د. رضا بن عيسى اللواتي

نظمت اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا بالتعاون مع مجموعة التبادل البحثي بجامعة السلطان قابوس مؤخرا ملتقىً فكرياً بعنوان “الفحص الطبي قبل الزواج”. وكان من أبرز ما توصل إليه هذا الملتقى من نتائج هو أن “60% من سكان سلطنة عمان يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية”. ولا شك أن هذه النسبة العالية من سكان السلطنة ممن يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية كالثلاسيميا وأنيميا الخلايا المنجلية (السكلسل) وأنيميا الفول (G6PD deficiency) تجعل مجتمعنا العماني عرضة لخطر الإصابة بهذه الأمراض، وقد تكون هناك أمراض وراثية أخرى لم يتم التطرق إليها خلال هذا الملتقى، الأمر يستدعي وقفة من قبل الجميع بدءاً من الفرد نفسه ومرورا بالمجتمع وانتهاءً بالدولة.
إن هذه النسبة الكبيرة من سكان السلطنة الذين يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية، تبين لنا خطورة هذه الحالة على مستقبل الأفراد، والعائلات، والمجتمع العماني وبالخصوص إذا علمنا أن المجتمع العماني مجتمع فتي، أي أن نسبة الشباب فيه أكثر من غيره. كذلك فإن تبعات هذه الحالة تطرح على كاهل الدولة أيضا أعباءً مالية كبيرة تتمثل في مصاريف علاج المصابين وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم.
ما هي أعراض أمراض الدم الوراثية؟
من المهم جدا معرفة أعراض أمراض الدم الوراثية، حتى نعرف السبب من وراء هذا الحرص على الوقاية من هذه الامراض. فبالنسبة لأنيميا الخلايا المنجلية أو فقر الدم المنجلي والذي يكثر في هذه البقعة من العالم، فإن من أهم أعراض هذا المرض الآلام الشديدة التي تحصل عند المصابين به خصوصا في الأطراف ومنطقة الظَهر. كما أنه يمكن أن تتجلط خلايا الدم في الرئتين ويؤدي ذلك إلى آلام شديدة في الصدر ومشاكل في التنفس، وقد تتجلط خلايا الدم في المخ ويؤدي ذلك إلى الإصابة بالجلطة الدماغية، ولتفادي حدوث المضاعفات يتكرر دخول المريض إلى المستشفى لتلقي العلاج، من قبيل المضادات الحيوية، وأدوية التقليل من الالام، وأيضا من أجل نقل الدم في بعض الحالات.
بالانتقال إلى مرض الثلاسيميا أو ما يسمى بفقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط، فهنا تكون خلايا الدم الحمراء غير قادرة على أداء وظيفتها على أكمل وجه، وبالتالي فإن المريض يعاني من فقر دم حاد، وشحوب، وتعب، بالإضافة إلى تضخم الكبد والطحال. وهذا الأمر يتطلب نقل الدم للمصاب بشكل شهري للتخفيف من هذه الأعراض، بالإضافة إلى إعطاء المريض دواءً آخر لتجنب زيادة نسبة الحديد في الجسم بسبب النقل المتكرر للدم. كما يصاب المريض أيضا بتشوهات في عظام الرأس والوجه ومشاكل في الأسنان على المدى البعيد، بالإضافة إلى تأخر في النمو الجسدي والعقلي وتأخر في البلوغ. ولا يُخفى على أحد ما لهذه الأعراض من تأثيرات سلبية على المريض نفسه وعلى عائلته.
أما مرض نقص الخميرة، والذي ينتج بسبب نقص خميرة G6PD، والتي تحافظ على جدار كريات الدم الحمراء من الانحلال والتكسر عند تعرضها لمواد كيميائية، فإنها تُعد الأقل خطورة من بين هذه الأمراض إلى حد ما، وذلك لأن أعراض هذا المرض لا تظهر إلا حينما يتناول المصاب بعض أنواع الأطعمة كالفول مثلا أو بعض المضادات الحيوية، حيث أن تناول هذه الأطعمة والمضادات الحيوية يتسبب في كسر جدار كريات الدم الحمراء وانحلالها، الأمر الذي يؤدي إلى فقر دم حاد وهبوط مستوى الهيموجلوبين في الدم وتحول لون البول إلى اللون الداكن.
كيف تنتقل أمراض الدم الوراثية؟
لقد ذكرنا سابقا ثلاثة أمراض دم وراثية منتشرة في المجتمع العماني بكثرة، ولكن من المهم جدا معرفة كيفية انتقال هذه الأمراض الثلاثة من جيل إلى آخر، لأن كل مرض منهم يختلف في طريقة انتقاله عن طريقة إنتقال المرض الآخر.
فمثلا أنيميا الخلايا المنجلية والثلاسيميا عبارة عن أمراض ذو جين متنحي، أي إذا كان الزوجان حاملان للمرض، فإن إمكانية إصابة الطفل بالمرض تصل إلى 25% في كل حمل، في حين تصل إمكانية أن يكون الطفل حاملا للمرض إلى 50% بينما تصل إمكانية أن يكون المولود خاليا تماما من المرض ولا يحمل جيناته نسبة 25%. أما إذا كان أحد الطرفين مصابا والآخر سليما من المرض، فإن فرص الإصابة بالمرض تكون 50% في كل حمل، وإمكانية أن يكون الجنين حاملا للمرض تكون أيضا 50% في كل حمل.
ولمزيد من التوضيح لهذه العملية، إذا كان الأب حاملا للمرض أي (Aa) والأم حاملة للمرض أيضا أي (Aa)، A يكون جينا سليما، وa جينا مصابا بالمرض، بالتالي تكون النتيجة حسب الموضح في الجدول (1). وكما مر علينا آنفا بأن 60% من سكان السلطنة حاملين لهذه الجينات، فلنتخيل نسبة المصابين بهذه الأمراض الوراثية على المدى البعيد.
أما بخصوص مرض أنيميا الفول أو G6PD deficiency، فهو مرض جيني مرتبط بالجنس، أي أن الأم (Xx) تنقله إلى الذكر فيكون مصابا، ولكن إذا نقلته إلى ابنتها فتكون حاملة للمرض فقط، أما الرجل (Xy) فينقله لابنته ولكن لا ينقله لابنه، لأنه ينقل له جين الذكورة (Y) فقط. وفي الجدول (2) توضيح للعملية.
عوامل إنتشار أمراض الدم الوراثية والآثار المترتبة على ذلك!
تُعد الأمراض السالفة الذكرمن أهم الأمراض الوراثية المنتشرة في عُمان، إن كان ذلك من حيث إصابة الأفراد بها أو من ناحية حملهم للجين الوراثي المسبب للمرض. ومن خلال دراستها للنتائج التي تترتب على زواج أولئك الذين يحملون أمراض الدم الوراثية، لاحظت الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية “أن بعض الأزواج الذين يعانون من أمراض الدم الوراثية والذين يُرزقون بأطفال مصابين بالمرض، يؤول بهم الحال إلى الطلاق لما لهذه الأمراض من تأثير على حياة الأفراد من الناحية الجسدية والنفسية”. كما أن معاناة الأطفال أنفسهم نتيجة تكرر زياراتهم للمستشفى وبالتالي بقائهم بعيدا عن المدرسة تسبب لهم ضغوطات نفسية وعصبية تؤدي إلى انخفاض مستوى التحصيل الدراسي لديهم.
كما أن بعض الدراسات توصلت أيضا إلى أن أهم سبب لانتشار هذه الأمراض في المجتمع هو زواج الأقارب وهي ظاهرة منتشرة في المجتمع العماني. وأنا هنا لا أدعو إلى إصدار تشريعات لمنع زواج الأقارب، ولكن نظرا لما يترتب على تفشي مثل هذه الظاهرة من إنتشار لمثل هذه الأمراض بين أفراد المجتمع وما تخلفه هذه الأمراض من آثار سلبية وعملا بالحكمة القائلة: “الوقاية خير من العلاج”، فإنه يصبح من الضروري بل من الواجب الدعوة إلى إجراء فحص طبي قبل الزواج في مثل هذه الحالات وذلك للحد من إنتشار هذه الأمراض والتقليل من آثارها السلبية، خصوصا إذا علمنا بأن نسبة الطلاق في المجتمع العماني مرتفعة نوعا ما، بسبب هذه الظاهرة أو غيرها.
ماذا نعني بالفحص الطبي قبل الزواج؟
الجواب على هذا السؤال قدمته لنا الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية حيث عرفته بأنه “إجراء الفحص للشريكين المقبلين على الزواج لمعرفة ما إذا كانا مصابين أو حاملين لبعض الامراض الوراثية وطرح الخيارات والبدائل أمام الشريكين من أجل التخطيط لبناء أسرة سليمة وصحية”. الأمر الذي يتطلب بالتأكيد حضور الشريكين إلى المركز الصحي لتحديد حالتهما فيما يتعلق بهذه الأمراض وهي كما ذكرنا سابقا ثلاسيميا الدم، أنيميا الخلايا المنجلية وتسمى أيضا بالسكلسل، وأنيميا الفول أو نقص الخميرة.
والجدير بالذكر أن تسهيلات إجراء هذه الفحوصات متوفرة في المراكز الصحية في مختلف ولايات السلطنة. كما قامت وزارة الصحة في السلطنة بإعداد عيادات خاصة متنقلة لهذا الغرض في جميع محافظات وولايات السلطنة. كذلك فإن إجراءات عمل هذه الفحوصات سهلة وبسيطة، حيث يأخذ الأطباء عينة الدم من الشريكين، ويتم إرسالها للمختبر حيث تظهر النتيجة بعد اسبوعين. وفي ضوء نتيجة الفحوصات يجلس المختصون في المركز الصحي مع الشريكين لإخبارهما بكافة الإحتمالات وكذلك البدائل المتاحة أيضا.
والآن وبعد معرفة أعراض هذه الأمراض الثلاثة المنتشرة في مجتمعنا العماني وكذلك بعد معرفة آثارها السلبية على الفرد و الأسرة والمجتمع بأسره ناهيك عن العبء المادي الذي يرهق كاهل الدولة التي لا تجد مفرا من تقديم الرعاية الصحية المناسبة للمصابين بهذه الأمراض، الأمر الذي يستقطع جزءاً لا بأس به من موازنة وزارة الصحة. ألا يستحق الأمر بعد كل هذا الوقوف عنده والعمل بموجب الحكمة القائلة “درهم وقاية خير من قنطار علاج” وذلك عن طريق إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج وهي في الوقت الذي تحصن المواطن ضد الأمراض المذكورة وتجنبهم المآسي المترتبة على تلك الأمراض، فهي لا تكلف الدولة كثيرا مقارنة بتكاليف علاج الأمراض التي قد تصيب المواطن في حالة عدم إجراء هذه الفحوصات.
إذاً هي دعوة لكل مقبل ومقبلة على الزواج، لاسيما ممن يتواجد في عوائلهم مصاب أو حامل للمرض، بإجراء هذا الفحص الطبي، حتى لا يتفاجؤوا فيما بعد بهذه الأمراض وبالتالي يجنبوا أنفسهم وأبناءهم والمجتمع الآثار السلبية لهذه الأمراض، هي دعوة أيضا لكي نطبق حديث النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم: “تخيروا لنطفكم”، حتى يكون مجتمعنا العماني سليما خاليا من الأمراض، لنُكمل مسيرة التنمية والعطاء.
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم” ]سورة التين – الأية 4[. كما قال جل جلاله: “وصوركم فأحس صوركم” ]سورة غافر – الآية 64[، ]سورة التغابن – الآية 3[. والمعنى: أنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل صورة الإنسان صورة حسنة، وخَلَقه في أحسن تقويم، والتقويم معناه جعل الإنسان ذا قوام، وقوام الشيء هو ما يقوم به الشيء ويثبت، فالآيات تريد أن تبيّن أن صورة الإنسان بشكل عامّ صورة حسنة، وأنّ هذا النوع من الكائنات الحيّة يمتلك أحسن قوام بحسب الخلقة. من هنا لم يكن غريبا هذا الإهتمام الكبير من قبل الإسلام بالإنسان وتكوينه وخلقته من خلال التشريعات التي توجه هذا الإنسان وترشده إلى كل ما يمكنه من المحافظة على قوامه في أحسن صورة وأحسن تقويم.
ولا شك أن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفته المعلم الأول في الإسلام كان يَعلم بأن عملية تشكيل قوام الإنسان تبدأ وهو جنين في بطن أمه متأثرا بعوامل وراثية مكتسبة من أبيه وأمه، لذا بادر إلى توجيه المسلمين نحو الإهتمام بهذه المرحلة من الحياة فجاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس” وأتبعها بسلسلة من الأحاديث حول هذا السياق. ومن هذا المنطلق أرجو أن يكون هذا المقال مساهمة متواضعة مني في هذه الجهود من خلال إلقاء الضوء على طبيعة هذه الأمراض والآثار المترتبة على المصابين بها وأُسرهم وكيفية تجنب الإصابة بها.

7,618 total views, 11 views today