مثلى بنت علي بن سالم الريامية

التفكيرُ مَيْزَة ونِعْمَة عظيمة وَهَبَها اللهُ الإنسانَ ليعمِّر هذه الأرض، ويكتشفَ مكنوناتها، وفي ظلِّ هذا التقدُّم العلمي والمعرفي الهائل الذي يَشْهَده العالم حَوْلَنا والتغيُّرات المتسارِعَة في شتَّى مَجَالات الحياة، أصْبَح من الضَّروري الرُّقي بتفكير كلِّ فرد يعيش في مُجتمع مُعاصر؛ لذا أصْبَح تعليم مهارات التفكير اليوم والنهوض بالتفكير الإبداعي لدى الناشئة مَطْلبًا، وضرورة تسعى إليها مؤسسات التعليم العالمية نظرا للعلاقة التبادلية بين الفرد والمجتمع؛ فعملية تربية الفرد وتعليمه تتأثر بالمجتمع وفلسفته، وبالمعلم وطرق وأساليب تعليمه وبالتكنولوجيا الحديثة. ومن هنا؛ رُفِعَت النداءات بضرورة الاهتمام بفكر المتعلِّم وطريقة إعداده والرُّقي به، لمجابهة الحياة، وجعل التفكير الإبداعي مَطْلَبا عامًّا لا خاصًّا.

فالإبْدَاع هو سلوك أو إنتاج مُفيد ومُناسب فريد من نوعه. ويتأثَّر الإبداع بالعوامل البيئية والمواقف المختلفة والفروق الفردية، والقدرة على الإبداع غالباً ما تندرج تحت نوع التفكير التباعدي بدلاً من التفكير التقاربي (Studente , Seppala & Sadowska , 2016)؛ حيث عرَّف جيلفرود (1967م) حسب ما جاء في دراسة ستوديني وسيبالا وسادووسكا (Studente , Seppala , & Sadowska, , 2016) التفكيرَ التباعديَّ بأنه القدرة على عرض المواقف بطريقة جديدة ومبتكرة، وإنتاج العديد من الحلول للمشكلة ذات النهاية المفتوحة. والطالب المبدِع دائماً هو القادر على توليد عدد كبير من الأفكار المتنوعة والتعبير عنها بطلاقة، وذو تفكير أصيل لا يكرر أفكار الآخرين، بل يبتكر حلولاً فريدة لمشكلاته بالنظر إليها من زوايا مُختلفة، والانتقال من تفكير إلى تفكير آخر بكل مرونة.

وتَنْمِيَة الإبداع ضرورة، بل هي مسعى أساسي يجب أن تتَّجه ميادين التربية نحوه -وبصفة خاصة المناهج وطرق التدريس- وعليها أنْ تعمل على وضع المتعلم في البيئة التي تساعد على صقل الملكات الإبداعية لديه بطرق عملية؛ باعتبارها أساساً للتكوين المعرفي والسلوكي في حياته المستقبلية، وضرورة لإشباع حاجاته المتغيرة والمتطورة، والاهتمام بالممارسة العملية، وجعل التعلم ذا معنى؛ لأنَّ الحصول على المعرفة في هذا العصر بات يسيرا مع وجود التقنية الحديثة والتكنولوجيا، ولكن لَيْس من السهل عليه توظيف تلك المعرفة دون مُمارسة وتفكير سليم، وخيال مُتجدِّد خصب.

حِصَّة العلوم دائماً تضجُّ بالعمل الممتع، وتزهو بالإنتاج المبدع؛ فالمعلم المبدع هو من يُدرِّب طلابه على مهارات التفكير الإبداعي، ويجعل التعليم نوعا من المتعة أكثر من مُجرَّد نقل معلومات تنتهي باختبار ودرجات تخنق نواحي الإبداع لديهم. فاليوم طرائق التدريس والتقويم المتنوعة قادرة على أن تُنمِّي المدارك العقلية والفضاءات الإبداعية؛ فمعايشة المعلومة العلمية وممارسة التجربة وإطلاق العنان للخيال كلها سُبل كفيلة بأنْ تُفجِّر تلك الطاقات. وفيما يلي بعض الطرائق والأساليب والأدوات التي أثبتتْ فاعليتها في تنمية التفكير الإبداعي لدى الطلاب:
التعلُّم المبني على المشكلات: وهنا يعيش الطالب مشكلة واقعية مفتوحة النهاية، ويبحث عن المعرفة للإجابة عنها، وهذا يكون قبل عملية اكتسابهم المعلومات اللازمة لحل تلك المشكلة. فعندما يعايش الطلاب المشكلة بصورة جماعية -كأنها قصة واقعية- يجعلهم ذلك يشعرون بأنَّ ما يتعلَّموه ذو معنى من خلال الاستقصاءات والأنشطة المخبرية والقراءة؛ فيدعم التغيُّرات في التفكير (McPherson,2016).

التعلُّم المبني على المشاريع: هذه الإستراتيجية لا تركِّز على تلقي المعرفة، بل إنتاج المعرفة؛ فهي تهتمُّ بالعمليات والأدوات والنتائج، وتستهدف تحقيق التعلم المتمركز حول المتعلم الذي يجعله يخطط لتعلمه، ويبني قاعدة معرفية واسعة وعمق أكبر لإدراك المفاهيم، ويُحسِن مهارات الاتصال والعمل الجماعي، ويَتهيَّأ المتعلم للحياة خارج أسوار المدرسة؛ حيث يقوم بترجمة ما تعلمه نظريًّا إلى واقع ملموس، فتزيد دافعيته للإنجاز والتعلم. فالمشروع خبرة ثرية ومتعمِّقة، تدمج المتعلم في أنشطة مُمتعة بالنسبة له، ومرتبطة بالمنهج الدراسي (أمبوسعيدي والبلوشي،2009).

التصْمِيم الهندسي: ناشدتْ مُنظَّمات التعليم العالمية بالتحوُّل من تعليم العلوم التقليدي إلى تعليمها من خلال التصنيع والابتكار، والتي تبدأ بالتصميم والبناء الهندسي لمبتكرات تعتمد على الخبرة المعرفية والمهارات التقنية ومهارات التفكير. “فالهندسة هي تطبيق لحل المشكلة في العلوم، وتصميم للمعرفة بصورة إبداعية” (Li, Huang, Jiang, & Change, 2016)، وتشكِّل هذه العملية فرصة ثرية للمتعلم لممارسة تفكير العلماء وعمل المهندسين والاستدلال بالأخطاء للوصول إلى الحل المناسب. “الممارسة وتطوير واستخدام النماذج من الممكن أن تكون ميزة جديدة، وتغييرا كبيرا بالنسبة لكثير من المعلمين والطلاب” (Blank Snir, & Lundsgaard,2015).

التعلُّم المبني على الاستقصاء: عرَّفها كيم (2016م) بأنها إستراتيجية تدريس تجعل اتجاهات الطلاب إيجابية نحو العلم على مرِّ الزمن؛ حيث تسمح للطلاب بطرح الأسئلة وتطوير واستخدام النماذج، ثم بناء وإجراء الاستقصاء، وتحليل وتفسير البيانات باستخدام الرياضيات والتفكير الحسابي، وأخيرا تقييم وتبادل المعلومات. والاستقصاء من الإستراتيجيات المركزية الموصَى بها في معايير تعليم العلوم الوطنية منذ العام 1996م، إلى أن ظهرت معايير العلوم للجيل القادم (NGSS) في العام 2013م، وتمَّ تفصيل الاستقصاء فيها إلى ثمانية ممارسات أساسية في العلوم والهندسة التي يستخدمها العلماء عند الاستقصاء وبناء النماذج حول الظواهر الطبيعية (Blank Snir, & Lundsgaard,2015).

– استِخْدَام الفن والتكنولوجيا بطريقة إبداعية: في السنوات الأخيرة ناشدت جمعيات التعليم في أمريكا بدمج الفن والتكنولوجيا إلى تدريس العلوم عبر مدخل “STEAM” (العلوم والتكنولوجيا، والهندسة، الفن والرياضيات)، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من عمليات وأنشطة العمل العلمي؛ فالأطفال الذين يتعلمون العلوم لابد من تعريضهم للتطبيقات والمهارات الفنية والتكنولوجية في سياق اكتشاف العلوم؛ فاستخدام التكنولوجيا والفن يفتح آفاقاً جديدة للطلاب تساعدهم على ممارسة مهارات التفكير وتنمية الذكاءات المتعددة لديهم، وتزيد من دافعيتهم، وتحسِّن اتجاهاتهم نحو العلوم.

لَاحَظْنا مما سَبَق أنَّ تدريس العلوم وتعلمها مُمكن أنْ يكون طريقُك نحو الإبداع؛ فكلُّ مُتعلِّم لديه روح تضج بالإبداع متى ما توافرت لها البيئة المناسبة المحفِّزة على الإبداع، فإنَّ تلك الروح تنمو وتتألق. كُلنا يد واحدة نحو “نعم لثقافة الإبداع.. لا لثقافة الإيداع”.

2,005 total views, 13 views today