حاتم الطائي

عيدٌ وطنيٌّ جديدٌ تُرسِّخ به عُمان أقدامَها على أرضيَّةٍ صلبةٍ من الإنجازِ والتحضُّر والتقدُّم والتنمية، بانفتاحٌ مجمتعيٌّ واسعٌ، انتقلتْ معه السَّلطنة من مجتمعٍ تقليديٍّ يعيشُ على الزراعة وصيد الأسماك، إلى مجتمع فتيٍّ يعمل بحيوية وجد لتحديث بنائه وأنظمته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، خصوصًا خلال العقديْن الأخيريْن، مع اتساع نطاق الثورة المعلوماتية والاتصالية غير المسبوقة وتطور المجتمعات. هذه النقلة المتسارعة نحو الحداثة لا تزال متواصلة، مما يفرضُ علينا نحن جيل الآباء -بالنسبة لأبناء اليوم من الشباب والأجيال القادمة- تحديات، جَعَلتنا نعيش واقعا نختبر فيه ارتجاج المنظومة القيمية للمجتمع، واتساع الفجوة بين الأجيال؛ نتيجة صدامٌ بين القيم المتجذِّرة في نفوس الكبار، والتي قد لا يرى فيها بعض شبابنا اليوم سوى موروثات تجاوزتها معطيات العولمة.. هذه الحالة من التنازع -هو في حقيقته تنازع على الهُوية- تستوجبُ عملًا جماعيًّا ومؤسسيًّا لبناء إستراتيجية تعزيز الهوية الوطنية في واقع شبابنا اليوم، واعتماد الوسائل الكفيلة لتحقيق ذلك، والتي بلا شكل تبدأ من الأسرة، مرورا بالمدرسة، وانتهاء بالمجتمع ككل.
إنَّ حضارة عُمان التي عرفها التاريخ منذ قديم الأزل، تروي قصصَ البطولة والشجاعة، والحكمة والعطاء، وحب الوطن والإخلاص له، بموقع إستراتيجيٍّ جعلها هدفًا للأطماع والنزاعات على مدى سنوات تاريخها القديم؛ حيث تطلُّ أراضيها على بحر العرب وبحر عُمان والخيلج العربي، وتتحكم بمضيق هرمز الرابط بين خليج عُمان بالخيلج العربي.. استوطنها البابليون والأشوريون لرغبتهم في السيطرة على خطِّ التجارة الذي يربط آسيا بشواطئ البحر المتوسط. إلى أنَّ اعتنق أهلها الإسلام، فكانت لهم بصمتهم ودورهم البارز في التاريخ الإسلامي على كافة مستوياته: الفقهية، والميدانية، والدعوية، وقد ساعدهم على ذلك نجاحهم في الأنشطة التجارية والملاحة البحرية الواسعة في منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا والشرق الأقصى.. عرفهم الناس “أهل حق واستقامة”.
ومع انتشار الإسلام ووصول رسالة الخير إلى عُمان على يد مازن بن غضوبة -كأول من دخل الإسلام في عُمان- وهجرته إلى المدينة المنورة للقاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمجرد عودته ارتفع صرح مسجد المضمار كأول مسجد في عُمان، والذي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا في ولاية سمائل. وبعد انتخاب أول الأئمة ابن مسعود 751م بدأ عهد الإمامة في عُمان والذي استمر قرابة أربعة عقود، وقد جرت بعض المحاولات التي لم يكتب لها النجاح لإعادة حكم الإمامة لعمان في أواسط القرن الخامس عشر، كما أنه وخلال الفترة 1498-1507م حاول البرتغاليون السيطرة على عُمان، وببطولات سطرت تاريخاً وقصصا تُروى، دحر أبناء عُمان المحتلين بنضالهم وصمودهم وبطولاتهم، وتوسَّعت الإمبراطورية العُمانية آنذاك لتضم إلى أراضيها مدن الساحل الشرقي لإفريقيا والممتد من ممباسا إلى كيلا وزنجبار وبيمبا وباتا، وبعدها تعرضت السلطنة لمحاولات عديدة من الفرس لغزو أراضيها، إلا أن صمود وبطولة أبناء السلطنة سطرت روائع النضال وردت الغاصبين عن أراضيهم.
هذا التاريخ الحافل.. أكاد أجزم اليوم بأنَّ ما تحمله جُعبته من بطولات تستحقُّ أن تُروى وأن نفتخر بها، يكاد يغيب معظمها عن جيل الشباب، الذين لا يكادون يفقهون ما بين سطور الحكي الحضاري والتاريخي لمجان المجد ومزون العزة.. وأتساءل كيف يكون ذاك، وهم -أي الشباب- نصف حاضرنا وكل مستقبلنا؛ على سواعدهم تقوم نهضة الأمم، وبأفكارهم تتطور وتنمو وتزدهر، إنهم ثروة المجتمع الغالية، وذخرها الثمين؟! ألا تبرز الحاجة لحمايتهم وتحصينهم من شتى ألوان الاغتراب؛ وتتبُّع مسبباته ومصادره، والوقاية منه؛ لاسيما ونحن نعيش زمنَ الافتتان بالتطرُّف في كلِّ شيء لدى جيل واسع من الشباب الذين فقدوا البوصلة تحت قصف “العولمة”، وكرغبةٍ منهم في إثبات الذات بطريقة أو بأخرى!
ولا أعني بالتحصين هنا مدلوله اللغوي القائم على المنع والكف، وإنما مبلغ القصد تربية الأجيال، وإعداد الناشئة، وتوجيه أفكارهم بطريقة إيجابية؛ ليكونوا مواكبين لكل جديد مثمر مفيد؛ مع الاحتفاظ بروح الأصالة والثبات على المبادئ المستمدة من ديننا وتاريخنا العريق، وتقاليدنا الراسخة القائمة على ثلاثية: المعرفة، والتعارف مع الآخر، والاعتراف به.
إنَّ واقع مجتمعنا اليوم يقتضِي تغذية المناعة، وتحصين الأجيال لصد أخطار حقيقية تحدق بالفِكر والسلوك؛ وهو ما يتطلب من القائمين على المحاضن التربويةِ تقييم المسار لصناعة الشخصية العُمانية الشابة السويَّة، وفق أسس ورؤى علمية وعملية تراعي الاحتياجات الآنيّة والمتطلبات على المديين القصير والبعيد؛ لأنّ أي خلل يصيب الشباب -سلوكا أو فكرًا- يتجاوز ضرره الفرد إلى المجتمع كله.
وكمثال للتدليل وحسب، فنظرةٌ عابرةٌ على ما يُحيط بنا من خارج حدود هذا الوطن الغالي، يبين معها حجم المخاطر والأفكار الهدَّامة التي تقوم على الغلو والتطرُّف في تسييس الدِّين بصور وملامح شتى، وهو توجه من أخطر الظواهر المدمرة التي طفت على الساحة العربية بين أوساط بعض الشباب المغرَّر بهم، ممَّن وقعوا ضحايا لأجندات دولية وإقليمية. ولو أنهم وجدوا البيئةَ الصحيةَ والحياةَ الكريمةَ لما توجَّهوا إلى الإرهاب، الأمر الذي يستدعي ضرورة الإسراع في تبنِّي برامج إصلاحية، تقوم على العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد بكل شفافية، ودون أية مواربات.

اليوم.. وليس غدًا، نحن في أمسِّ الحاجة لبرامج فاعلة؛ من شأنها تسليح شبابنا بروح الإيجابية، والبعد عن الوقوع في براثن السلبية؛ وثقافة الشكوى والتذمُّر؛ فطريق الانجراف نحو سفول الهمم يبدأ من النظر بعين الشك لكل ما حولنا من إنجازات، فكلما تناهى إلى أسماع البعض خبر عن منجز تنموي أو حضاري هنا أو هناك على ثرى هذه الأرض الطيبة، إلا وتكالبت عليه سهام النقد من قبل بعض الشباب؛ حتى قبل إدراك أبعاد هذا الإنجاز؛ مما يعكس قصورًا وخللا في بنيّة الفهم السليم والذي يربأ بالإنسان عن أن ينتهج النقد لمجرد النقد، والانتقاص من جهود الآخرين لمجرد الإعلان عن نفسه حتى وإن كان ذلك بصورة سلبية!
وبالتوازي مع تعزيز الروح الإيجابية في تعاطينا مع الأمور، تأتي ضرورة تعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن، وتعزيز مقدراته وإمكانيَّاته؛ وهي بذلك -أي المسؤولية- الحامي الأمين للمكتسبات الحضارية؛ وعندما تتراجع هذه القيمة وتغيب البوصلة يكون الناتج سلبيًا حيث تتصاعد سلوكيات اللامبالاة.. مما يستتبع حماية أبنائنا من الاغتراب والخضوع لصراعات متعددة الوجوه؛ كجيل جديد بثقافتهم الجديدة إلى حدٍّ ما، والمغايرة لثقافة الآباء مع المجتمع بمؤسساته المختلفة؛ وهو ما يكون نتاجه تمرد على سلطة الأسرة وضوابط المدرسة والجامعة. وبلاشك، فلا مجال لكل ذلك دون توحيد جهود التوعية والتربية لتعزيز الهُوية الوطنية والقيم العُمانية بداخلهم، وهو ما لن يتأتي دون صياغةِ إستراتيجيَّة -كما سبق وأشرت- كاملة بأهداف واضحة، ووضع خارطة طريق وبرنامج عمل تنفيذي؛ تتحقَّق معه الأهداف إلى واقع ملموس في بناء حياة كريمة ومنتجة لشبابنا، وتتعزَّز بداخلهم روح الانتماء الوطني لتحصينهم في زمن معولم يدفع نحو الاغتراب.
وبإيمان عميقٍ، يُمكنني التأكيد على أنَّ شبابنا العُماني الواعد -بما يملكه من إمكانات وطاقات، ونعمة الإصغاء إلى الآخر ونصائحه بشيء من التنوير والاستنارة- قادرٌ على المشاركة الإيجابية في الحفاظ على المنجز الحضاري المتحقق، والبناء عليه من أجل مزيد من الرقي والازدهار، شريطة الأخذ على أيديهم والاعتراف بهم وتبني مواهبهم وطاقاتهم الكامنة، كي لا تتحول نظرتهم لما حولهم باعتباره مقبرةً لوأد طموحاتهم، وأصفادًا تقيِّد أحلامهم وتمنعها من الانطلاق

810 total views, 5 views today