدراكٍ أكثر عمقًا بالتحديات والمشكلات التي تواجه السلطنة؛ فسنشهد بذلك تغيرات هائلة. وقد بدأ المواطنون والمراقبون يتلمَّسون منذ الآن- على أرض الواقع- باكورة أعمال الرؤية، حيث إنَّ إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، أعطى مؤشِّرًا إيجابيًا نحو رغبة الحكومة في تأسيس مرحلة بناءٍ جديدةٍ، ونهضةٍ متجددةٍ، وأنها ماضيةٌ قدمًا في تحقيق الرؤية المستقبلية عمان 2040 وترسيخها. فإعادة هيكلة الجهاز الإداري ساعد في إعادة تنظيم طبيعة العمل، واختصاصات كلِّ وزارةٍ؛ بما سيضمن وجود بيئةٍ اسثماريةٍ مناسبةٍ، وجذبٍ أكبرٍ للاستثمار الأجنبي. كلُّ ذلك سيساعد في دفع عجلة التنويع الاقتصاديِّ، وخلق استدامةٍ اقتصاديةٍ طويلة الأمد.

‏   ولذا نتصوَّر أن تحقق السلطنة العديد من الإنجازات والتغييرات ضمن نطاق رؤية عمان 2040. فعلى المستوى التقنيِّ والمعرفيِّ، ستكون السلطنة مركزًا معرفيًا مواكبًا للمستجدات العالمية والتطورات التي يشهدها العالم، وستشهد استخدامًا أوسع للتقنية، بحيث تكون مصدرًا للتكنولوجيا بدلًا من أن تكون مستهلكة. وسيكون الاعتماد على اقتصادٍ أساسه المعرفة، والموارد غير الناضبة، أولها المورد البشريُّ، يليه الموارد المتمثلة بقطاعات: الصناعة، التعدين، اللوجستيات، السياحة، والقطاع السمكي أيضًا. وستحقِّق عمان الأمن الغذائيّ، وسيصبح الاعتماد أكبر على الأرض العمانية، مع وجود موازنةٍ بين التنمية وبين الحفاظ على البيئة.

‏   أمَّا من الناحية الاجتماعية، نرى مجتمعًا قائمًا على المعرفة، يمتلك المهارة والمعرفة المناسبة للمنافسة على المستويين المحليِّ والدوليِّ. وسيصبح الإنسان العمانيُّ قادرًا على أن يكون فعالًا في المجتمع، ومتمكنًا، ولديه المهارة الكافية للعمل في القطاع الخاص. وستكون هناك العديد من فرص العمل، وفرصةٌ أكبر للانخراط في ريادة الأعمال بما سيساعد في زيادة دخل الفرد، ومستوى رفاهيته. وسيصبح مجتمعًا متمسكًا بالهوية الوطنية. وقد يرى البعض عكس ذلك، فيرى أنَّ للتكنولوجيا دورًا سلبيًا في تأثيرها على الهوية الوطنية. ولكنَّني أرى أنَّ هناك رؤيةً مختلفةً لتأثير التكنولوجيا على عملية تعزيز بناء الهوية الوطنية والحفاظ عليها في المجتمعات، فكما أنَّ التكنولوجيا تشكل تهديدًا للعناصرالتقليدية في بناء الهوية، إلَّا إنَّها قد تمثل دعمًا لتقوية شعور الأفراد بالانتماء الوطني إلى مجتمعٍ حديثٍ ومتطورٍ، قادرٍ على إشباع الحاجات الفردية، والمجتمعية، والمعرفية بوسائل تكنولوجيةٍ عدَّةٍ وبأقلِّ مجهودٍ؛ بما يعزِّز تمسُّكهم بالهوية الوطنية، والافتخار بالأرض التي ينتمون إليها.

‏   وختامًا فإنَّ نجاح الرؤية معتمدٌ على التخطيط السليم، والتنفيذ الأمين، والتقييم والتقويم المستمرين. وعلينا أن ندرك أنَّ عمان تستحقُّ الأفضل بما يتطلَّب المشاركة الإيجابية من المواطن العمانيِّ والجهات المعنية؛ للوصول بعمان إلى مصاف الدول المتقدمة، وتحقيق رؤية عمان ٢٠٤٠.

 68 total views,  2 views today