Aaa_1705

أمامة مصطفى اللواتي

سيأتون اليوم لخطبتها!

 خاطبٌ آخر لتمارس معه من جديد ألعابها السيكولوجية المتقنة، رفضت أربعة عرسان حتى الآن والأسباب كما يقول الجميع عجائبية ولا تبدو مألوفة. من يمكن أن يرفض عريس لأنه غنيٌ ويملك ثلاث أنواعٍ مختلفة من السيارات؟ حجة رشا أن منزلة السيارة قد تتساوى مع منزلة المرأة لدى بعض المترفين كما تسميهم، وإذا كان الرجل يقتني اليوم ثلاث سيارات فإنه لن يجد من الغضاضة في أن يقتني ثلاث نساء في المستقبل! وماذا ستفعل إذا قرر بعد الزواج أن يقتني سيارة رابعة؟ كانت المقاربة غير مقنعة لكن الخوف ظل قائمًا من المثال الذي اقترحته رشا. العريس الثاني كان وسيمًا، ذو ملامح إغريقية منحوتة، نادرًا ما تجدها في رجال المدن العربية، ولكنه رغم وسامته الشكلية لم يلقى قبولاً من رشا الفتاة الفارهة الطول ذات التقاطيع الصغيرة كالمنمنمات، وجدته رشا مجرد رجلٍ سوفسطائي فارغ، وما كانت تبحث عنه هو رجلٌ لوَّحت الشمس بشرته وعقله وصبغته بالسمرة التي تغنَّى بها عبدالحليم!

العريس الثالث كان من الطبقة المتوسطة، حنطي البشرة، متوسط القامة ويبدو أن الرجل كان مفتونا برشا، ولكنها ما أن أخذت تحدثه حتى غرقت في صمتٍ طويل لم تخرج منه إلا لتقول له: أنا آسفة جرب حظك مع أخرى! ولكن ما السبب هذه المرة يا رشا، تجيب بثقة أن الرجل نصّاب. وكيف يكون نصابًا؟

 تجيب رشا أن أول سؤالٍ خاطبها به الرجل هو: متى تبدأين عملك؟

 وما دخل هذا بالنصب والاحتيال؟ تقول رشا أنتم لا تفهمون سيكولوجية الرجل! ونصمت جميعا، لا لأننا لا نفهم سيكولوجية الرجل كما تقول، ولكن لأننا لا نفهم معنى كلمة سيكولوجية من الأساس. عموما تقول رشا أنه بعد سؤاله المفجع هذا مباشرة بدأ يبادلها كلمات الاعجاب همسًا!!

أليس من الرائع أن يكون بهذه الرومانسية؟ تقول رشا بحزم: لا.. أنا بالنسبة إليه مجرد صفقة، صفقة مناسبة تماما للزواج والإنجاب والاستقرار ..أما الحب الذي يدّعيه بغزله فهو بلا شك تمثيلٌ مارسه على مسارح الأخريات! ولأننا لم نحضر أي مسرحيةٍ في حياتنا ولا نفهم كيف يكون الرجل مخطئًا برغبته في الزواج والإنجاب والاستقرار، ولا نفهم كيف يمكن لموظفٍ مصرفيٍ بسيط أن يكون ممثلاً بارعًا، فقد كانت كلمة أخريات كافية لإقناعنا وسكتنا على مضض.

العريس الرابع كان لا غبار عليه، بدا وكأنه مدركٌ لكل أفكار رشا العجيبة، فهو رجلٌ عصامي، لا يمانع إن عملت أو قررت الاستقرار في المنزل، كما أنه ولحسن الحظ يملك سيارة واحدة، وبشرة فنزولية خلابة، وقامة رياضية، ويبدو متحدثًا لبقًا.. ولكن يبدو أن أكبر خطأ اقترفه أنه جلب معه هدية!

هل أخبرتكم أن رشا تتمتع بذوق عالي جدًّا، ولا تختار من العطور إلا أفضلها، كما أنها لا تحب العطور الخفيفة بل تأسرها العطور القوية، تمامًا كشخصيتها المتعالية بعض الشيء، ولكنها بشكل عام وللأمانة لا تستطيع مقاومة رائحة الفواكه والخزامى في العطور، وخطأ العريس الرابع ليس في أنه جلب عطرا برائحة الياسمين التي لا تحبها رشا، ولكن لأن العطر كان من النوع المتواضع!!

أصبح الوضح شديد التأزم في المنزل، غضب والدي ومطت أمي شفتيها باستياء، ورشا متمسكة بموقفها من العطر الذي تخلصت منه بأن أهدته للطفلة الصغيرة ابنة الجيران، واضطر الرجل صاحب عطر الياسمين إلى الانتظار لمدة شهر كامل حتى يحصل على موافقة رشا، وفي النهاية وافقت رشا على مضض وهي تقول للجميع سأثبت لكم أن الرجل يشكو من علة كبيرة. المهم أن العريس كان يزورنا كثيرًا وكنا نستمتع بصحبته، ولكن اختياراته في الهدايا بدت خارجة عن ذوق رشا بشكل بدا متنافرًا، فقد كانت هديته في المرة الثانية مُفاجئة بعض الشيء.. أكوابٌ من الخزف الصيني الذي يمكن رؤيته متناثرًا في الأسواق الصينية! تعلق رشا بسخريتها اللاذعة أنها ستكسر الأكواب فوق رأسه إذا تزوجا! وفي عيد ميلادها أهداها قطعة من الذهب الخالص التي اشتراها من سوق تقليدي لا يمت في اختياراته إلى عالم رشا التي يأسرها التصميم الراقي قبل كل شيء. كانت هذه أمور صغيرة بالتأكيد، لكن كانت تقوم قائمة رشا عليها، ولم يطل الأمر كثيرًا حتى بدأنا نكتشف عند الحديث عن ترتيبات الزفاف أن الرجل ذو قبضة مشدودة بمعنى أنه بخيل ولا يمكنه أن يقوم بأي صفقة في حياته دون أن يتأكد أنه حصل على العرض الأفضل وهكذا امتدت ترتيبات الزفاف شهورًا طويلة بسبب تأنيه في كل خطوةٍ صغيرةٍ كانت أم كبيرة، فيجب انتظار التخفيضات، ويجب جمع العدد الكافي من الكوبونات التوفيرية، وهكذا توالت الشهور تلو الشهور ونفذ صبر رشا قبل ذلك بفترة طويلة، ولكن الجميع كان يقف ضدها وضد تهديداتها بفسخ الخطبة، وهكذا جاء الانفجار العظيم الذي أعلنت فيه رشا تخليها عن العريس الرابع بحجة انه تجاوز الوقت المحدد للزواج و أنها لا تستطيع أن تنتظره حتى ينتهي من زيارة كل المحلات التجارية داخل البلد وخارجها حتى يحصل على أفضل سعر.

العريس الخامس جاءنا زائرًا بعد ان أضربت رشا فعليًّا عن استقبال الخطاب، ولكن الرجل جاء ليزور والدي، وكان ذا جرأة حين طلب من أبي أن يوفق بينه وبين رشا التي يبدو أنه رآها في مكان العمل وأُعجب بأخلاقها كما يقول، ولأنه لم يسبق لرشا أن رأته من قبل، فقد دفعها فضولها إلى الموافقة على رؤية الرجل الذي يعمل معها بنفس المؤسسة دون أن تراه أو تعرف عنه شيئًا. الحقيقة أن أبي كان مرتابًا بعض الشيء لهذا الارتباط ولكننا أحببنا جميعا رؤية هذا الرجل الغامض، وأُعجبنا به وبأخلاقه وتواضعه، وكانت دهشتنا عظيمة ونحن نلحظ الاهتمام في نظرات رشا، ولكننا خرجنا جميعًا من هذا اللقاء ونحن مضطربين ومرتبكين ونرجو رشا أن تفكر مليًّا في هذا الارتباط وألا تستعجل في أمرها. الغريب أن رشا لم تجد في الرجل أي منقصةٍ رغم وضوحها وبروزها للعيان، وقد اُصبنا جميعا بشيء من الذعر تجاهلته رشا تمامًا، بل إننا شاهدنا أمي وقد كاد الدمع أن يطفر من عينيها بعد رؤيتها للرجل، وكانت تتوقع مثل كل مرة رفضا من جانب رشا خاصة وأنها ستلاحظ ما لاحظه الجميع وسترفض الزيجة من تلقاء نفسها، ولكن أمي أصيبت بشيء من الدهشة وربما الهلع حين لاحظت أن رشا لا تبدو مستاءة مثل كل مرة، بل كانت تبدو كفتاة حالمة تترقب حبًّا قريبًا!

قالت لها أمي: ألم تلاحظيه يا رشا ..؟

أجابت رشا باستغراب: ألاحظ ماذا يا أمي؟ قالت أمي بتأني: أصابعه يا رشا.. ألم تلاحظيها؟ صمتت رشا وكأنها تحاول ان تستذكر منظر أصابعه، قالت نعم كانت أصابعه طويلة جدًّا كعازف بيانو، وكانت أظافره جاحظة بعض الشيء.. هل جاحظة الكلمة المناسبة؟ أم تُستخدم لوصف العيون فقط؟ نعم يداه ضخمتان مقارنة بجسده..

هنا لم أتمالك نفسي وصحتُ قائلةً: رشا هل رأيت في حياتك أصابع أكثر ضخامة من هذه الأصابع؟ إنها مَدَافع وليست أصابع وأظافره مخيفة جدًّا ببروزها الشديد.

أجابت رشا بابتسامتها الواثقة: ولكنه رجل .. ومن الطبيعي أن تكون يداه ضخمتان؟

قلتُ لها بنفاذ صبر: وماذا عن يد والدنا وأخوتنا الذكور؟ هل تشبه يد هذ العريس يد أي منهم؟ ألا تبدوان لك كأرجل تيس لا كأصابع رجل؟

حينها قالت رشا بهدوء: ولكن هذا التيس أعجبني! لا دخل لي في يديه فهما ستحملاني إلى كل مكان تمامًا كقلبه!

لا أدري كيف تتزوج البنات اليوم، ولكن رشا كانت مصيبة فقد كانت للرجل التيس أو الأصابع التيس أو يد التيس كما كان يحلو لنا أن نصفها في سرية تامة شخصيةٌ متألقة، ويكفي أنهما أحاطتا برشا في يوم زفافها، وبدت سعيدة جدًّا في حياتها حتى لحظات كتابة هذه السطور التي حكتها لي أمي عن خالتي العجيبة رشا!

4,200 total views, 8 views today