بدر‭ ‬العبري – كاتب‭ ‬وباحث


مُقدِّمة‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأنسنة‭ ‬والتأويل

إذا‭ ‬كان‭ ‬التّأويل‭ ‬آلة‭ ‬عقليّة‭ ‬لها‭ ‬مساقاتها‭ ‬التّأريخيّة،‭ ‬وتطورها‭ ‬المعرفيّ‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬تطورت‭ ‬الآلة‭ ‬العقليّة‭ ‬واللّسانيّة‭ ‬والدّلالية‭ ‬والسّيميائيّة‭ ‬ونحوها‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬النّص،‭ ‬وتدوير‭ ‬فهمه‭ ‬والتّعامل‭ ‬معه؛‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬النّص‭ ‬ذاته‭ ‬متعلّق‭ ‬بأبعاد‭ ‬أيدلوجيّة‭ ‬أو‭ ‬عرفيّة‭ ‬أو‭ ‬وفق‭ ‬بعد‭ ‬زمنيّ‭ ‬ومكانيّ‭ ‬معين،‭ ‬فهو‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الأصل‭ ‬أنّه‭ ‬مشترك‭ ‬مفتوح‭ ‬للتّفكير‭ ‬البشريّ،‭ ‬إلا‭ ‬أنّه‭ ‬أيضا‭ ‬تؤثر‭ ‬فيه‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأيدلوجيّة‭ ‬والمكانيّة،‭ ‬وهذا‭ ‬سوف‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬إسقاطات‭ ‬المؤول،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالنّص،‭ ‬ومدى‭ ‬محاولة‭ ‬تفكيكه،‭ ‬وإعادة‭ ‬النّظر‭ ‬فيه‭ ‬والتّعامل‭ ‬معه‭ ‬برؤية‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومعاصرة‭.‬

ولئن‭ ‬كانت‭ ‬العولمة‭ ‬أحد‭ ‬المصطلحات‭ ‬المحددة‭ ‬للوعي‭ ‬الاجتماعيّ‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬ريتشارد‭ ‬هيجوت‭ [‬معاصر‭] ‬فإنّ‭ ‬الأنسنة‭ ‬لن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الاجتماعيّ‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الفكريّ‭ ‬بالتّعامل‭ ‬مع‭ ‬النّص‭ ‬وفق‭ ‬دائرة‭ ‬الأنسنة‭ ‬المفتوحة،‭ ‬والمشتركة‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬جميعا،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬اشتراكيّة‭ ‬النّص؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬النّص‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬مصلحة‭ ‬الذّات‭ ‬البشريّة‭ ‬عموما،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬توجه‭ ‬أيدلوجيّ‭ ‬أو‭ ‬تعصّب‭ ‬قوميّ‭ ‬أو‭ ‬جنسيّ‭.‬

لقد‭ ‬قام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭ ‬تقديم‭ ‬رؤية‭ ‬في‭ ‬أنسنة‭ ‬التّأويل‭ ‬كمحمد‭ ‬أركون‭ [‬ت‭ ‬2010م‭] ‬وأبي‭ ‬زيد‭ ‬نصر‭ ‬حامد‭ [‬ت‭ ‬2010م‭]‬،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬النّقديّ‭ ‬والوصفيّ‭ ‬إلى‭ ‬الجانبّ‭ ‬التّأسيسيّ‭ ‬لهذه‭ ‬القيمة،‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬وفلسفيّة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬النّص‭ ‬والتّأويل‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الذّات‭ ‬الإنسانيّة،‭ ‬لتكون‭ ‬قيدا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬مصاديق‭ ‬النّص،‭ ‬وليكون‭ ‬النّص‭ ‬خادما‭ ‬لهذه‭ ‬الذّات،‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬جوانبها‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬الحريّة‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدالة‭ ‬في‭ ‬الجنس‭ ‬البشريّ‭. ‬ويبقى‭ ‬السّؤال‭ ‬مطروحا‭ ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نحوّل‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬القيميّ‭ ‬الأخلاقيّ‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬إلى‭ ‬مادّة‭ ‬معرفيّة‭ ‬تكون‭ ‬هدفا‭ ‬للنّص‭ ‬أصلا،‭ ‬وغاية‭ ‬للمؤول‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬النّص،‭ ‬وتفكيك‭ ‬محتواه‭ ‬وأبعاده،‭ ‬وضبط‭ ‬مصاديقه‭ ‬الخارجيّة؟‭!!‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬سنحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحلقات‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬العقل‭ ‬الإنسانيّ‭ ‬عموما،‭ ‬مع‭ ‬تفكيك‭ ‬الرّؤى‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬العربيّ،‭ ‬ليتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬نقد‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬ومنهج‭ ‬يمكن‭ ‬إضافته‭ ‬لضبط‭ ‬النّص‭ ‬المؤول‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬حفظ‭ ‬الذّات‭ ‬الإنسانيّة‭. ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬أنسنة‭ ‬الخطاب‭ ‬خصوصا‭ ‬الدّينيّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التّأويلات‭ ‬والآلة‭ ‬المنفتحة‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬سوف‭ ‬يخرج‭ ‬العقل‭ ‬العربيّ‭ ‬من‭ ‬الماضويّة‭ ‬والتّشتت‭ ‬الطّائفيّ‭ ‬والفئويّ‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬مفتوح‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬وبدوره‭ ‬سيقط‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬والتّجريبيّة،‭ ‬ولهذا‭ ‬أثره‭ ‬مجتمعيّا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الجوانب‭.‬

ماهية‭ ‬التّأويل‭ ‬والأنسنة‭.‬

التّأويل‭ ‬والأنسنة‭ ‬مصطلحان‭ ‬نقيضان‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الزّمن‭ ‬المصطلحيّ،‭ ‬فالتّأويل‭ ‬فمصطلح‭ ‬قديم‭ ‬عكس‭ ‬الأنسنة،‭ ‬الّذي‭ ‬يعتبر‭ ‬مصطلحا‭ ‬معاصرا‭ ‬ظهر‭ ‬بقوّة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬النّزعة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬قديمة‭ ‬قدم‭ ‬الإنسان،‭ ‬إلا‭ ‬أنّه‭ ‬قد‭ ‬يعبر‭ ‬بمصطلحات‭ ‬أخرى‭ ‬كالكرامة‭ ‬والمكانة‭ ‬والمحدث‭ ‬البشريّ‭ ‬ونحوه‭.‬

ولنأت‭ ‬بداية‭ ‬إلى‭ ‬التّأويل‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬أي‭ “‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬يؤول‭ ‬إليه‭ ‬الشّيء،‭ ‬وقد‭ ‬أوّله‭ ‬تأويلا‭ ‬وتأوّله‭ ‬بمعنى‭”‬‮١‬‭ ‬،‭ “‬وآل‭ ‬الشّيء‭ ‬يئول‭ ‬أولا‭ ‬ومآلا‭ ‬رجع‭”‬‮٢‬‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬الاصطلاح‭: “‬نقل‭ ‬ظاهر‭ ‬اللّفظ‭ ‬عن‭ ‬وضعه‭ ‬الأصليّ‭ ‬بدليل‭ ‬لولاه‭ ‬ما‭ ‬ترك‭ ‬ظاهر‭ ‬اللّفظ،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬ردّ‭ ‬أحد‭ ‬الاحتمالين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يطابق‭ ‬الظّاهر‭”‬‮٣‬‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬صوره‭ ‬ردّ‭ ‬المتشابه‭ ‬إلى‭ ‬المحكم،‭ ‬والمجمل‭ ‬إلى‭ ‬المفصل،‭ ‬وعند‭ ‬علماء‭ ‬الأصول‭: “‬استقراء‭ ‬قواعد‭ ‬الأحكام‭ ‬الشّرعيّة،‭ ‬واستقراء‭ ‬عللها‭ ‬وحكمها‭ ‬التّشريعيّة‭ ‬من‭ ‬النّصوص‭ ‬الّتي‭ ‬قررت‭ ‬المبادئ‭ ‬والأهداف،‭ ‬والعودة‭ ‬بجميع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يستفاد‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬كليات‭ ‬عامّة،‭ ‬وأصول‭ ‬كليّة،‭ ‬من‭ ‬عمومها‭ ‬تستنبط‭ ‬وتستمد‭ ‬أحكام‭ ‬القضايا‭ ‬الجزئيّة،‭ ‬ومن‭ ‬أصولها‭ ‬تؤخذ‭ ‬الفروع،‭ ‬وتستخرج‭ ‬المعطيات‭”‬‮٤‬‭ .‬

والتّأويل‭ ‬حركة‭ ‬لازمت‭ ‬التّأريخ‭ ‬الإنسانيّ،‭ ‬للتّلائم‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬وخصوصياته،‭ ‬والزّمن‭ ‬ومتغيراته،‭ ‬وبين‭ ‬النّص‭ ‬المقدّس‭ ‬والنّص‭ ‬التّأريخيّ،‭ ‬وبين‭ ‬النّص‭ ‬المغلق‭ ‬والواقع‭ ‬المفتوح،‭ ‬وبين‭ ‬الدّلالة‭ ‬القطعيّة‭ ‬الضّيقة‭ ‬والدّلالة‭ ‬الظّنيّة‭ ‬الواسعة‭ ‬والمتعددة،‭ “‬ففي‭ ‬مجرى‭ ‬التّأريخ‭ ‬الإسلاميّ‭ ‬كانت‭ ‬كلّ‭ ‬حركة‭ ‬فكريّة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬النّصوص‭ ‬المقدّسة‭ ‬ما‭ ‬يسوّغها،‭ ‬ويجعلها‭ ‬موافقة‭ ‬للإسلام‭ ‬والوحي‭ ‬النّبويّ‭”‬‮٥‬‭ ‬،‭ ‬وعند‭ ‬الأديان‭ ‬‭”‬كلّ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬رأيه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدّس،‭ ‬وكلّ‭ ‬واحد‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭”‬‮٦‬‭ . 

وهناك‭ ‬تداخل‭ ‬بين‭ ‬التّفسير‭ ‬والتّأويل،‭ ‬وتارة‭ ‬يطلق‭ ‬كمترادفين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المصطلح‭ ‬العام،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬التّفسير‭ ‬أعم،‭ ‬والتّأويل‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬كشفه،‭ ‬حيث‭ ‬أنّ‭ ‬التّفسير‭ “‬يتناول‭ ‬اللّفظ‭ ‬والتّركيب‭ ‬بالكشف‭ ‬والبيان،‭ ‬بينما‭ ‬التّأويل‭ ‬جمع‭ ‬لما‭ ‬يؤول‭ ‬إليه‭ ‬معنى‭ ‬التّركيب‭ ‬بدلالاته‭ ‬الشّاملة‭ ‬ما‭ ‬طابق‭ ‬منها‭ ‬ظاهر‭ ‬اللّفظ،‭ ‬وما‭ ‬احتمله‭ ‬هذا‭ ‬الظّاهر‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬تتسع‭ ‬لها‭ ‬طاقات‭ ‬لفظه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬عسف‭ ‬ولا‭ ‬تكلّف‭”‬‮٧‬‭ ‬،‭ ‬ومنه‭ ‬كان‭ ‬التّفسير‭ ‬بالرّأي،‭ ‬فهو‭ “‬يبنى‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬أمره‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الدّلالة‭ ‬اللّغويّة‭ ‬للنّصوص‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬المستخدم‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬لعصر‭ ‬النّزول،‭ ‬وعلى‭ ‬المعرفة‭ ‬بما‭ ‬احتف‭ ‬بنزول‭ ‬النّصوص‭ ‬من‭ ‬ملابسات،‭ ‬والمؤثرات‭ ‬الّتي‭ ‬قد‭ ‬تصرف‭ ‬اللّفظ‭ ‬عن‭ ‬ظاهره،‭ ‬أو‭ ‬ترجح‭ ‬أحد‭ ‬المعاني‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬غيرها‭”‬‮٨‬‭ .‬

فالتّأويل‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬للتّعامل‭ ‬مع‭ ‬النّص‭ ‬المقدّس‭ ‬والّذي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مغلقا‭ ‬كليّا‭ (‬قطعيّ‭ ‬الثّبوت‭ ‬والدّلالة‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬مغلقا‭ ‬جزئيا‭ (‬ظنيّ‭ ‬الثّبوت‭ ‬قطعيّ‭ ‬الدّلالة‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬مفتوحا‭ ‬كليّا‭ (‬ظنيّ‭ ‬الثّبوت‭ ‬والدّلالة‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬مفتوحا‭ ‬جزئيا‭ (‬قطعيّ‭ ‬الثّبوت‭ ‬ظنيّ‭ ‬الدّلالة‭)‬،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬المحكم‭ ‬والمتشابه،‭ ‬والعام‭ ‬والخاص،‭ ‬والمطلق‭ ‬والمقيد،‭ ‬وعند‭ ‬أغلب‭ ‬المتقدمين‭ ‬النّاسخ‭ ‬والمنسوخ،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الدّلالات‭ ‬ومصاديقها،‭ ‬والقيود‭ ‬الظّرفيّة،‭ ‬والإنزالات‭ ‬الزّمنيّة‭ ‬والمكانيّة،‭ ‬وعلاقة‭ ‬ذلك‭ ‬بالإنسان‭ ‬ومقاصده‭ ‬ومكانته،‭ ‬نتطرق‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محور‭ ‬قادم‭ ‬هل‭ ‬الأصل‭ ‬الأنسنة‭ ‬أو‭ ‬إنزال‭ ‬النّص‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مغلقا‭ ‬مع‭ ‬التّغير‭ ‬الظّرفيّ‭ ‬والزّمنيّ‭.‬

والأنسنة‭ ‬لغة‭ ‬من‭ ‬أنس،‭ ‬والإنس‭ ‬إمّا‭ ‬من‭ ‬النّسيان‭ ‬لرواية‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭: “‬إنّما‭ ‬سمي‭ ‬إنسانا‭ ‬لأنّه‭ ‬عهد‭ ‬إليه‭ ‬فنسي‭”‬‮٩‬‭ ‬،‭ ‬ومنه‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: {‬وَلَقَدْ‭ ‬عَهِدْنَا‭ ‬إِلَى‭ ‬آَدَمَ‭ ‬مِنْ‭ ‬قَبْلُ‭ ‬فَنَسِيَ‭ ‬وَلَمْ‭ ‬نَجِدْ‭ ‬لَهُ‭ ‬عَزْمًا‭}‬‮١٠‬‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الأنس،‭ ‬ومنه‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: {‬فَلَمَّا‭ ‬قَضَى‭ ‬مُوسَى‭ ‬الْأَجَلَ‭ ‬وَسَارَ‭ ‬بِأَهْلِهِ‭ ‬آَنَسَ‭ ‬مِنْ‭ ‬جَانِبِ‭ ‬الطُّورِ‭ ‬نَارًا‭ ‬قَالَ‭ ‬لِأَهْلِهِ‭ ‬امْكُثُوا‭ ‬إِنِّي‭ ‬آَنَسْتُ‭ ‬نَارًا‭ ‬لَعَلِّي‭ ‬آَتِيكُمْ‭ ‬مِنْهَا‭ ‬بِخَبَرٍ‭ ‬أَوْ‭ ‬جَذْوَةٍ‭ ‬مِنَ‭ ‬النَّارِ‭ ‬لَعَلَّكُمْ‭ ‬تَصْطَلُونَ‭}‬‮١١‬‭ .‬

وعادة‭ ‬يستخدمون‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬الإنسان‭ ‬الإنسانيّة،‭ ‬أمّا‭ ‬اليوم‭ ‬نتيجة‭ ‬تأثير‭ ‬الدّراسات‭ ‬الغربيّة‭ ‬شاع‭ ‬مصطلح‭ ‬الأنسنة‭ ‬والإنسانويّة،‭ ‬وجاء‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مجمع‭ ‬اللّغة‭ ‬العربيّة،‭ ‬فتوى‭ ‬رقم‭: ‬527‭: “‬الأنسنَة‭ ‬لفظ‭ ‬اشتقَّ‭ ‬من‭ ‬الإنسان،‭ ‬وبُنيَ‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الفعلَلَة،‭ ‬وهو‭ ‬بناء‭ ‬مصدريّ‭ ‬يُراد‭ ‬به‭ ‬تحويل‭ ‬قضيّة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬قضيّة‭ ‬إنسانيّة،‭ ‬والأنسنة‭ ‬نزعة‭ ‬فلسفيّة‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬غربيّة‭ ‬تركّز‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬وكفاءته،‭ ‬وتنتهج‭ ‬التّفكير‭ ‬العقلانيّ،‭ ‬والمنهج‭ ‬التّجريبيّ،‭ ‬أمّا‭ ‬الإنسانويّة‭ ‬فهي‭ ‬لفظ‭ ‬مبني‭ ‬بناء‭ ‬مصدريّا‭ ‬صناعيّا،‭ ‬وزيدت‭ ‬عليه‭ ‬الواو‭ ‬كما‭ ‬زيدت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬اللّاتيني‭ ‬للتّعبير‭ ‬عن‭ ‬ادّعاء‭ ‬الشّيء،‭ ‬أي‭ ‬ادّعاء‭ ‬النّزعة‭ ‬الإنسانيّة‭”‬‮١٢‬،‭ ‬لذا‭ ‬يرى‭ ‬المجمع‭ “‬أنّ‭ ‬الأنسنَة‭ ‬تثير‭ ‬لبسا؛‭ ‬لأنّها‭ ‬لفظ‭ ‬غير‭ ‬مشهور،‭ ‬وغير‭ ‬متداوَل‭ ‬بكثرة،‭ ‬ويفضّل‭ ‬عليْه‭: ‬النّزعة‭ ‬الإنسانيّة؛‭ ‬إلّا‭ ‬إذا‭ ‬أريد‭ ‬به‭ ‬تحويل‭ ‬قضيّة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬قضيّة‭ ‬إنسانيّة‭ ‬فهذا‭ ‬مقبول،‭ ‬أمّا‭ ‬الإنسانويّة‭ ‬فهي‭ ‬لفظ‭ ‬مركب‭ ‬تركيبا‭ ‬غريبا‭ ‬من‭ ‬حرف‭ ‬مقحم‭ ‬هو‭ ‬الواو،‭ ‬والأفضل‭ ‬منه‭ ‬التّعبير‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬بما‭ ‬يفيد‭ ‬ادّعاءَ‭ ‬الإنسانيّة‭”‬‮١٣‬‭ .‬

‭”‬والأنسنة‭ ‬اسم‭ ‬أطلقه‭ ‬شيلر‭ [‬ت‭ ‬1805م‭] ‬على‭ ‬المذهب‭ ‬الّذي‭ ‬استخدمه‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته،‭ ‬ويرتبط‭ ‬بحكمة‭ ‬بورتاغوراس‭ [‬ت‭ ‬411ق‭.‬م‭]: ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬المقياس‭ ‬لكلّ‭ ‬الأشياء،‭ ‬وتعني‭ ‬كما‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬موسوعة‭ ‬لالاند‭ ‬الفلسفيّة‭: ‬مركزيّة‭ ‬إنسانيّة‭ ‬مترويّة،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وموضوعها‭ ‬تقويم‭ ‬الإنسان‭ ‬وتقييمه،‭ ‬واستبعاد‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تغريبه‭ ‬عن‭ ‬ذاته،‭ ‬سواء‭ ‬بإخضاعه‭ ‬لحقائق‭ ‬ولقوى‭ ‬خارقة‭ ‬للطّبيعة‭ ‬البشريّة،‭ ‬أم‭ ‬بتشويهه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعماله‭ ‬استعمالا‭ ‬دونيّا‭ ‬دون‭ ‬الطّبيعة‭ ‬البشريّة‭”‬‮١٤‬‭ .‬

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التّأويل‭ ‬والأنسنة‭.‬

يحاول‭ ‬حسن‭ ‬حنفي‭ [‬معاصر‭] ‬الرّبط‭ ‬بين‭ ‬اللّغة‭ ‬ودلالاتها‭ ‬وبين‭ ‬الأنسنة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ “‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اللّغة‭ ‬إنسانيّة‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬مقولة‭ ‬إنسانيّة‭ ‬كالنّظر‭ ‬والعمل‭ ‬والظّنّ‭ ‬واليقين‭ ‬والقصد‭ ‬والفعل‭ ‬والزّمان‭ ‬والباعث،‭ ‬فهي‭ ‬كلّها‭ ‬ألفاظ‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬السّلوك‭ ‬الإنسانيّ‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة‭ ‬يقابلها‭ ‬كلّ‭ ‬إنسان‭ ‬ويستعملها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬عقيدته‭ ‬أو‭ ‬مذهبه‭ ‬أو‭ ‬تياره‭ ‬الفكريّ،‭ ‬أمّا‭ ‬ألفاظ‭ ‬القديم‭ ‬والحادث‭ ‬والجوهر‭ ‬والعرض‭ ‬والوجود‭ ‬والماهيّة‭ ‬والجهة‭ ‬والإضافة‭ ‬فكلّها‭ ‬ألفاظ‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬عقليّة‭ ‬عامّة‭ ‬إلا‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تستعمل‭ ‬لوصف‭ ‬سلوكنا‭ ‬اليومي،‭ ‬وأمّا‭ ‬اللّغة‭ ‬الّتي‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مقولات‭ ‬إنسانيّة‭ ‬مثل‭ ‬الله‭ ‬والجواهر‭ ‬المفارقة‭ ‬والشّيطان‭ ‬والملاك‭ ‬فهي‭ ‬لغة‭ ‬اصطلاحيّة‭ ‬عقائديّة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬مقولات‭ ‬غير‭ ‬إنسانيّة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أولناها‭ ‬وفسرناها‭ ‬وأعطيناها‭ ‬مدلولات‭ ‬إنسانيّة،‭ ‬فالله‭ ‬يصبح‭ ‬هدف‭ ‬الإنسان‭ ‬وغاياته‭ ‬ورسالته‭ ‬ودعوته‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬والشّيطان‭ ‬يصبح‭ ‬هو‭ ‬المعارض‭ ‬الّذي‭ ‬يمثل‭ ‬الغواية‭ ‬والخطأ‭ ‬والحافز،‭ ‬والملاك‭ ‬يصبح‭ ‬ما‭ ‬يرجوه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬طمأنينة‭ ‬وخير‭ ‬ورحمة‭ ‬وأمن‭ ‬واستقرار‭ ‬ودعة‭” ‬‮١٥‬‭.‬

واللّغة‭ ‬هي‭ ‬الوعاء‭ ‬لفهم‭ ‬النّص‭ ‬أولا،‭ ‬ثمّ‭ ‬التّعامل‭ ‬معه‭ ‬وإنزاله‭ ‬ثانيا،‭ ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬الغاية‭ ‬الإنسان،‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬وفق‭ ‬منظومة‭ ‬الأنسنة‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬قادمة‭.‬


المصادر‭ ‬والمراجع

1‭.‬ الرّازيّ‭: ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬عبد‭ ‬القادر؛‭ ‬مختار‭ ‬الصّحاح،‭ ‬دار‭ ‬الفكر‭ ‬العربيّ،‭ ‬لبنان‭/ ‬بيروت،‭ ‬الطّبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬1997م،‭ ‬ص‭: ‬21‭.‬

2‭.‬ المقري‭ ‬الفيوميّ‭: ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬محمّد‭ ‬بن‭ ‬عليّ؛‭ ‬المصباح‭ ‬المنير‭ ‬في‭ ‬غريب‭ ‬الشّرح‭ ‬الكبير‭ ‬للرّافعيّ،‭ ‬ط‭ ‬دار‭ ‬القلم،‭ ‬لبنان‭/ ‬بيروت،‭ ‬لا‭ ‬تأريخ،‭ ‬ص‭: ‬40‭.‬

3‭.‬ بلتاجيّ‭: ‬محي‭ ‬الدّين؛‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬التّفسير‭ ‬وأصوله،‭ ‬ط‭ ‬دار‭ ‬مكتبة‭ ‬الهلال،‭ ‬لبنان‭/ ‬بيروت،‭ ‬الطّبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬1987م،‭ ‬ص‭: ‬8‭.‬

4‭.‬ سالم‭: ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬حسن؛‭ ‬قضيّة‭ ‬التّأويل‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بين‭ ‬الغلاة‭ ‬والمعتدلين،‭ ‬ط‭ ‬دار‭ ‬قتيبة‭ ‬للطّباعة‭ ‬والنّشر‭ ‬والتّوزيع،‭ ‬سورية‭/ ‬دمشق،‭ ‬الطّبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬1413هـ‭/ ‬1993م،‭ ‬ج‭:‬1،‭ ‬ص‭: ‬45‭.‬

5‭.‬ تسهير‭: ‬أجنس‭ ‬جولد؛‭ ‬المذاهب‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬القرآن،‭ ‬ترجمه‭ ‬عن‭ ‬الألمانيّة‭: ‬علي‭ ‬حسن‭ ‬عبد‭ ‬القادر،‭ ‬ط‭ ‬المركز‭ ‬الأكاديميّ‭ ‬للأبحاث،‭ ‬ط‭ ‬2013م،‭ ‬لبنان‭/ ‬بيروت،‭ ‬ص‭: ‬9‭.‬

6‭.‬ المرجع‭ ‬نفسه،‭ ‬ص‭: ‬9‭.‬

7‭.‬ بلتاجيّ‭: ‬محي‭ ‬الدّين؛‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬التّفسير‭ ‬وأصوله،‭ ‬مرجع‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭: ‬8‭. ‬

8‭.‬ المرجع‭ ‬نفسه،‭ ‬ص‭: ‬103‭.‬

9‭.‬ الرّازيّ‭: ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬عبد‭ ‬القادر؛‭ ‬مختار‭ ‬الصّحاح،‭ ‬مصدر‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭: ‬19‭.‬

10‭.‬ طه‭/ ‬115‭.‬

11‭.‬ القصص‭/ ‬29‭.‬

12‭.‬ موقع‭ ‬مجمع‭ ‬اللّغة‭ ‬العربيّة‭ ‬على‭ ‬الشّبكة‭ ‬العالميّة،‭ ‬فتوى‭ ‬رقم‭: ‬527،‭ ‬تأريخ‭ ‬الزّيارة‭: ‬الاثنين‭ ‬8‭ ‬يوليو‭ ‬2019م،‭ ‬السّاعة‭ ‬السّابعة‭ ‬والنّصف‭ ‬مساء‭.‬

13‭.‬ الموقع‭ ‬والزّيارة‭ ‬نفسها‭.‬

14‭.‬ النّعيميّ‭: ‬محمّد‭ ‬سالم؛‭ ‬القراءة‭ ‬الحداثيّة‭ ‬للنّص‭ ‬القرآنيّ‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬العقيدة،‭ ‬ط‭ ‬مصر‭ ‬العربيّة‭ ‬للنّشر‭ ‬والتّوزيع،‭ ‬مصر‭/ ‬القاهرة،‭ ‬الطّبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬2015م،‭ ‬ص‭: ‬134‭.‬

15‭.‬ حنفيّ‭: ‬حسن،‭ ‬التّراث‭ ‬والتّجديد‭: ‬موقفنا‭ ‬من‭ ‬التّراث‭ ‬القديم؛‭ ‬ط‭ ‬المؤسسة‭ ‬الجامعيّة‭ ‬للدّراسات‭ ‬والنّشر‭ ‬والتّوزيع،‭ ‬لبنان‭/ ‬بيروت،‭ ‬الطّبعة‭ ‬الرّابعة،‭ ‬1412هـ‭/ ‬1992م،‭ ‬ص‭: ‬122‭.‬