صالح البلوشي

يُعرف عصر النهضة في الفكر العربي بأنه الفترة التي امتدت من سنة 1798 مع الحملة الفرنسية على مصر، وانتهت عام 1939. كانت البداية عندما دخلت القوات الفرنسية القاهرة، وشاهد المصريون -ولأول مرة- الأسلحة الحديثة التي استخدمها الفرنسيون في الحملة، إضافة إلى العلوم الحديثة التي جَلَبوها معهم إلى أرض الكَنانة، كانت تلك هي الشرارة التي حركت العقل العربي، وأيقظته من سُبَاته العميق، الذي طال قرونًا متطاولة، وأطلقت صفارة الإنذار بأنَّ العالم قد تغير، ولم يعد كالأمس، مما جعل شيخ الأزهر –آنذاك حسن العطار- يقول كلمته الشهيرة: «إنَّ بلادنا يجب أنْ تتغير أحوالها، ويتجدد فيها العلوم ما ليس فيها» انطلق مشروع النهضة العربية الذي بدأه والي مصر محمد علي باشا (1805 – 1848) ببعثات تعليمية إلى أوروبا، حاول مِن خلالها أنْ يستفيد من احتكاكها بالخبرات الأوربية من أجل العمل على بناء نهضة ثقافية وعِلمية بمصر والعالم العربي، وكان الشيخ رفاعة الطهطاوي من أوائل الذين أدركوا ضرورة التغيير والإصلاح، وخاصة في التعليم، واهتم كثيرًا بتعليم البنات، وَأَلَّفَ في ذلك كتابه المعروف «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين» أخذ جانب الإصلاح الديني حَيِّزًا كبيرًا وواسعًا في عملية التنوير في السياق العربي، وكان أبرز هؤلاء الذين تزعموا هذا التيار جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905) وإلى جانب ذلك انطلقت دعوات لتحرير المرأة العربية من أسر الفتاوى التقليدية، وأبرز مَن تَصَدَّى لهذه الدعوة المفكر المصري قاسم أمين (1865 – 1908) بكتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» إضافة إلى المفكر التونسي الطاهر الحداد (1899-1935) في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» وأما في الجانب السياسي فلا بد أنْ نُشِير إلى المحاولة الجريئة التي قام بها العالم الأزهري علي عبد الرزاق (1888-1966) في كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» الذي رفض فيه فكرة «الخلافة الإسلامية» وقال بأنها فكرة غريبة عن الإسلام، ولم تأتِ بها الشريعة، وإنما نشأت لأسباب سياسية لا علاقة لها بجوهر الدين الإسلامي، ولكنه اصطدم بقوة الخطاب الديني –آنذاك- مع أَنَّ الواقع السياسي في تلك الفترة كان يقول بأنَّ الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك ضرب المسمار الأخير في نعش الخلافة الإسلامية بعد إلغائه لها في تركيا سنة 1924.

وفي الجانب العِلمي ساهم المفكر السوري شبلي شميل (1850 – 1917) في إدخال نظرية التطور لدى داروين في العالم العربي، وكان مِن أشد المؤيدين لها، والمدافعين عنها، وقام أيضا بترجمة وتقديم كتاب «فلسفة النشوء والارتقاء» للألماني بخنر لقُرَّاء العربية، وأما في جانب الترجمة فقد حرص محمد علي باشا على تشجيع ترجمة العلوم الغربية مِن فكرٍ وآدابٍ وفلسفةٍ، وإيصالها إلى العرب للمساهمة في بناء أمة متقدمة، تضاهي الأمم الأخرى في العلوم والفنون المختلفة، وفي عهد الخديوي إسماعيل تُرجمت العديد مِن الآداب الأوروبية مِن قصص ورواية، وكان الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) قد تَرجم بعض تلك الأعمال مع صياغتها صوغا عربيا مثل «ماجدولين» و «الشاعر» و«في سبيل التاج» وغيرها. تميزت تلك الفترة بثقافة الحوار التي كانت تسود بين الأطراف الفكرية المختلفة، وكان الاختلاف الفكري يُقَابَل بالفكر، وليس بالتكفير والتهديد بالقتل كما يحدث اليوم، فعندما أَلَّفَ المفكر المصري إسماعيل أدهم (1911-1940) رسالته المثيرة للجدل «لماذا أنا مُلْحِد» لم يرافق ذلك اتهامه بالكفر أو صدور فتوى ضده بالقتل، وإنما رَدَّ عليه محمد فريد وجدي (1878-1954) برسالة أسماها «لماذا هو مُلْحِد» وناقش فيها الكاتب بالحجة والدليل العلمي والبرهان العقلي، وكتب في مقدمتها: هذه مقدمة نسوقها بين يدي نَقْدٍ نشرع فيه لرسالة ترامت إلينا بعنوان «لماذا أنا مُلْحِد» نشرها حضرة الدكتور إسماعيل أحمد أدهم في مجلة الإمام الصادرة في أغسطس سنة 1937 ثُمَّ أفردها في كراسة تعميما للدعوة» وبالإمكان مقارنة ذلك بِرَد الفعل العنيف الذي قُوبِل به ترجمة كتاب «تاريخ القرآن» لنولدكه قبل عدة سنوات في عواصم عربية متعددة منها بيروت، التي منعت السلطات المحلية فيها تداول الكتاب في المكتبات اللبنانية، وكذلك الهجوم العاصف الذي رافق طبع كتاب «الشخصية المحمدية» للشاعر العراقي معروف الرصافي، الذي مُنع من التداول في أغلب الدول العربية.

مِن أبرز الكتب التي صدرت في تلك الفترة أيضا كتاب «في الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين (1917-1973) ودعا فيه إلى اتباع منهج الشك المنهجي في البحث، وعمل على تطبيق ذلك على الشعر الجاهلي، ووصل فيها إلى نتائج تخالف السائد، وَتَعَرَّض لهجوم عنيف من علماء الأزهر وغيرهم، بدعوى أنَّه يدعو إلى الشك في الإيمان والثوابت الإسلامية، الأمر الذي اضطره إلى تغيير بعض فصول الكتاب واستبدال العنوان إلى «في الأدب الجاهلي» وكتاب «هذي هي الأغلال» للمفكر السعودي عبد الله القصيمي (1907 – 1996) ورسالة «عقيدة الألوهة .. مذهبي» للدكتور أحمد كمال أبو شادي (1892 – 1955).

ولم يقتصر عصر النهضة على إصدار الكتب فقط؛ وإنما صدرت أيضا مجلات حاولت نشر فكر التنوير في المجتمع، ودعت في مقالاتها المختلفة إلى إحياء التفكير العلمي والمنهج العقلي في البحث والتخلي عن الرؤية الميتافيزيقية في تفسير الكون، وكان أبرزها مجلة «العصور» للمفكر المصري إسماعيل مظهر (1891-1962)، ومجلة «الدهور» و«الثقافة» و«الرسالة» و«الهلال» وغيرها، وقد توقفت كثير منها نتيجة للحملات المضادة من التيارات الدينية.

عُرِفَت تلك الفترة الذهبية بالعهد الليبرالي، وهي الفترة التي أنجبت كثيرًا مِن الأفْذَاذ في الحقول المَعرِفِية المختلفة، في الفكر، والثقافة، والأدب، والفكر السياسي، وغيرها، وقد أَلَّفَ المفكر البرت حبيب حوراني (1915-1993) كتابًا مهما عن تلك الفترة بعنوان «الفكر العربي في عصر النهضة» حاول فيه إلقاء الضوء على تاريخ العرب في تلك المرحلة، من خلال سرد أفكار وآراء أهم شخصيات ذلك العصر كالطهطاوي، وخير الدين التونسي، والأفغاني، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين وغيرهم.

أَسهَمَت عوائق كثيرة في إفشال مشروع النهضة العربية، وأيضًا عرقلة فكر التنوير في المجتمع العربي، وكان أبرز هذه العوائق تدخل الجيوش العربية في العمل السياسي بقيادتها عدة انقلابات عسكرية في مصر والعراق وسورية والجزائر وغيرها، وأيضا سقوط الأنظمة الملكية في مصر والعراق وسورية التي عَرَفت هامشًا كبيرًا من الحرية والديمقراطية بفضل وجود الأحزاب الليبرالية –آنذاك- إضافة إلى بروز ظاهرة الإسلام السياسي بعد تأسيس جماعة «الإخوان المسلمون» عام 1928 مما أدى إلى إدخال الدين في التسييس والأدلجة والتثوير.

4,339 total views, 11 views today