تُعدُّ مُواكبة التقدُّم التكنولوجي المعاصِر من الركائز الأساسية التي تُبنى عليها المناهج؛ فكما نعلم أنَّ عصرنا الحالي يتميَّز بالتقنية المتقدِّمة في مجال المعلوماتية ونُظم الاتصالات، والتي كان لتطبيقاتها المتنوعة تأثيرٌ كبيرٌ في شتى مجالات حياتنا المعاصرة؛ ومنها المجال التربوي التعليمي؛ حيث بَرَزت العديد من التقنيات التي غيَّرت شكل التعلم التقليدي، حتى أصبح الصف -في العديد من المدارس- مختلفًا عن الشكل الذي نعهده.
“وفي عالمنا العربي، برزتْ الآن العديدُ من المشاريع والتجارب التي تهدفُ للتوسع في توفير التعليم والتدريب الذي يتناسب مع التطوُّر السريع في تقنية المعلومات والاتصالات” ( الفارسية، 2010،11).
فالتكنولوجيا -كما ذكر رجب (2011)- تزوِّد المعلمين بأدوات تدريس قوية لتعزيز عملية التعلم داخل الصف؛ مثل: الشرح، والعرض، وإشراك التلاميذ في العملية التعليمية؛ فهي تُساعدهم على بث الحياة في المواد التي يدرسونها على نحوٍ لم يسبق له مثيل. كما أنَّ استخدامها على نحوٍ جيد يسمح للتلاميذ بالاستمتاع بأساليب أكثر تفاعلية للتعلم، وتعزز العمل الجماعي والتعاون. فمن المسلَّم به عالميًّا أنَّ التكنولوجيا توفر فوائد كبيرة للأسلوب الذي يمكن أن يتعلم به الأفراد.

تقنيات برزت في التعليم الحديث:
برزتْ تقنيات عديدة في التعليم الحديث، سنلخِّص أبرز سبع منها فيما يلي -عبدالباقي، 2015:
– شاشات سامسونج بتقنية LFD: شاشات عرض كبيرة الحجم، تم تصميمها بغرض الحفاظ على معدل أداء عالٍ؛ حيث يُمكن تشغيلها لفترات زمنية طويلة لاستخدامها في التعليم، كما يمكن الكتابة والعرض عليها، وتحميل التطبيقات الذكية والاتصال بشبكة الإنترنت.
– الهولوغرام: تقنية العرض التجسيدي، وتتيح هذه التقنية للطلاب أن يروا صورة ثلاثية الأبعاد طبق الأصل من أستاذهم من أي مكان يكون فيه المعلم موجودًا حتى ولو كان خارج نطاق دولته؛ فهي توفِّر محاكاة للشخص نفسه، وتمكِّن المعلم من إقامة العديد من الفصول الدراسية عن بُعد وربطها ببعضها. “كما أنه ينقل الصورة المجردة إلى درجة قريبة من الحقيقة، تجعل التعليم أكثر وضوحًا، وأبقى أثرًا، وهي مفيدة، خاصة فيما يتعلق بالهندسة الفراغية والمجسمات (الفارسية، 2010،12).
– التعلُّم الافتراضي: يُوفِّر هذا النظام بيئة تفاعلية تعتمد على التصوير المجسَّم، وتوجد العديد من التطبيقات مثل “zSpace” للتعلم الافتراضي، ويشمل التعلم الافتراضي: الأفلام ثلاثية الأبعاد، والمحاكاة الحاسوبية.
– الطابعات ثلاثية الأبعاد: تُتيح هذه الطابعات تصنيع مُجسَّمات بمواصفات فيزيائية وميكانيكية مختلفة.
– الكتب الرقمية.
– الساعات الذكية (iWatch): تعتبر وسيلة فعالة لجعل الطلاب على اتصال مع مدرسيهم؛ حيث يُمكنهم متابعة بريدهم الإلكتروني، وواجباتهم ومهامهم وخططهم اليومية؛ مما يُسهم في رفع كفاءة العملية التعليمية.
– استخدام تطبيقات الألعاب في التعليم: ظهرتْ العديدُ من تطبيقات الهاتف المحمول التي تستخدم الألعاب في تعلم اللغات والرياضيات، ومن المتوقع تزايد أعداد هذه التطبيقات على المستوى المحلي والعالمي نظرا لفاعليتها في التعليم.
وبحكم أنَّ الطلاب في الوقت الحالي يميلون إلى استخدام الإنترنت والتقنية المحوسبة أكثر من الكتب الورقية (Daly, Clunie & Ma, 2014)، توجَّب على المعلِّمين إدخال مثل هذه التقنيات المحوسبة في العملية التعليمية كأدوات تدريس فعَّالة؛ للتغلب على حواجز الفهم، ولتحقيق عملية التعليم والتعلم بالصورة المرغوبة (Capuno & Suana, 2016).

تقنية الأفلام ثلاثية الأبعاد:
سنتناول تقنية الأفلام ثلاثية الأبعاد بشيء من التفصيل كمثال على التعلم الافتراضي؛ حيث بدأ استخدام هذه التقنية في مجال الترفيه العام في بداية التسعينيات، إلا أنَّه برز استخدامها داخل الفصول الدراسية في السنوات القريبة الماضية؛ فهي تقدم إمكانات هائلة كأداة في التعليم والتعلم، كما أنها تزيد من دافعية الطلاب للتعلم (Bamford, 2011). ويقصد بها (حسب تعريف Khodabakhsh, 2012): أفلام تعطي الإيهام بإدراك العمق؛ حيث تمتد فيها اللقطات خارج الشاشة؛ بفضل الأساليب المتبعة في التصوير والمونتاج وأجهزة العرض والنظارات الخاصة التي يرتديها المشاهدون حتى تكتمل حلقة رؤية ثلاثية الأبعاد.
والناس بشكل عام يفضِّلون الأفلام ثلاثية الأبعاد؛ لأنَّ الصورة المجسَّمة ثلاثية الأبعاد تمثل الشكل الطبيعي للرؤية، وتعطينا شعورًا بالكمال البصري؛ فالرؤية بكلتا العينين لدى الإنسان تعطيه القدرة على توفير الإيهام بعمق؛ حيث يقوم المخ بترجمة معلومات العُمق من خلال التباين الموجود بين الصور الملتقطة من العين اليُمنى واليُسرى، وكلما كانت الاختلافات أكبر، كانت الأجسام أقرب؛ فنحن لا نُدرك صورة مطابقة تماما للواقع، ولكنه مُجرَّد إيهام تخلقُه أذهاننا طبقا للإشارات التي نحصل عليها من خلال أعيننا. وبالمثل؛ تعتمد التقنية ثلاثية الأبعاد -سواء في السينما أو التليفزيون- على سلسلة من الإيهامات؛ فالأمر مجرَّد خداع للعقل لجعله يُصدِّق أنَّ الصورة الموجودة بالعمل الفني هي بالفعل صورة واقعية مجسمة (Khodabakhsh, 2012).
الأدوات التي يُتطلَّب توفيرها لاستخدام الأفلام ثلاثية الأبعاد في الصف هي (Bamford, 2011):
– جهاز عرض تمكين 3D-DLP.
– جهاز الكمبيوتر ثابت أو محمول تتوافر به مواصفات جيدة، ويتوافق مع جهاز العرض (البروجكتور)، أو الشاشة ثلاثية الأبعاد، كما يجب أن يتوفر به كارت الفيديو القادر على عرض الأفلام والأشكال ثلاثية الأبعاد.
– محتوى ثلاثي الأبعاد: يُمكن الحصول عليه من مزودي خدمة برمجيات 3D، وحاليا يوجد الكثير من محتوى 3D مجانا على شبكة الإنترنت. كما يوجد برنامج Eureka. in 3D؛ وهو برنامج تعليمي لمادتيْ العلوم والرياضيات، يحتوي على أفلام ثلاثية الأبعاد وبجودة عالية (الفارسية، 2010).
– لنظارات ثلاثية الأبعاد: في السابق لم تكن هذه التقنية مُتوفرة إلا في بعض دور السينما وبالإمكانيات باهظة الثمن، ولكن مع تطوُّر التقنيات أصبحت متوفرة الآن حتى للفصول الدراسية.
توجد قليل من الدراسات التي بحثتْ استخدام الأفلام ثلاثية الأبعاد التي تتطلَّب لبس نظارات خاصة (السينما) داخل الغرفة الصفية، إلا أنَّه يُوجد العديد من الدراسات التي بحثتْ في استخدام الرُّسوم المتحركة التفاعلية ثلاثية الأبعاد، وقياس أثرها على جوانب مُتعدِّدة، مثل: التفكير البصري، والقدرة المكانية والقدرة على الاستدلال العلمي (مثل دراسة: Al-Balushi, Al-Musawi, Ambusaidi, Al-Hajri, 2016)، وتعديل التصورات البديلة (مثل دراسة: المعمري، 2014).
ومن حيث استخدام الأفلام ثلاثية الأبعاد، كشفتْ دراسة بامفورد (Bamford, 2011) أنَّ التلاميذ الذين درسوا باستخدام الأفلام 3D كانوا أكثر ميلاً لاستخدام الإيماءات أو لغة الجسد عندما يصفوا المفاهيم، كما أنهم كانوا أفضل في ترتيب (تسلسل) المفاهيم، وأيضاً كانت المعرفة بالمفاهيم أكبر عندهم (خصوصا عندما أُدخِل مفهوم جديد من خلال 3D)، والتدريس باستخدام أفلام 3D عزَّز لديهم مهارات وصف ما تعلموه وشمل ذلك الكتابة أكثر، والتحدث بشكل أكثر من أقرانهم الذين لم يتعرضوا لهذه الأفلام في دراستهم، وكانوا أكثر ميلاً لاستخدام نماذج التعلم. كما أدَّى استخدام 3D في الفصول الدراسية لإحداث تغييرات إيجابية في أنماط سلوك وتواصل التلاميذ وتحسين التفاعل الصفي؛ حيث لاحظ المعلمون أنَّ هؤلاء الطلاب أكثر ميلا لطرح الأسئلة المعقدة، وأنَّ استخدام تكنولوجيا 3D أدى لتعميق فهم التلاميذ، وزيادة انتباههم ودافعيتهم للتعلم، كما أنَّ مشاركتهم الصفية ارتفعت. ومن ناحية المعلمين، أشارتْ النتائج إلى أنَّهم تحاوروا وتعاونوا بشكل أكبر مع التلاميذ خلال الدروس 3D، ورأى التلاميذ أنَّ معلميهم كانوا أفضل.
وأجرى (Al-Khalili & Coppoc, 2014) دراسة بهدف بيان أثر عرض الأفلام التفاعلية ثنائية الأبعاد 2D أو ثلاثية الأبعاد 3D قبل حصص المختبر (في التحضير) على تعلم الطلاب وكفاءتهم في المختبر. أشارت النتائج إلى أنَّ أداء المجموعات التي شاهدت أفلام 2D و3D أفضل من المجموعات التي استخدمت الدليل الورقي فقط (p=.028) في اختبار التشريح، ولم يكن هناك فارق ذو دلالة إحصائية (p> 0.05) بين مجموعات 2D و3D في الاختبار بعد التشريح. كما أظهرتْ النتائج أنَّ الطلاب يُفضِّلون أشرطة الفيديو على الدليل الورقي.
والأمر الجيد أنَّه توجَد العديد من المدارس في سلطنة عُمان تبنَّت تقنية الأفلام ثلاثية الأبعاد في تدريس العلوم؛ حيث خصَّصتْ قاعة كسينما لعرض هذه الأفلام، مع توفير نظارات خاصة؛ مثل: مدرسة أم الفضل للتعليم الأساسي بولاية نزوى، ومدرسة أم الخير بولاية إزكي، ومدرسة ولاية صحم للبنات؛ حيث قُمتُ شخصيًّا بتجريب تدريس مواضيع الأحياء باستخدام الأفلام ثلاثية الأبعاد في حصص العلوم، ولاحظت تأثيرها الايجابي في سهولة توصيل المعلومة للطالبات، كما زادت دافعيتهن لتعلم العلوم. إلا أنَّ الموضوع يحتاج لدراسة أكاديمية لبيان أهمية التدريس باستخدام هذه الأفلام، وأثرها في عدة عوامل؛ مثل: علاج التصوُّرات البديلة، والتفكير البصري، والقدرة المكانية. ومن وجهة نظري، أشجِّع بقية المدارس على تنبي هذه التقنية، لاسيما في تدريس العلوم؛ لما لها من أهمية في التعليم كما سبق توضيحها.

ومن خلال ما سبق، يتَّضح أنَّ الأفلام ثلاثية الأبعاد تقرِّب الصورة إلى الواقع بشكل كبير إلى ذهن الطالب؛ مما يُقرِّب إليهم الفهم والاستيعاب، كما أنَّها تبسِّط المفاهيم المجرَّدة والمعقَّدة، وتجعل الأجزاء المجهرية والخلوية مرئية وواضحة بشكل جذاب للطلاب. هذه العملية من تضخيم للأجزاء الصغيرة وتبسيط للمعلومات، يُمكن أن تساعد -وبشكل كبير- على أنْ يتغلب الطلاب على التصوُّرات البديلة المتكوِّنة لديهم قبل حضورهم إلى الصف (المعمري، 2014)، وتزيد من دافعيتهم للتعلم، كما أنَّها تنمِّي ذكاءات مُتعدِّدة للطلاب (Capuno & Suana, 2016).

—————————————————-

المصادر والمراجع:

أولًا: العربية
– رجب، حسن (2011)، “استخدام التقنيات ثلاثية الأبعاد في تدريس المناهج الدراسية”، تم الاسترجاع بتاريخ 18/3/2017 من http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=380&SubModel=135&ID=922.
– عبدالباقي، دعاء (2015)، “7 وسائل تقنيـة مُذهلة مُستخدمة في التعليـم الحديث”. تم الاسترجاع بتاريخ 18/3/2017 من http://www.arageek.com/edu/2015/10/21/best-educational-ways.html.
– الفارسية، فاطمة (2010)، “Eureka. in 3D: برنامج تعليمي لمادتي العلوم والرياضيات يحتوي على أفلام تعليمية ثلاثية الأبعاد”. مجلة التطوير التربوي 9 (60)، 11-14.
– المعمري، راشد بن جمعة (2014)، “أثر تدريس مادة الفيزياء باستخدام برامج المحاكاة الحاسوبية في تعديل الأخطاء المفاهيمية لدى طلبة الصف الحادي عشر بسلطنة عمان” (دراسة ماجستير غير منشورة)، قسم المناهج والتدريس، جامعة اليرموك.
ثانيًا: الأجنبية:
– Al-Balushi, S., Al-Musawi, A., Ambusaidi, A., & Al-Hajri, F. (2016). The effectiveness of interacting with scientific animations in chemistry using mobile devices on grade 12 students’ spatial ability and scientific reasoning skills. Journal of Science Education Technology 25(120).
– Al-Khalili, S., Coppoc, G. (2014). 2D and 3D stereoscopic videos used as pre-anatomy lab tools improve students’ examination performance in a veterinary gross anatomy course. Journal of Veterinary Medical Educatio 41 (1).
– Bamford, A (2011). The 3D in education white paper. Retrieved Mars 18, 2017, from https://www.lifeliqe.com/download/The-3D-in-education.pdf
– Capuno, F., & Suana, E. (2016). The use of alternative animation and 3-d model in teaching photosynthesis. International Journal of Biology Education, 5(1), 12-33.
– Daly,C., Clunie, L., & Ma, M. (2014). From microscope to movies: 3D animations for teaching physiology. Microscopy and Analysis, 7-8. Retrieved Mars 18, 2017, from http://www.gla.ac.uk/media/media_399672_en.pdf.
– Khodabakhshi, N (2012). Copy detection of 3D videos. Retrieved Mars 18, 2017, from https://cs-nsl wiki.cs.surrey.sfu.ca/theses/khodabakhshi12.pdf.

1,101 total views, 5 views today