0031

د. يحيى أبو زكريا

قال الله تعالى في مُحكم التنزيل: “إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ”.

وقد وردتْ كلمة “الفتنة” في القرآن الكريم في أربعة وثلاثين موضعا، وقد نقل ابن منظور في “لسان العرب” عن ابن الأعرابي معاني الفتنة، التي أوجزها بقوله: الفتنة الاختبار والمحنة والمال والأولاد والكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار.. ويذهب الزمخشري في “الكشاف” إلى القول بأنَّ الفتنة هي: اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم.

والفتنة الكبرى التي عصفتْ بالإسلام والمسلمين في القرن الأول والثاني تفاقمتْ وتضخَّمتْ وتحوَّلتْ إلى كرة نار ما فتئت تحرق كل المحطات الإسلامية، رغم النهي النبوي بعدم إيقاظ الفتنة: “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”. ومثلما للغربيين واليابانيين والصينيين قابلية مُذهلة للإنتاج المعرفي والتقني والحضاري، فإنَّ للمسلمين قابلية عملاقة لإنتاج الفتنة وإعادة إنتاجها؛ حيث وجَّهوا عقولهم إلى الماضي، فيما اختار الآخرون المستقبل مساحة لإبداعاتهم وتفانيهم العلمي.

وفي ظرفٍ وجيز وقياسي، أعاد المسلمون بكلِّ مِللهم ونِحلهم ومذاهبهم نبشَ التاريخ، وبعث الحياة في أكثر الحقب التاريخية مأسوية وسوداوية، واحتكموا إلى التاريخ وحقبة الفتنة فيه، وقدموا النصَّ التاريخي الأسود على النصِّ الرباني الأبيض؛ فازدادوا تيها وانحرافا، وأضافوا إلى سياق فتنتهم التاريخية فتنا جديدة ممزوجة بقوة وسائل الإعلام ووسائط الاتصال، وفي الوقت الذي حوَّل فيه الغربيون التقنية المعاصرة إلى أداة تكامل، حوَّل المسلمون التقنية المعاصرة إلى حلبة فتنة قوامها التلاعن والتشاتم والتخابث والتساب والتخاصم، وانعدم الإجماع، وانفرط التلاقي. وحتى على صعيد المسؤولية، فكلُّ فريق يرمي الآخر، وكلُّ مذهب يتهم الآخر، وكل نِحلة تشير بأصابع الاتهام للأخرى، والإسلامُ الذي تحرق جغرافيته ويذبح أتباعه يتفرَّج على المسلمين جميعا وقد تحولوا إلى عبء عليه.

فمَنْ ذا الذي أعادَ إحياء الفتنة الكبرى التي تعصفُ بالمسلمين؟ ومَنْ يحرص على إحياء كل مساوئ التاريخ الإسلامي؟ ولماذا يملك المسلمون قابلية فظيعة وعملاقة للفتنة؟ ولماذا اختاروا -عن سبق إصرار وترصد- السكن في التاريخ المغلق الدموي، فيما اختار الآخرون السكن في المستقبل وأرسلوا مركباتهم الفضائية إلى بحار المجرات الكونية؟ علما بأنَّ الله أمرنا قبل 14 قرنا بضرورة التوجه إلى المستقبل!!

وهل أسهم أعداءُ الأمة الإسلامية التاريخيين من المستشرقين -الذين نبشوا التاريخ الإسلامي- في وضع كمائن تاريخية وألغام فكرية اجتازها المسلمون بأقدامهم وعقولهم وأجسادهم فتناثرت أجسادهم وجغرافيتهم؟! ألم يُسهم منتغمري وات في كتابه “محمد في مكة” في وضع كمائن للمسلمين؟ ولماذا كان المستشرقون يركزون بقوة ودقة على تاريخ الفرق والصراع بينها، وعوامل نشأتها، ومحاولة إثارة أخبارها، ووضعها في بؤرة الشعور لدى الأمة الإسلامية؟ ألم يعمل المستشرق “كراوس” -ذلك الصهيوني التشيكي الأصل- على إعادة بعث كل تاريخ الفِرق والمِلل والنِّحل والمسلمون غائبون لا يقرأون ولا يملكون مراكز تحقق لهم الأمن الثقافي؟

4,020 total views, 2 views today