Aisha

عائشة الدرمكيَّة

يُقرِّر مالك بن نبي في تعريفه للثقافة بأنها “حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعاً ميتاً”، وهو تعريف جامع للثقافة، يجعلها شاملة لجوانب حياة الجماعات داخل المجتمع، وفاعليتهم فيه، ولعلَّه تعريف يغوي من يُتابع التعقيد البالغ الذي تواجهه الثقافة اليوم، والتحديات التي أصبح يمثل الكثير منها عقبات حقيقية في وجه ثقافة بعض المجتمعات، وليس أدل على ذلك من تلك الطفرة التقنية الكبيرة في وسائل التواصل الإلكتروني من ناحية، والتحديات السياسية والاقتصادية من ناحية أخرى.

إنَّ قوى الإنتاج التقني في العصر الحديث على وجه الخصوص تتأسَّس على فكرة علاقات الإنتاج؛ بوصفها علاقات قائمة على معايير اجتماعية ثقافية في الأصل؛ لهذا سنجد أنَّها تحاول إثبات رفع مستوى أداء العمل والإنتاجية في محاولة ممَّن يركن خلفها لإثبات أنَّها تحمي العقلانية، وتحمي بالتالي ثقافة المجتمعات.. هكذا سنجد أنَّ شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي -من خلال منتسبيها- تؤدي الدور نفسه؛ مما سينتج تحديات كبيرة على الذات الفردية التي تحاول الإنتاج دون تأثير الأيديولوجيات التي تقبع خلف تلك الشبكات أو المواقع أو تلك الجماعات التي تحاول تسيير وتوجيه ثقافة المجتمعات من منطلق فكر العولمة أو الإقليمية…أو غيرها من المنطلقات.

ولعل هابرماس “يورجن” في كتابه المهم “العلم والتقنية كأيديولوجيا”، طرح ما هو قريب من ذلك حين قال: “إن نمو قوى الإنتاج الممأسس مع التقدم العلمي-التقني ينسف التناسبات الاجتماعية كافة”؛ فهو هنا ينطلق من فكرة أن التقنية تشتغل على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والطبيعية للمجتمعات، أو كما يقول “السيطرة على الطبيعة التي تجعل الأفراد أكثر راحة”، إننا بذلك نعيش حالة مُعقَّدة من وسائل تواصل تجعل المستويات العامة للثقافة أكثر تعقيدا، وهذا التعقيد لا يكون فقط على مستوى التقنية، بل أيضا على مستوى الإنتاجية الثقافية الجماعية والفردية، وهو تعقيد تكون بعده الثقافة في حالة من التذبذب الذي يتأسس على صراع معرفي وفكري يتأزم كلما تأزمت التقنية وانفتحت وتعددت من ناحية، وكلما تأزمت القضايا السياسية والاقتصادية وأضحت تضغط على الثقافة بمستواها المعرفي لصالح الإنتاجية الاستهلاكية المتسارعة من ناحية أخرى.

لهذا؛ فإننا -والوضع كذلك- سنجد أن من الشجاعة بمكان أن تقرر سلطنة عُمان تدشين قناة تليفزيونية موسومة بـ”عُمان الثقافية”، تكون مهمتها تقديم “الثقافة العُمانية”؛ بوصفها ثقافة عربية ذات أبعاد معرفية وفكرية وحضارية. ولعلَّ المتابع لهذه القناة الوليدة، سيجد ذلك الجهد الكبير الذي بُذل في سبيل تقديم برامج وسهرات متنوعة وشاملة لمعارف مختلفة من الثقافة في عُمان. ونحن هنا لا نريد استعراض تلك البرامج والسهرات التي حقَّقت الكثير من الأهداف على المستوى الثقافي، لكننا سنركِّز على ثلاثة أبعاد نزعم أنها تكشف عن أسس هذه القناة ومرتكزاتها؛ وهي:

أولاً: الهوية الثقافية ومتغيرات المجتمع.

ثانياً: التعدد الثقافي (الإثنيات) في المجتمع العُماني.

ثالثاً: الثقافة في عصر التقنية.

فالهُوية الثقافية في عُمان مبدأ واضح تماماً في الصياغة العامة للقناة؛ من حيث كونها تتأسس على مفهومي الإنسان والثقافة؛ بوصفهما علامتين متلازمتين، انطلاقا من التكوينات الحضارية التي تكوَّن خلالها الإنسان العُماني وبالتالي ثقافته؛ لهذا فإننا كلما تابعنا “عُمان الثقافية” تكشَّفتْ لنا تلك الرُّؤية التي ستقودنا إلى جانب مهم في مقابل ذلك، وهي “متغيرات المجتمع”، التي تمثل هاجساً لمن ينشغل بالهُوية ومدى تأثيرها أو تأثرها بها، وهو جانب مهم تركز عليه ضمن سياق طرحها للهُوية، وهو طرح ذكي يقوم على الترميز والانفتاح أكثر من الحذر لصالح الهُوية من ناحية، والقدرة على المواءمة غير المباشرة بين طرفي المعادلة (الهُوية-المتغيرات) من ناحية أخرى.

أمَّا البُعد المتمثل في التعدُّد الثقافي الذي تتميز به السلطنة، فوجود إثنيات ثقافية متعددة من حيث اللغة والفكر والتراث، إضافة إلى تلك التعددية التي تميز مجتمع الساحل عن مجتمع الداخل أو مجتمع الجبل…أو غيرها من تلك التعدديات الثقافية، كل ذلك جعل “عُمان الثقافية” تشتغل عليه ضمن برامج متعددة، وأحيانا ضمن البرنامج الواحد؛ حيث سنجد ضيوف الحلقة من ثقافات متعددة من حيث الطرح أو اللهجة أو اللباس أو غير ذلك، ونعتقد أنَّه أساس مهم ومرتبط ارتباطا وثيقا بالهُوية؛ لهذا حبَّذا لو قامتْ عليه أفكار عدة في المستقبل بغية الاشتغال عليه ثقافيًّا، وتقديمه ضمن برامج ذات أبعاد معرفية وفكرية أكثر تخصصية.

ومنه، سننطلق إلى ركيزة ثالثة لا تقل أهمية عن الأولى والثانية؛ وهي: الثقافة في عصر التقنية.. ولعلنا في مقدمة هذا المقال تحدَّثنا عن تلك التحديات التي تُواجه الثقافة؛ ومن أهمها: “التقنية”، التي طورت كثيرا من مفهوم الثقافة، وربما لست أبالغ إذا قلت إنها -أي التقنية- أدلجت الثقافة ووجهتها نحو وجهة معينة تريدها؛ لهذا فإنَّنا سنجد أن “عُمان الثقافية” على جرأتها عندما أرادت أن تكون منارا للثقافة في عُمان، فإنها حاولت بحذر أن تطرق باب التقنية في برامجها التي غالبا ما تكون أفلاما وثائقية دون الولوج -بوصفها برامج- إلى عالم تلك التقنية، ونقصد هنا برامج ذات بُعد عُماني من حيث الثقافة “المحلية” وليست برامج عامة، ثم سنلاحظ أن “عُمان الثقافية” -بوصفها قناة تليفزيونية لها أهداف معرفية واضحة- لم تتأثر بتلك البرامج التي تعرضها وسائل التواصل الإلكتروني -بصرف النظر عن جودتها المعرفية والتقنية- على الرغم من أنَّ عرض بعضها قد يُخاطب فئات معينة من المجتمع؛ لهذا فقد أصرت أن تكون برامجها ذات أهداف فكرية عالية من حيث الطرح -سواء كانت برامج أو حفلات موسيقية أو مسرحيات…أو غير ذلك- ، وعندما نقول إنها “أهداف فكرية عالية”، نعني بذلك دون التنازل الذي قد نراه في مواقع الإنترنت أو التواصل الإلكتروني، وهذه من وجهة نظري ميزة تميَّزت بها “عُمان الثقافية”، على الرغم من أنها طرحت نفسها في مواقع التواصل بوصفها “علامة تجارية” جديدة تريد التسويق لنفسها وولوج عالم المجتمع كله دون تمييز.

بَقِي أن نتحدث عن علاقة “عُمان الثقافية” بالمثقف، أو العكس؛ فما نلاحظه أنها علاقة هادئة يسودها الصمت من الجانبين؛ كون الأولى تقدِّم ما خططت له ضمن أسس آمنت بها، وكون الأخير يتابع بصمت دونما تعليق يُذكر، على الرغم من الاحتفاء الكبير الذي قد نلمسه من المجتمع بشكل عام، وهو ما يكشف عن قبول عام يتأسَّس على تلك المرتكزات التي قامت عليها “عُمان الثقافية”؛ وبالتالي فإننا قد نستشف حاجة المجتمع عامة -والمثقف بشكل خاص- إلى تلك القناة المعرفية التي طالما انتظرها في ظل المتغيرات التي يعجُّ بها العالم.

إنَّ “عُمان الثقافية” -بوصفها ظاهرة تواصلية- تُمثِّل “سنن أيقونية” يمكن إرجاعها -ككل السنن الأيقونية- إلى بنية رقمية قائمة على فرضية التواصل بشكلها العام، التي تشتغل -كما يقول إيكو- على “إثبات أنطولوجي نهائي حول البنية الكلية للتواصل”؛ لهذا فإنَّ طريقة استيعابها للمخيال الثقافي الذي تتأسس عليه الثقافة في عُمان من ناحية، وطموحات تلك الثقافة وتحدياتها المستقبلية من ناحية أخرى، سيجعل ذلك التواصل يشتغل بوصفه سننا؛ لهذا سيكون على “عُمان الثقافية” بَرْهنة اشتغالاتها التواصلية، وإبراز ذلك على السطح؛ مُحاولة بذلك إثبات تواصليتها الثقافية.

وفي كتابه “الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي”، يذكر شاكر عبدالحميد أنَّ “المتخيل الثقافي هو الطريقة التي ترى من خلالها ثقافة ما العالم، وترى نفسها أيضا داخل هذا العالم”؛ فلا وجود لثقافة معزولة عن غيرها من ثقافات العالم من حولها، وإن كُنَّا قد تحدثنا عن التقنية وتحدياتها وعلاقتها بالثقافة، فإنها اليوم مؤثر أساسي في جعل الثقافات كلها في نظام فكري وحيوي متشابك ومتداخل؛ لهذا فإننا ونحن نتحدث عن “عُمان الثقافية” نجد أنفسنا مُلزمين بالحديث عنها في محاولة الإجابة عن السؤال: “كيف تجد نفسها في خضم ثقافة العالم الإقليمي أو العالمي؟”، وهي ثقافات متباينة تحمل هويات عدة ضمن الهوية الإقليمية أو الإثنية.

وعليه.. فإذا أرادت “عُمان الثقافية” أن تتأسس على “المتخيل الثقافي”، فعليها أن تشتغل على ربط -أو بالأحرى دمج- العُماني بالعربي، وبالعالمي؛ كونها تشتغل على مخيال فكري ثقافي عام له خصائصه ومميزاته، ويشتغل على أنساق لها امتدادات حضارية عربية أصيلة، وله توجهات أو وجهات ماضية وحاضرة نحو العالمية، وهو ما سيحقِّق هدفيْن مهميْن؛ أحدهما يتجلى في تأصيل الهُوية الثقافية المميزة في مقابل الهُويات الأخرى التي تتماس معها، وثانيهما يؤسس للتفرد على المستويين الإقليمي والعالمي في تقديم المثقف ودفعه نحو الرقي بمنتجه الثقافي، وتسويق ذلك المنتج إقليميًّا وعالميًّا كما يستحق.

إننا إذْ نفخر بـ”عُمان الثقافية”، وما تقدمه منذ تدشينها من برامج لها الأثر الكبير في دعم الثقافة في عُمان وتعزيز الفكر الحضاري الأصيل، فإننا نأمل أن يكون لهذه القناة علاقة وطيدة بالمثقف العُماني والعربي أينما كان، وأن يكون للطفل مكان بارز ضمن برامجها؛ لأنه أساس ثقافي مُهم إذا ما أردنا بناء ثقافة ذات أبعاد مستقبلية واعية في ظلِّ تلك التحديات والإشكالات التي تواجهها ثقافة الطفل بشكل خاص، والثقافة بشكل عام.

3,444 total views, 5 views today