مُحمد رضا محمد اللواتي

عندما نريد أن نُقارن بين علم النفس الحديث، وعلم النفس الفلسفي -وبالتحديد عند الفلاسفة المسلمين-سنلمس فارقاً شاسعاً؛ ابتداءً بأسلوب التحقيق، والمنهج المعتمد، وانتهاءً بالنتائج.

ليس غَرَض هذه المقالة الإشارة إلى تلك الفروق؛ إذ يكفي هاهنا أن نعرف أن علم النفس الحديث، استبدل التحقيق في حقيقة النفس، بالتحقيق في ظواهرها. وعليه، فلا يهمه إن كانت النفس مادية أو مجرَّدة عن المادة، وما إذا كانت الصلة التي تربطها بالبدن المادي صلة الطائر بعشِّه والربان بسفينته، أم صلة أخرى، بخلاف علم النفس الفلسفي في الفلسفة الإسلامية؛ الذي يهمه أولاً -وقبل كل شيء-التحقيق في حقيقة النفس، وهل هي كائن مجرد عن المادة أم لا! وبعد اكتشاف حقيقتها، يرصد هذا المنهج ظواهرها وشؤونها المختلفة. ومن تلك الظواهر -ولعله أهمها على الإطلاق-صلة النفس البشرية بالعلم، والإدراك، والوعي، والمعرفة.

ويجب القول بأن مثل هذا الموضوع، خارج كليًّا عن أن يتحدث فيه علم النفس الحديث سلباً أو إيجاباً؛ لأنه يستند تماماً إلى التحقيق في حقيقة النفس، وما إن لم نكتشف حقيقتها، فإنه لا يمكننا البت في صلتها بالوعي والإدراك. وبما أن علم النفس الحديث قد استعاض عن التحقيق في هذا الاتجاه بالتحقيق في ظواهر النفس وسلوكها -كما أسلفنا- فلن يكون بمقدوره أن يقرِّر شيئاً في هذا الحقل.

لنرجع إلى ما كُنا فيه، ولنسلِّط الضوء على غرض هذه المقالة؛ وهو: كيف ترى الفلسفة الإسلامية علاقة الوعي بالإنسان؟

نودُّ هنا أن ننبِّه القارئ الكريم إلى أننا بصدد عرض نتائج تحقيقات مدرسة “الحكمة المتعالية”؛ تحديدا في صلة العلم بالنفس الإنسانية؛ وذلك لعدة أسباب؛ منها:

1- إن “الحكمة المتعالية” -وهي المدرسة الفلسفية التي أسسها محمد بن إبراهيم، المُلقب بصدر المتألهين- تُعد آخر أشكال التطور الحاصل في مسيرة الفلسفة الإسلامية، التي بدأت مع الكندي فيلسوف العرب، ومرَّت بالفارابي، وابن سينا، والسهروردي، وابن رشد، وانتهت إلى صدر المتألهين.

لقد استفاد صدر المتألهين من النتاج الفلسفي الذي وَضَعه أسلافه من الحكماء من العهد اليوناني القديم، مُرورا بالفلاسفة المسلمين، وقرأه قراءة نقدية واسعة؛ الأمر الذي أتاح له ابتكارَ قواعد جديدة أقام مدرسته عليها؛ أشهرها على الإطلاق: قاعدة “أصالة الوجود”، ووحدته، ومراتبه.

2- أدخل صدر الدين مكنونات الوحي في فلسفته، وكذلك التجارب الروحية للعرفاء والمتصوِّفة؛ فخرج عمله مزيجاً بين العرفان والبرهان، وبين الوحي والعقل.

3- إنَّ أغلب المحافل الفلسفية -لا سيما في العالم العربي، ولسبب غير مفهوم- تكاد لا تشير إلى نتاج مدرسة الحكمة المتعالية، رغم العديد من الدراسات التي تُكتب سنويًّا في نتاجها.

الأسباب أعلاه تجعلنا نركِّز على نتاج هذه المدرسة تحديدا في قراءتها؛ للعلاقة بين النفس والعلم.

التصوُّر الذي كان سائداً ما قبل بزوغ الحكمة المتعالية؛ هو: أن النفس الإنسانية إن أردنا أن نعرف علاقتها بالوعي والإدراك؛ فعلينا أن نضرب لذلك مثال اللوحة التي تُعرض عليها الكتابة؛ لقد قدَّم الفلاسفة تصورهم عن علاقة المعرفة بالنفس، تماماً كعلاقة الكتابة والنقوش بالصفحة البيضاء، أو علاقة اللون الأبيض بالجدار؛ فحقيقة الجدار شيء، وحقيقة اللون الأبيض شيء آخر، وهناك رابطة بينهما لا غير. هكذا الوعي والإدراك؛ فهما يعرضان على النفس، التي تصطبغ بهما كما تصطبغ الجدران بالأصباغ. وعليه؛ فإنَّ سائر النفوس البشرية -في جوهرها-واحدة، ومتشابهة، وعلومها ليست إلا أعراض طارئة عليها، والتي تظل النفس تحتفظ لها بحقيقتها المستقلة عن علومها وإدراكاتها.

صدر الدين – كما يُلقبه البعض أيضًا- وبعد تأمل عميق في نوع وجود العلم، وصلته بالنفس، أعرض عن قبول التصور المشار إليه، وأكد في حكمته المتعالية أن الأمر ليس كما طرحه الفلاسفة قبله.

لقد غار صدر الدين عميقاً في سرِّ العلم وحقيقته، وانتهتْ تأملاته إلى الإعلان عن أن “العلم” نحو “وجود”، وليس أي وجود، بل وجود “بالفعل”.

و”بالفعل” هذه، تعني أن العلم وُجود قد استنفد كل إمكانات التبدًّل والتغيُّر، وما عاد يقبل التحول إلى أي شيء غير ما هو عليه. وبعبارة أخرى: أن العلم نحو “وجود” متحقق كليًّا، وليست له حالة ينتظر أن يتغير ويتبدل فيها إلى أمر آخر.

إنَّ قارئنا إنْ أمعن بصره في ما حوله من كائنات؛ سيرى التغيير والتبدل والتطور من أبرز سماتها؛ فالبذرة تنقلب إلى شجرة، والشجرة بفعل النار تنقلب إلى رماد.. وكذلك التمر يتحول في جسم الإنسان إلى دم، فنطفة، وهذه إلى علقة فمضغة، فعظم فلحم فإنسان.

تلك التغيرات مفقودة في العلم.. ندعو القارئ الكريم أن يجرِّب بنفسه، ويفحص العلم عبر المثال التالي:

((ضع في ذهنك فكرة ما، ولنفترضها كالتالي:

“الوجود والعدم يجتمعان!”

والآن، ندعوه لأن يقوم بتغيير الفكرة المارة، ووضع أخرى بدلا عنها؛ وهي:

“الوجود والعدم لا يجتمعان!”

ولنسأله الآن: هل الفكرة الأولى لا تزال قائمة في الذهن؟ أم أن يد التغيير قد امتدت إليها فأحالها إلى الثانية؟!

الإجابة هي: كلا! لم نتمكن من تغيير الأولى، بل وضعنا بجوارها أخرى. وغاية ما فعلناه هو أننا اعتقدنا بصحة الثانية، بعد أن كنا نعتقد بصحة الأولى. لكننا نعجز حقًّا عن إزالة الأولى عن صفحة الفكر، أو إجراء تغيير عليها)).

العلم إذن وُجود “بالفعل”، وليس في حالات منتظرة.

لم يكتفِ صدر المتألهين بإثبات ذلك، بل برهن أيضًا على تجرد العلم عن المادة، وكان قد حقَّق في وجود النفس، وأثبت لها تجرُّدا عن الزمان والمكان. وبقي عليه أن يضع أصبعه على نمط العلاقة التي تربط النفس المجردة عن الزمكان بالعلم المجرَّد عن الزمكان أيضًا.

الأمر الآخر الذي ساعد الرجل على ابتكار نظرية “اتحاد العاقل والمعقول”؛ هو: شدة تأمله في مسألة سرمدية العذاب الأخروي، كما أخبر عنه الوحي.

إذ إن ديمومة العذاب الأخروي وأبديته للأشقياء، كانت مثار سؤال حول السر الذي يقف وراء تلك الأبدية، رغم أن المعارف والإدراكات السيئة يجب أن تزول عاجلاً أم آجلاً؛ لأنها ليست حقيقة النفس، وشأناً من شؤونها؛ إذ هي عوارض على النفس، ونقوش مُرتسمة فيها -وفق تحقيقات من سبقه من الفلاسفة- ولا بد لها من الزوال كما تزول الكتابة عن اللوحة بقوة العامل الخارجي. إنَّ ديمومة الشقاء الأبدي، وعدم زواله؛ معناها: أن الصلة التي تربطها بالنفس صلة ليست بعَرَضية على الإطلاق. ومن هُنا، تعمَّق في اكتشاف حقيقة العلم وصلته بالنفس البشرية. وانتهى به التحقيق إلى أن قدَّم نظريته المعروفة باتحاد العالم والمعلوم؛ كإنتاج خاص بالحكمة المتعالية.

ما معنى اتحاد العالم بالمعلوم؟ يعني أن سائر علوم النفس ومدركاتها ليست إلا النفس حقيقة. وبعبارة أخرى: المعلومات تغدو -بالوعي بها- عين ذات النفس. ليست هنالك ذات يعرض عليها العلم. كلا، وإنما هنالك ذات، تتحول إلى عين معلومها. ليس معنى ذلك، أن نفسي عندما تعلم بوجود الشجرة، تصبح عين ذات الشجرة الخارجية. كلا، وإنما معناه: أن نفسي عندما تعلم بوجود الشجرة، فإن علمها ذاك يغدو عين ذاتها، لا ثمة فارق بين النفس وبين علومها، على الإطلاق. وعليه؛ فعندما نقول: صار الجسم أبيض، فإن الصيرورة هنا ليست حقيقية؛ لأن الجسم يظل محتفظاً بكيانه واستقلاله عن البياض، وهكذا البياض أيضاً. ولكن، عندما نقول: صارت النطفة إنساناً. هنا؛ الصيرورة حقيقية؛ لأنها أفقدت النطفة كيانها، وسلبته إياها تماماً؛ إذ غدت النطفة -عبر الصيرورة- إنساناً. وهكذا؛ فالنفس عندما تعلم أمراً ما، هذا العلم يقوم بصيرورة النفس عين معلومها.

وإضافة إلى العديد من الآيات والروايات التي ساقها صدر المتألهين الشيرازي، فقد قدَّم عدَّة براهين مُحكمة على نظريته، ولأن تقديم البراهين خارج عن أغراض هذه المقالة، فسوف نكتفي بالإشارة إلى أبسط هذه الأدلة، مع أن الفيلسوف المطهري في شرحه لمنظومة السبزواري الفلسفية كان قد نعته بأحكم الأدلة، وهو:

“أن الصورة المعلومة ليست لها حقيقة مستقلة عن كونها صورة معلومة. وبعبارة أخرى: ليس للصورة المعلومة وجود مستقل، ثم تصبح وجوداً معلوماتيًّا، بعد أن لم تكن كذلك. إنَّ تمام حقيقة المعلوم، تكمُن في كونه معلومًا فحسب، وليس له كيان خارج المعلومية على الإطلاق. الإدراك لم يكن في البداية أمراً ما، ثم تعرض للإدراك، وإنما هو وجود إدراكي، لا غير. وما هكذا حقيقته، تَحتَّم انطواؤه في “الوجود العالم” حتى يغدو ذا حقيقة معلوماتية. وبعبارة ثالثة: إذا أردنا أن نبحث عن معلوم، فلن نجده إلا منطوياً في حقيقة العالم. حقيقة المعلوم تساوي حقيقة العالم بلا أدنى فارق. فلو كانت الصلة التي تربط المعلوم بالعالم صلة غير حقيقية، لكان بالإمكان تصوُّر المعلوم خارج المعلومية، وهذا أمر تحققه مستحيل قطعاً”.

وبموجب اتحاد العالم والمعلوم، لا بد من قبول النتائج التالية:

1- حقيقة النفس هي كونها إدراكًا مَحْض. النفس وجود واعٍ بحت. وجود علمي؛ إذا ما ارتبط بشيء ما، وعاه وأدركه. أدركه يعني أن النفس تصير ذلك المعلوم في الواقع. لا توجد أدنى فاصلة بين النفس العالمة وبين معلوماتها على الإطلاق.

2- عندما تعلم النفس، تتسع، ويمتد وجودها. العلم غذاء النفس يمدها وجوداً ويوسعها حقيقة. فكما أن الفضاء الخارجي في توسع وتمدد. هكذا النفس تماماً، فهي فضاء علمي، يتمدَّد بلا توقف. كل معلومة تجعل النفس تتصف بسعة المعلومة وبحسب أفقها. ثمة فضاءان: فضاء كوني؛ يمتد بسبب الانفجار العظيم. وفضاء علمي؛ يمتد بسبب الوعي والإدراك. الصلة بين الفضاءين أنَّ الثاني يُحيط بالأول علماً، ويصير مثاله وعياً، بينما الأول يحيط بالثاني زماناً ومكاناً (1).

3- العلم والوعي والإدراك والتعقل.. ليست من أفعال النفس، بل عين وجود النفس.

4- العلم ظاهرة مجرَّدة عن المادة. وعليه؛ فالنفس المتصفة بالعلم اتصافاً حقيقياً -بحيث يغدو العلم والنفس أمراً واحداً- لا بد أن تكون في أفق مجرد عن المادة.

5- بما أن عالم العقل وأفقه أعلى وجوداً من عالم الحس وأفقه؛ فالنفس عندما تتعلق علماً بالحس، تُصبح الصورة الحسية عين ذاتها؛ فتكون النفس في أفق الحس. ولكن، عندما تتناول النفس إدراكات عقلية، وتتعلق وعياً بأفق العقل الأعلى، فإنَّ صورتها العلمية العقلية تصيْرها وجوداً عقليًّا متعالياً.

6- ليست محبَّة النفس لمعلوماتها وتعلقها بإدراكاتها واحدة، بالرغم من أنها كلها عين ذات النفس؛ فعاملا الحب والممارسة -العمل- يجعلان بعض العلوم تغدو أشد وطأة على النفس، وتتخذ النفس شكلها منها. العلوم والإدراكات ليست على درجة واحدة في النفس.

إنك مجمع هائل من المعارف، لكن بعضها لا توليه أدنى أهمية، وبعضها تعتنقه وتصبح عندك بمثابة أصول واعتقادات. صلة النفس بالمعارف والتصورات المحبوبة، والتي ينصب عليها عملها أشد؛ فالنفس بهذين العاملين -الحب والممارسة- تتحدَّد هويتها النهائية.

7- إذا كانت حقيقة النفس تتمثل في كونها صرف وحدة اتصال معلوماتية، فإن حياتها الحقيقية تتمثل في الازدياد والاتساع من هذه الجهة. ولا يمكن تصور وجود وواقعية لا يمكن للنفس الاتصال الواعي بها.

8- رقي النفس وتكاملها وسعادتها، ستتمحور وفق معلوماتها. كما أن انحدارها وشقاءها سيرجعان إلى العامل ذاته. فكلما كانت النفس واعية للمعارف الحقيقية، ومتعلقة بها حبًّا، وتتصرف وفق معارفها الحقيقية المحبوبة، فإنها تكون قد ضمنتْ سعادتها. ستغدو معرفة الله تعالى أعظم تلك المعارف على الإطلاق، هذا العلم سيمنح النفس صِبْغة إلهية، واتساعًا اشتداديًّا كبيرًا لكيانها، وحبه سبحانه والعمل طبق تعليماته تعالى سيمنح النفس هويتها النهائية، وهي الهوية الإلهية.

وعلى ضوء ما مر، تنكشفُ أهمية العلم والمعرفة في الدين، ولماذا أعطي هذا الزخم من الأهمية الفائقة. كما تتضَّح أهمية تعاليم الدين بعدم المكوث في عالم الحس والأحاسيس فحسب، والخروج عن ظاهر المادة والدنيا إلى أفق أسمى وأرحب من الوجود. وتتضح الصلة بين الإنسان وبين نتائج أعماله، وسر ديمومة الشقاء والسعادة.

المحصلة التي خرج بها صدر الدين يُمكن صياغتها في الأسطر التالية:

أيها الإنسان: إذا كانت حياتك تتمثل في وعيك، وصور معلوماتك تجسيدٌ لحقيقتك، فإنْ كانت هذه العلوم وضيعة، فنفسك في مرتبة معارفك، مثلها تماماً. إذن؛ فليكن غذاؤك الروحي واتساعك الوجودي من النوع الذي يمنحك التكامل والسعادة الأبدية، بالتعلق علماً بالحقائق، ولتكن صيرورتك عبر الاتصال المعلوماتي بحقيقة الحقائق.

———————-

(1)  في الواقع: إنَّ إحاطة الوعي بالتكوين وصيرورة مثاله له في الذهن مقدِّمة لأجل أن تتحوَّل تلك الإدراكات إلى تكوينات؛ ففي العالم الذي يتمتع باشتداد وُجودي عالٍ جدًّا؛ بحيث تتحول الأعضاء البدنية إلى كائنات حية تنطق وتشهد، يتحول الوعي إلى حياة حية شاهدة ومشهودة. أما إذا أمكن للمرء أن ينال التكامل ويصير وجوده فائق الشدة في هذا العالم؛ فسوف يغدو وعيه من نوع وجوده بلا فارق، بل يتحوَّل تخيله إلى صيرورة التكوين. العلامة الطباطبائي في مقالته الفلسفية عن حقيقة الرؤيا المنشورة ضمن الرسائل الفلسفية السبعة، بَرْهَن على أن التخيُّل في الإنسان الكامل يغدو تكويناً.

4,920 total views, 8 views today