مهدي‭ ‬زلزلي –  ‬قاصّ‭ ‬لبناني


-1-

‭”‬لا‭ ‬تطرح‭ ‬دُرَرَكَ‭ ‬أمام‭ ‬الخنازير‭”.. ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬قلت‭ ‬لَكَ‭ ‬ذلك‭ ‬ألف‭ ‬مرَّة‭!‬

خاطبني‭ ‬زياد‭ ‬بغضبٍ‭ ‬وصوت‭ ‬مسموع،‭ ‬فحاولت‭ ‬إسكاته‭ ‬بغمزة‭ ‬من‭ ‬عيني‭ ‬اليمنى‭ ‬مصحوبة‭ ‬بعضّ‭ ‬خفيّ‭ ‬على‭ ‬شفتي‭ ‬السّفلى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أهمس‭ ‬معاتباً‭: ‬ سيسمعكَ‭ ‬الرجل‭! ‬

-2-

كان‭ ‬زياد‭ ‬أوَّل‭ ‬من‭ ‬لاحظ‭ ‬الأمر.‬ لم‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬احتشاد‭ ‬دخان‭ ‬النراجيل‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬المغلقة‭ ‬كلّ‭ ‬منافذه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هواء‭ ‬كانون‭ ‬البارد‭. ‬ الرجل‭ ‬منصرف‭ ‬بكليّته‭ ‬إلينا‭ ‬فعلاً،‭ ‬وبشكل‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الضيق‭.. ‬ ولكن‭ ‬الحق‭ ‬أنَّ‭ ‬زياد‭ ‬سريع‭ ‬الاشتعال‭ ‬أيضاً‭.

لم‭ ‬يكن‭ ‬الحديث‭ ‬بيننا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬التخطيط‭ ‬لهبَّة‭ ‬شعبيَّة‭ ‬تطيح‭ ‬بالعروش‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬حال،‭ ‬واحترام‭ ‬الخصوصيَّة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوماً‭ ‬أمراً‭ ‬ذا‭ ‬شأن‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬كي‭ ‬نأسف‭ ‬الآن‭ ‬لتبدّل‭ ‬الأحوال.     

حاولت‭ ‬تبسيط‭ ‬الأمر‭ ‬فقلت‭ ‬لزياد‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭ ‬أنَّ‭ ‬الرجل‭ ‬منجذب‭ ‬–‭ ‬دون‭ ‬شكّ‭ – ‬لحديثنا‭ ‬حول‭ ‬النزوح‭ ‬الجماعي‭ ‬للروائيين‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الصوفيّة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬مكشوفة‭ ‬لصيد‭ ‬الجوائز‭ ‬والقرَّاء‭ ‬معاً،‭ ‬وعقَّب‭ ‬كريم‭ ‬على‭ ‬كلامي‭ ‬مخمّناً‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬المسكين‭ ‬محكوماً‭ ‬بالجلوس‭ ‬إلى‭ ‬صديقَين‭ ‬لا‭ ‬يشاركانه‭ ‬اهتماماته‭ ‬وهمومه. 

قطع‭ ‬الرجل‭ ‬تخميناتنا‭ ‬وشكوكنا‭ ‬باليقين‭ ‬حين‭ ‬استدار‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬صوبنا،‭ ‬مضيفاً‭ ‬بأزيز‭ ‬كرسيه‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجلبة‭ ‬إلى‭ ‬جوّ‭ ‬المقهى‭ ‬الصاخب‭ ‬أصلاً،‭ ‬وهتف‭ ‬بنبرة‭ ‬مرحة‭: ‬ واضح‭ ‬من‭ ‬حديثكم‭ ‬أنكم‭ ‬مهتمون‭ ‬بالشعر‭!

لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬نحن‭ ‬الثلاثة‭ ‬قد‭ ‬أتى‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬الشعر،‭ ‬ولكن‭ ‬ليست‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المشكلة،‭ ‬فَـ ‭ “‬كله‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬صابون‭”‬. ما‭ ‬جعلنا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬بعضنا‭ ‬باستغراب‭ ‬هو‭ ‬مستوى‭ ‬تطفل‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬عبَّرت‭ ‬عنه‭ ‬خطوته‭ ‬الجديدة‭.

لم‭ ‬يملك‭ ‬كريم‭ ‬سوى‭ ‬هزّ‭ ‬رأسه‭ ‬موافقاً،‭ ‬أمَّا‭ ‬زياد‭ ‬فقد‭ ‬تظاهر‭ ‬بالإنشغال‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬شاشة‭ ‬هاتفه‭ ‬المحمول،‭ ‬وكتمتُ‭ ‬أنا‭ ‬ضحكة‭ ‬كادت‭ ‬–‭ ‬لسبب‭ ‬ما‭ ‬–‭ ‬تفلت‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬مواجهاً‭ ‬لي‭ ‬تماماً‭. 

‭- ‬ أظنّ‭ ‬انَّ‭ ‬سبب‭ ‬تفوّق‭ ‬الغرب‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ميدان‭ ‬هو‭ ‬انصرافه‭ ‬إلى‭ ‬الفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬والعلوم‭ ‬المختلفة‭ ‬وانشغالنا‭ ‬بالشعر‭ ‬وسواه‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬اللهو‭ ‬وإضاعة‭ ‬الوقت. 

كنتُ‭ ‬فاشلاً‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬الخطاب‭ ‬بحسب‭ ‬ثنائيَّة‭ ‬المقام‭ ‬والمقال‭ ‬وهوية‭ ‬المخاطَب،‭ ‬ولا‭ ‬أجيد‭ ‬سوى‭ ‬قول‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬أمام‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬أعرفه،‭ ‬وكنتُ‭ ‬راغباً‭ ‬بالثأر‭ ‬لكرامة‭ ‬صديقنا‭ ‬كريم‭ ‬أيضاً،‭ ‬فاندفعتُ‭ ‬أفنّد‭ ‬قول‭ ‬الرجل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬إزاء‭ ‬طرح‭ ‬فكريّ‭ ‬عميق،‭ ‬فقلتُ‭ ‬له‭ ‬أنَّ‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬لولا‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالأدب‭ ‬والفنون،‭ ‬وأنَّ‭ ‬التكامل‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬رفعة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأنَّ‭ ‬نظريَّته‭ ‬حول‭ ‬الأولويَّات‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬جانبه‭ ‬الجماليّ‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬محرّكاً‭ ‬للشعوب‭ ‬وباعثاً‭ ‬على‭ ‬نهضتها‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أغضب‭ ‬زياد‭ ‬وجعله‭ ‬يعيد‭ ‬عليّ‭ ‬العبارة‭ ‬التي‭ ‬انتقاها‭ ‬من‭ “‬إنجيل‭ ‬متى‭” ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬وأعادها‭ ‬على‭ ‬مسمعيّ‭ ‬مرات‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬الألف‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭.‬

ربما‭ ‬كان‭ ‬زياد‭ ‬على‭ ‬حقّ،‭ ‬ولكن‭ ‬إلقاء‭ ‬الدرر‭ ‬أمام‭ ‬الخنازير‭ ‬أثمرَ‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬فقد‭ ‬وجد‭ ‬الرجل‭ ‬نفسه‭ ‬معنيَّاً‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬النظرات‭ ‬المصوّبة‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬المقهى‭ ‬الذي‭ ‬صمت‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬فيه‭ ‬للإنصات‭ ‬إلى‭ ‬مطالعتي‭ ‬وانتظار‭ ‬جوابه‭ ‬عليها،‭ ‬ففاجأنا‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭:

‭ – ‬أرجو‭ ‬ألا‭ ‬يُفهَم‭ ‬من‭ ‬كلامي‭ ‬معاداتي‭ ‬للشعر‭ ‬والأدب،‭ ‬فأنا‭ ‬–‭ ‬وإن‭ ‬كنتُ‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬ناجحاً‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬ليضيعه‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬أبدأ‭ ‬نشاطي‭ ‬اليوميّ‭ ‬قبل‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬قصائد‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬الجميلة‭ ‬مصحوبةً‭ ‬بالموسيقى‭. ‬تعجبني‭ ‬كلها،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬مطلعها: ‭”‬أنا‭ ‬ملكُ‭ ‬الصدى،‭ ‬لا‭ ‬عرشَ‭ ‬لي‭ ‬إلا‭ ‬الهوامش‭”.‬

هممتُ‭ ‬بتنبيه‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬خلطه‭ ‬بين‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش،‭ ‬وإلى‭ ‬كون‭ ‬العبارة‭ ‬التي‭ ‬ذكرها‭ ‬مطلعاً‭ ‬للمقطع‭ ‬الذي‭ ‬يستمع‭ ‬إليه‭ ‬أو‭ ‬يشاهده‭ ‬عبر‭ “‬يوتيوب‭” ‬ وليست‭ ‬مطلعاً‭ ‬للقصيدة‭ ‬نفسها،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬نظرة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬زياد‭ ‬لجمتني‭ ‬فآثرتُ‭ ‬الصّمت،‭ ‬ولكن‭ ‬رغبتي‭ ‬في‭ ‬مناكفة‭ ‬كريم‭ ‬أو‭ ‬ربّما‭ ‬في‭ ‬تحصيل‭ ‬حقه‭ ‬المعنويّ،‭ ‬دَفَعَتني‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬مجدّداً‭:

‭-  ‬ على‭ ‬كلّ‭ ‬حال،‭ ‬نحن‭ ‬الإثنان‭ ‬مرجعنا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬الأستاذ‭ ‬كريم،‭ ‬صاحب‭ ‬التجربة‭ ‬الشعريَّة‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬سمعت‭ ‬باسمه‭ ‬من‭ ‬قبل‭.

وفيما‭ ‬انخرط‭ ‬كريم‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬جانبيّ،‭ ‬استلزمتْ‭ ‬مواصلتُه‭ ‬انتقالَه‭ ‬إلى‭ ‬الطاولة‭ ‬الأخرى‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬إلحاح‭ ‬الأخير،‭ ‬كان‭ ‬زياد‭ ‬يعاتبني‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تصرّف‭ ‬غير‭ ‬أخلاقيّ،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تملصي‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬العبثيّ‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توريط‭ ‬كريم‭ ‬الهادئ‭ ‬والمسالم‭ ‬فيه‭ ‬نيابةً‭ ‬عني،‭ ‬وكدتُ‭ ‬أشعرُ‭ ‬بالذنبِ‭ ‬فعلاً‭ ‬لولا‭ ‬أنَّ‭ ‬كريم‭ ‬عاد‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬طاولتنا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اكتشف‭ ‬أنَّ‭ ‬علاقة‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬الناجح‭ ‬هذا‭ ‬بالشعر‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬درويش‭ ‬ونزار،‭ ‬وأنَّه‭ ‬يعرف‭ ‬عدداً‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الوافدات‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬القصيدة‭ ‬من‭ ‬بوَّابة‭ ‬أطباء‭ ‬التجميل‭. ‬وقال‭ ‬كريم‭ ‬أنَّه‭ ‬أنهى‭ ‬الحديث‭ ‬بحزم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انقلب‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬عقبيه‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬آرائه‭ ‬الأولى‭ ‬متسائلاً‭ ‬عن‭ ‬السّبب‭ ‬الذي‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬ندب‭ ‬السّعادة‭ ‬الضائعة‭ ‬بأسلوب‭ ‬أدبيّ‭ ‬جميل‭ ‬طالما‭ ‬أننا‭ ‬نستطيع‭ ‬شراءها‭ ‬بأموالنا،‭ ‬وعن‭ ‬السّبب‭ ‬الذي‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬الإنشغال‭ ‬عن‭ ‬تحصيل‭ ‬الأموال‭  ‬بالبكاء‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬زياد‭ ‬أوَّل‭ ‬من‭ ‬لاحظ‭ ‬الأمر،‭ ‬لم‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬احتشاد‭ ‬دخان‭ ‬النراجيل‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬المقفلة‭ ‬كل‭ ‬منافذه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هواء‭ ‬كانون‭ ‬البارد،‭ ‬هذا‭ ‬الشتاء‭ ‬أقسى‭ ‬مما‭ ‬سبقه‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭. ‬الرجل‭ ‬نفسه‭ ‬يجلس‭ ‬قبالتنا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يوجّه‭ ‬خطابه‭ ‬إلينا‭ ‬دون‭ ‬غيرنا،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يطل‭ ‬هذه‭ ‬المرَّة‭ ‬عبر‭ ‬شاشة‭ ‬تحمله‭ ‬إلى‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬غيرنا‭. ‬يتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالأدب‭ ‬والشعر‭ ‬ودعمه‭ ‬للمواهب‭ ‬الشابّة،‭ ‬وتخصيصه‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬وقته‭ ‬الثمين‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬دار‭ ‬نشر‭ ‬أسّسها‭ ‬مؤخراً‭ ‬لهذه‭ ‬الغاية،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬منحة‭ ‬ماليّة‭ ‬كبيرة‭ ‬قدَّمتها‭ ‬الحكومة‭ ‬الهولنديَّة‭ ‬لترجمة‭ ‬أعمال‭ ‬روائيَّة‭ ‬وشعرية‭ ‬عربيَّة‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬الهولنديّة‭ ‬وبالعكس‭.‬

وقال‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬أنَّ‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هولندا‭ ‬وفي‭ ‬الغرب‭ ‬عموماً‭ ‬لم‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصلوا‭ ‬إليه‭ ‬لولا‭ ‬اهتمامهم‭ ‬بالآداب‭ ‬والفنون،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ – ‬وكذلك‭ ‬الرواية‭ ‬–‭ ‬كانا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬المحرّك‭ ‬للشعوب‭ ‬والباعث‭ ‬على‭ ‬نهضتها،‭ ‬ومن‭ ‬حقهما‭ ‬علينا‭ ‬نقل‭ ‬التجارب‭ ‬المضيئة‭ ‬فيهما‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬العالم،‭ ‬وزادَ‭ ‬أنَّ‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬واجب‭ ‬أخلاقيّ‭ ‬وإنسانيّ.          

كنت‭ ‬أظنّ‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬سوانا‭ ‬من‭ ‬روَّاد‭ ‬المقهى‭ ‬المنصرفين‭ ‬إلى‭ ‬لعب‭ ‬الطاولة‭ ‬وتدخين‭ ‬النرجيلة‭ ‬وتجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث،‭ ‬مهتمّ‭ ‬بمتابعة‭ ‬المقابلة‭ ‬في‭ ‬التلفزيون،‭ ‬لولا‭ ‬أنَّ‭ ‬شتيمة‭ ‬مقذعة‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬المقهى‭ ‬زعم‭ ‬صاحبُها‭ ‬أنَّه‭ ‬مترجم‭ ‬تعرَّض‭ ‬للنصب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الناشر‭ ‬الأفاك‭ ‬الذي‭ ‬نقده‭ ‬أجراً‭ ‬زهيداً‭ ‬لقاء‭ ‬ترجمة‭ ‬رواية‭ ‬هولنديَّة‭ ‬كبيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬وأجْبَرَهُ‭ ‬على‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬تفيد‭ ‬أنَّه‭ ‬تقاضى‭ ‬عشرة‭ ‬أضعاف‭ ‬المبلغ‭ ‬الحقيقي‭ ‬لتقديمها‭ ‬إلى‭ ‬الجهة‭ ‬المانحة‭.

رفعتُ‭ ‬يدي‭ ‬مضمومة‭ ‬الأصابع‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الرجل‭ ‬ثم‭ ‬خفضتها،‭ ‬وكرّرتُ‭ ‬ذلك‭ ‬بحركة‭ ‬سريعة،‭ ‬ففهم‭ ‬أنَّ‭ ‬عليه‭ ‬الصمت‭ ‬قليلاً‭ ‬ليتسنى‭ ‬لنا‭ ‬السَّماع‭ ‬بوضوح،‭ ‬كانت‭ ‬المحاوِرةُ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تقول‭ ‬للرجل‭ ‬الجالس‭ ‬قبالتها‭ ‬أنَّ‭ “‬عرش‭ ‬الهوامش‭” ‬التي‭ ‬جعلها‭ ‬اسماً‭ ‬لدار‭ ‬النشر‭ ‬خاصَّته،‭ ‬مقتطعة‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬لمحمود‭ ‬درويش،‭ ‬لا‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭!‬

‭—————————‬

– مهدي‭ ‬زلزلي‭ ‬قاصّ‭ ‬لبناني،‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصيّة‭ ‬بعنوان‭ “‬وجهُ‭ ‬رجلٍ‭ ‬وحيد‭” ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الفارابي‭ ‬‮٢٠١٨‬‭.‬

– حائز‭ ‬على‭ ‬تنويه‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬جائزة‭ “‬دبي‭ ‬الثقافيّة‭” ‬للإبداع‭ (‬الدورة‭ ‬السّابعة‭/ ‬‮٢٠١١‬‭) ‬لحلوله‭ ‬بين‭ ‬العشرة‭ ‬الأوائل‭ ‬عن‭ ‬مجموعته‭ ‬القصصيّة‭ ‬غير‭ ‬المنشورة‭ “‬خبرٌ‭ ‬سارّ‭”.‬

‭- ‬ حائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬مسابقة‭ “‬قصص‭ ‬على‭ ‬الهواء‭” ‬الشهريّة‭ ‬التي‭ ‬تنظمها‭ ‬مجلة‭ “‬العربي‭” ‬الكويتيّة‭ ‬وإذاعة‭ “‬مونتِ‭ ‬كارلو‭” ‬الدوليّة،‭ ‬ثلاث‭ ‬مرّات،‭ ‬عن‭ ‬قصصه‭: “‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭”‬،‭ ‬و‭”‬الكاتب‭ ‬الستينيّ‭”‬،‭ ‬و‭”‬الفستان‭ ‬الأبيض‭”.‬

‭+++++++‬