RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

اهتم الباحثون العرب والمسلمون في المائة السنة الأخيرة في البحث عن جذور تأخر المسلمين وتقدُّم الحضارات الأخرى غير العربية والإسلامية في غرب الأرض وشرقها، حيث تعددت النظريات والأطروحات في محاولة الكشف عن أسباب ضمور الحضارة الإسلامية بعدما كانت القمة بين الحضارات البشرية، وأصبحت الأطروحات مرجعًا وسببًا لتصنيف أصحابها إلى طرق وتيارات ومدارس فكرية، من قبيل التيارات الإسلامية والإصلاحية والعلمانية وغيرها. ولم تنجو هذه التيارات من التصنيفات الفكرية فحسب بل امتدت إلى الانتماءات الفكرية القطرية الغربية سواء الأوروبية الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الأمريكية لها.

والمشكلة التي يعانيها الباحث هو في تحديد المعنى الدقيق لمصطلح النهضة، حيث نجد أن هذا المصطلح في سياقه الأوروبي والزمني لا يمكن استصحابه وإلصاقه بالسياق العربي والإسلامي، ولا يمكننا المقارنة بين مآلات الكنيسة في القرون الوسطى وتداعيات الابتعاد عن العلموية في السياق العربي الإسلامي، حيث يعزوا جملة من الباحثين إلى أن التقدم الغربي كان سببه التقدُّم في العلوم ليس إلا، وهذا أدى بدوره إلى التقدم في جميع المجالات الأخرى من الصناعة والزراعة والاقتصاد وبناء الدولة الحديثة، وفي المقابل إن السبب العميد قي تخلفنا هو الابتعاد عن ركب العلم؛ هذه النظرة الاختزالية لعوامل التقدُّم الغربي أدى إلى كثير من اللبس في التحليل الموضوعي لمشكلة أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم وكان من نتائجه التخبط الاستراتيجي في بعض البلدان الناشئة والتي حاولت نسخ التجربة الأوروبية بمعزل عن السياق والبنية الأيديولوجية والميتافيزيقية التي بنيت عليها الحضارة الأوروبية والأمريكية؛ وأدى بتلك التجارب إلى الفشل الكبير بل وانهيار بعض تلك الأنظمة أو فشل البعض الآخر منها. ولم يكن النجاح حليف تللك التجارب التي اختزلت النجاح في المعرفة العلمية والتطور الاقتصادي المادي دون التركيز على شمولية التطور وإعادة بناء الإنسان من جوانبه الفكرية المختلفة بما ويتناسب مع محيطه الاجتماعي وموروثه الحضاري، وخير شاهد على ذلك التطور الياباني دون التنازل عن المعتقد البوذي.

إن الدعوة إلى اتباع الغرب في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعلمية من دون مراعاة الجوانب الاجتماعية والثقافية والدينية لن تؤدي إلى النتائج المرجوة منها؛ بل ينبغي أن تكون تجربتنا الحضارية مستمدة من كياننا الفكري ومراعاة الإرث التاريخي بالإضافة إلى الاستفادة من النظريات العلمية والاقتصادية والإدارية الحديثة. وأهم عنصرين ينبغي الالتفات إليهما هما عنصر الإرادة السياسية والرغبة الأكيدة في التغيير والتطوير والدخول في عصر التطور والتقدم الحضاري والآخر هو عنصر الإنسان؛ حيث ينبغي التركيز على الإنسان ومحوريته في أي تغيير وتطوير.

إن الخطط الخمسية – او العشرينية – التي اعتادت عليها الدول الناشئة وقيد التطوير في بلورتها كل خمسة أعوام ـ يجب أن تراعى فيها الجوانب الكفيلة لتطوير المواطن ورفع الحواجز عن التقدم والرقي المجتمعي وألا نكتفي فقط بخطط أحادية بل يجب إشراك مؤسسات المجتمع المدني والطبقة المثقفة في رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ولا نكتفي بمزامير وخطط المنظمات الدولية بل ينبغي معرفة الإطار الفكري والنموذج الاقتصادي التي تطرحها هذه المنظمات الدولية وتسوقها في بلداننا والحذر منها ولا يمكننا قبولها بأي حال من الأحوال من دون التدبر في نتائجها على الإنسان المواطن ومعرفة ألية تقييم تلك الخطط والنتائج المترتبة على اتباع تلك السياسات المقترحة على التغييرات في البنية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا العدد نسلط الضوء على بعض الجوانب العلمية وأهم البحوث التي يجريها العلماء في الجوانب النظرية والعملية؛ حيث يتحفنا ثلة من الأكاديميين العمانيين بعرض تلك البحوث ابتداء بنظريات نشوء الكون وانتهاء بالبحوث الجديدة في علم تكنولوجيات النانو المنتهي الصغر.

بالإضافة إلى مقالات ثقافية متعددة، نستضيف الدكتورة عائشة الدرمكية، أول رئيسة للنادي الثقافي في السلطنة، حيث أثرتنا بحوار مسهب عن دور النادي الثقافي وخططها المستقبلية في المساهمة في النهوض بالشأن الثقافي.

وختامًا نرجو أن ينال العدد رضا قرائنا الأعزاء، وأن نساهم معًا في نشر ثقافة راقية عميقة في ربوع هذا الوطن.. والله من وراء القصد.

6,504 total views, 5 views today