ادريس‭ ‬هاني – كاتب‭ ‬وباحث


‭(‬1‭)

ألم‭ ‬يَكُن‭ ‬من‭ ‬المُفيد‭ ‬أيضًا‭ ‬مُقاربة‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الوضعاني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي،‭ ‬القراءة‭ ‬التي‭ ‬ظلّت‭ ‬مُستبعدة‭ ‬نظرًا‭ ‬لطبيعة‭ ‬الموقف‭ ‬الكونتي؛‭ ‬باعتباره‭ ‬موقفا‭ ‬صلبا‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬رومانسيًّا؟‭ ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬السوسيولوجي‭ -‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬أيضا‭ ‬أحد‭ ‬ضحايا‭ ‬الهندسة‭ ‬الاجتماعية‭- ‬لا‭ ‬بدَّ‭ ‬أن‭ ‬نحاول‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬الميل‭ ‬القوي‭ ‬لوضعنة‭ ‬العلم،‭ ‬والمضي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الهندسة‭ ‬لخريطة‭ ‬العلم،‭ ‬وهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬شروط‭ ‬الموضوعية‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬الكونتي‭.‬

ما‭ ‬أضافته‭ ‬الوضعية‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬بنيوية‭ ‬للعلم‭ ‬كان‭ ‬كافيا‭ ‬لإحكام‭ ‬هذا‭ ‬الاستغلاق‭ ‬الذي‭ ‬حوَّل‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬مُفتاحي‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬تعلمي‭ ‬قابل‭ ‬فقط‭ ‬للانتقال‭ ‬بواسطة‭ ‬أساليب‭ ‬التعلُّم‭ ‬والاستنساخ،‭ ‬لكنه‭ ‬عاجزٌ‭ ‬عن‭ ‬تدريب‭ ‬الذهن‭ ‬على‭ ‬الرؤية‭ ‬التجاوزية‭ ‬والانبثاق‭ ‬وحدس‭ ‬الهشاشة؛‭ ‬فالقطيعة‭ ‬والتجزيء‭ ‬والتعددية‭ ‬تحوَّلت‭ ‬من‭ ‬وضعية‭ ‬إجرائية‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬وضعي‭. ‬وكنا‭ ‬بصدد‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬العلم‭ ‬بوصفه‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬المنطلق‭ ‬والمقصد،‭ ‬وربطنا‭ ‬ذلك‭ ‬مرارا‭ ‬بدور‭ ‬الشجاعة،‭ ‬وعززناه‭ ‬بالرجولة‭ ‬الفلسفية‭ ‬تماما‭ ‬كالرجولة‭ ‬السياسية؛‭ ‬فالأزمة‭ ‬تقع‭ ‬هناك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الرِّهان‭. ‬ففي‭ ‬بيت‭ ‬متعهر‭ -‬كما‭ ‬وصفناه‭ ‬حقيقة‭ ‬ومجازا‭- ‬وأقصد‭ ‬به‭ ‬رضوخ‭ ‬أوجست‭ ‬كونت‭ ‬للتعددية‭ ‬والاضطراب‭ ‬الذهني‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬لتقطيع‭ ‬العلم‭ ‬وتفكيك‭ ‬جسوره،‭ ‬ومنح‭ ‬التعددية‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬ذي‭ ‬الوضعية‭ ‬التي‭ ‬آل‭ ‬إليها‭ ‬وضعه‭ ‬النفسي،‭ ‬وهو‭ ‬يقبل‭ ‬بالتعددية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬عليه‭ ‬زوجه‭ ‬العاهر‭ ‬التي‭ ‬آمنت‭ ‬بالتعدد‭ ‬وشاركته‭ ‬غيره‭.‬

عليكم‭ ‬أن‭ ‬تصبروا‭ ‬عليَّ‭ ‬قليلا‭ ‬لأحدث‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬ذكرا‭ ‬موصولا‭ ‬بمفهوم‭ ‬العلم‭ ‬وأيديولوجياته‭ ‬التي‭ ‬حولته‭ ‬لعلم‭ ‬داعِر‭ ‬قد‭ ‬يُصيب‭ ‬الإنسان‭ ‬إن‭ ‬أدمن‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬المزيف‭ ‬لطبيعته‭ ‬ووظيفته‭ ‬بداء‭ ‬الزهري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تشكو‭ ‬منه‭ ‬المعرفة‭ ‬المعاصرة؛‭ ‬معرفة‭ ‬تنزع‭ ‬لمحق‭ ‬الرجولة‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬l‭ ‬Émasculation de savoir،‭ ‬الشكل‭ ‬التعسفي‭ ‬لإخصاء‭ ‬المعرفة،‭ ‬أو‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬استمال‭ ‬العلم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أخرجه‭ ‬من‭ ‬إحراجات‭ ‬السؤال‭ ‬الفلسفي‭.‬

كُلكم‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بالمسار‭ ‬الحميمي‭ ‬لأوجست‭ ‬كونت،‭ ‬الذي‭ ‬اكتشف‭ ‬الحب‭ ‬المرضي‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الدعارة،‭ ‬بل‭ ‬وبات‭ ‬الحب‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬السيكسوباتولوجيا،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الجنسانية‭ ‬المشبعة‭ ‬بالوصولية‭ ‬والشهوانية‭ ‬الانحطاطية‭ ‬التي‭ ‬حنت‭ ‬باستمرار‭ ‬للرصيف،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬الوضعانية‭ ‬قابلًا‭ ‬بالخيانة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اتجاه،‭ ‬بدءًا‭ ‬بـ‭”‬بولين‭” ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أولى‭ ‬اكتشافاته،‭ ‬وهي‭ ‬مجرد‭ ‬زوجة‭ ‬خائنة،‭ ‬ثم‭ ‬كارولين‭ ‬العاهرة‭ ‬التي‭ ‬تعرَّف‭ ‬إليها‭ ‬كزبون‭ ‬في‭ ‬محلات‭ ‬الدعارة،‭ ‬وأخيرا‭ ‬كلوتيلد‭. ‬سيعترف‭ ‬أوجيست‭ ‬كونت‭ ‬لرفيقه‭ “‬فالات‭” ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يستشعر‭ ‬أيَّ‭ ‬إحساس‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬بوليت‭: ‬الزوجة‭ ‬الخائنة‭. ‬سيلتقِي‭ ‬أوجست‭ ‬كونت‭ ‬بكارولين،‭ ‬تزوجها‭ ‬لأنها‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تتخطى‭ ‬وضعها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأنها‭ ‬مسجلة‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬الأمن،‭ ‬ومُطَالَبة‭ ‬بالمثول‭ ‬كل‭ ‬نصف‭ ‬شهر‭ ‬للمراقبة‭ ‬الصحية،‭ ‬وهو‭ ‬تقليد‭ ‬إجباري‭ ‬تخضع‭ ‬له‭ “‬بائعات‭ ‬الهوى‭”‬،‭ ‬هذا‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬أوجيست‭ ‬كونت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬للدعم،‭ ‬وقد‭ ‬عادت‭ ‬كارولين‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬وكانت‭ ‬تمتهن‭ ‬الدعارة‭ ‬لتصرف‭ ‬عليه‭.‬

تزوَّج‭ ‬أوجيست‭ ‬كونت‭ ‬من‭ ‬كارولين،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬حضر‭ ‬البروفسور‭ ‬سيركلي‭ ‬العاشق‭ ‬السابق‭ ‬لكارولين‭ ‬كشاهد‭ ‬على‭ ‬زواج‭ ‬أ‭.‬كونت‭ ‬منها‭. ‬قُلت‭: ‬عادت‭ ‬كارولين‭ ‬لامتهان‭ ‬الدعارة‭ ‬نظرا‭ ‬لوضعية‭ ‬أوجيست‭ ‬كونت‭ ‬المادية‭ ‬المزرية‭. ‬كان‭ ‬لكارولين‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬التأملات‭ ‬الكونتية،‭ ‬ودورها‭ ‬كان‭ ‬كبيرا،‭ ‬وهذه‭ ‬أيضا‭ ‬إدانة‭ ‬لعصره‭. ‬واتفق‭ ‬أن‭ ‬اتربط‭ ‬أوجست‭ ‬كونت‭ ‬بأخت‭ ‬لطالب‭ ‬عنده‭ ‬هي‭ ‬كلوتيلدا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تخلَّى‭ ‬عنها‭ ‬زوجها‭ ‬الذي‭ ‬سرق‭ ‬الخزينة‭ ‬باعتباره‭ ‬موظفا‭ ‬في‭ ‬جباية‭ ‬الضرائب‭ ‬وهرب‭ ‬إلى‭ ‬بلجيكا،‭ ‬كانت‭ ‬تجربة‭ ‬عاطفية‭ ‬متينة،‭ ‬كانت‭ ‬كلوتيلد‭ ‬تعتبره‭ ‬دميما‭ -‬هكذا‭ ‬أسرَّت‭ ‬لأختها‭- ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تغيرت‭ ‬ملامحه‭ ‬وأصابه‭ ‬الوهن‭ ‬بسبب‭ ‬الجذري،‭ ‬فرفضت‭ ‬أن‭ ‬تُنجب‭ ‬منه‭ ‬ولدا‭ ‬لطالما‭ ‬تمنته،‭ ‬ولكن‭ ‬أوجسيت‭ ‬كونت‭ ‬ولع‭ ‬بها‭ ‬واعتبرها‭ ‬نبيلة‭ ‬وهي‭ ‬تواجه‭ ‬داء‭ ‬السل؛‭ ‬حيث‭ ‬قرر‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬أرذل‭ ‬العمر‭ -‬ويا‭ ‬للمفارقة‭- ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬كلوتيلد‭. ‬وهكذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬قديسة‭ ‬ألهمته‭ ‬الكثير،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬وقف‭ ‬على‭ ‬قبرها،‭ ‬وقال‭: “‬لقد‭ ‬ابتدأت‭ ‬الوضعية‭ ‬الدينية‭ ‬يوم‭ ‬16‭ ‬مايو‭ ‬1845،‭ ‬حينما‭ ‬تأتت‭ ‬لقلبي‭ ‬فجأة،‭ ‬أمام‭ ‬عائلتك‭ ‬المدهشة‭ ‬الحكمة‭ ‬المتميزة‭: ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬دائما،‭ ‬لكن‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نحب‭ ‬باستمرار‭”.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬ينسَ‭ ‬أوجيست‭ ‬كونت‭ ‬كارولين،‭ ‬كانت‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬ساقطة‭ ‬تراود‭ ‬ذاكرته،‭ ‬وكانت‭ ‬كارولين‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬قد‭ ‬تغيَّرت‭ ‬ملامحها‭ ‬نتيجة‭ ‬داء‭ ‬الجُذري‭ ‬القاسي‭. ‬أيُّ‭ ‬حياة‭ ‬مأساوية‭ ‬تلك‭: ‬زهري،‭ ‬جذري،‭ ‬سل،‭ ‬خيانة،‭ ‬عهر‭.. ‬هنا،‭ ‬وَجَب‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬أكسبته‭ ‬الفكرة‭ ‬الوضعانية‭ ‬نفسها،‭ ‬المنبثقة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التردي‭ ‬العاطفي‭ ‬ومن‭ ‬الخضوع‭ ‬للخيانة،‭ ‬أقرب‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬أن‭ ‬يُقال‭: ‬إن‭ ‬أوجست‭ ‬كونت‭ ‬كان‭ ‬ضحية‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبًا‭ ‬للسوسيولوجيا،‭ ‬وسيكون‭ ‬الأمر‭ ‬بالفعل‭ ‬مدعاةً‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬والتفكيك؛‭ ‬فالمؤسِّس‭ ‬الفعلي‭ ‬للسوسيولوجيا‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬وضع‭ ‬اجتماعي‭ ‬طبقي‭ ‬قاسٍ،‭ ‬ترك‭ ‬ندوبا‭ ‬على‭ ‬جسده‭ ‬مرئية،‭ ‬ولكن‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الندوب‭ ‬النفسية‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭ ‬التي‭ ‬سترافق‭ ‬أبا‭ ‬الوضعية‭ ‬في‭ ‬تأملاته،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالعلم‭.‬

ليس‭ ‬ما‭ ‬ذكرناه‭ ‬إلا‭ ‬مقدمة‭ ‬لشيء‭ ‬آخر‭ ‬أهم،‭ ‬يتعلق‭ ‬بالموضوعية،‭ ‬والتي‭ ‬بات‭ ‬لها‭ ‬شأن‭ ‬آخر‭ ‬مع‭ ‬توطيد‭ ‬النزعة‭ ‬الوضعية‭ ‬التي‭ ‬آلت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬العلموية‭ ‬المتطرفة‭. ‬المسألة‭ ‬تتعلَّق‭ ‬إذن‭ ‬برصد‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬التصدع‭ ‬النفسي‭ ‬على‭ ‬تصوُّر‭ ‬العلم‭ ‬والعالم‭ ‬والمعلوم،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مقاربة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وإنما‭ “‬تحليل‭ ‬نفسية‭” ‬للمعرفة،‭ ‬وهي‭ ‬مجرد‭ ‬مقدمة‭ ‬لأن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬رصد‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الموضوعية‭ ‬العلمية‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُصبح‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬العائق‭ ‬المعرفي‭.‬

‭(‬2‭)‬

الموضوعية‭ ‬والقطيعة‭ ‬والعقبة‭ ‬الإبستيمولوجية

يجب‭ ‬أنْ‭ ‬نَفْهَم‭ ‬العقبة‭ ‬الإبستيمولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يجعلها‭ ‬عقبة‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العلم،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬العلماء‭ ‬والعلم،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأنَّ‭ ‬المفارقة‭ ‬هنا‭ ‬تكمُن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬العلم‭ ‬بشروطه‭ ‬الراهنة‭ -‬وأحسب‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬قد‭ ‬اجتهد‭ ‬كامل‭ ‬الوسع‭ ‬لنقد‭ ‬بنية‭ ‬العلم‭ ‬وعقباته‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭- ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬ينتج‭ ‬عقباته،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أسميناه‭: ‬إنتاج‭ ‬العلم‭ ‬للجهل؛‭ ‬فحين‭ ‬نقع‭ ‬ضحية‭ ‬إحدى‭ ‬تلك‭ ‬العقبات،‭ ‬فلسنا‭ ‬واثقين‭ ‬أننا‭ ‬سنجتازها‭ ‬بنجاح؛‭ ‬فالجهل‭ ‬يحيط‭ ‬بالعلم‭ ‬بشروطه‭ ‬الراهنة،‭ ‬وحينئذ‭ ‬سندرك‭ ‬أن‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬نبَّه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العقبات،‭ ‬وأعطى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإشارات‭ ‬لتفادي‭ ‬الموقف،‭ ‬لكن‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬بشروطه‭ ‬الوضعية‭ ‬نفسها‭ ‬عقبة؟‭! ‬وماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الموضوعية‭ ‬في‭ ‬شروطها‭ ‬الصلبة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬عقبة؟‭! ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عدد‭ ‬وعديد‭ ‬العقبات؟‭ ‬وكيف‭ ‬أنتج‭ ‬التقطيع‭ ‬الكونتي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كبرى‭ ‬العقبات‭ ‬الإبستيمولوجية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الهروب‭ ‬المرضي‭ ‬من‭ ‬الوهم،‭ ‬ومحاولة‭ ‬اختراع‭ ‬أوهام‭ ‬جديدة‭ ‬لحجب‭ ‬أوهام‭ ‬قديمة؟‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬دعنا‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الموضوعية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬هل‭ ‬يا‭ ‬تُرى‭ ‬يكفي‭ ‬إعلان‭ ‬القطيعة‭ ‬ورسم‭ ‬المسافات‭ ‬لتحقيق‭ ‬الموضوعية؟

عن‭ ‬المسافة‭ ‬الموضوعية‭ ‬يتحدَّث‭ ‬العلم‭ ‬التعلمي،‭ ‬يُسلِّم‭ ‬بمفهوم‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬بعد،‭ ‬لكنه‭ ‬رائج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬التداولي،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬مفهوم‭ ‬ملتبس‭ ‬نظرا‭ ‬لما‭ ‬يفجره‭ ‬من‭ ‬تساؤلات‭ ‬في‭ ‬رأينا‭ ‬نصوغها‭ ‬كالتالي‭:‬

‭- ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬المسافة؟

‭- ‬ما‭ ‬مقدار‭ ‬المسافة؟

‭- ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬أولوية‭ ‬القرب‭ ‬أو‭ ‬البعد‭ ‬كمطلب‭ ‬موضوعي؟

بما‭ ‬أنَّ‭ ‬الموضوعية‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تطرح‭ ‬دون‭ ‬شروط‭ ‬وحدود‭ ‬وتصنيف؛‭ ‬فهي‭ ‬تبقى‭ ‬مطلقة،‭ ‬أو‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬الذي‭ ‬يُبرِّر‭ ‬به‭ ‬العلم‭ ‬التعلمي‭ ‬كل‭ ‬عمليات‭ ‬الإقصاء‭ ‬التي‭ ‬تُسهِّل‭ ‬عليه‭ ‬مهمة‭ ‬الإغلاق‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بنتائج‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬إنتاج‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬نعتبره‭ ‬عقبات‭ ‬إبستيمولوجيا‭ ‬مؤجلة‭.‬

ستظلُّ‭ ‬الذات‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬المسافة‭ ‬مع‭ ‬موضوعها،‭ ‬بل‭ ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬حدث‭ ‬تُدبره‭ ‬ذات‭ ‬لا‭ ‬ندري‭ ‬وفق‭ ‬أي‭ ‬مقولات‭ ‬خالصة‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬موضوعها‭. ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬قريب؟‭ ‬فالذات‭ ‬حاضرة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬النماذج‭ ‬وتطبيق‭ ‬المناهج‭ ‬وترجيح‭ ‬الزوايا‭ ‬دون‭ ‬مرجح‭ ‬مقنع‭ ‬للكل،‭ ‬ومقنع‭ ‬دائما،‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬موضوعي‭ -‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بوانكاري‭- ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مشتركا‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العقول،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬موضوعيًّا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مماثلا‭ ‬لدى‭ ‬الجميع،‭ ‬بل‭ ‬ينظر‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬كَوْن‭ ‬الموضوعية‭ ‬علاقة،‭ ‬وحاجة‭ ‬الموضوعية‭ ‬إلى‭ ‬خطاب،‭ ‬وهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬الأحاسيس‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬التباسها‭ ‬وغموضها،‭ ‬نحن‭ ‬إذن‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍّ‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬المعرفة‭ ‬لم‭ ‬تحسمه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الهروب‭ ‬والتقطيع،‭ ‬والغلق‭ ‬واستبدال‭ ‬عقبة‭ ‬معرفية‭ ‬بأخرى،‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬سيزيفية‭ ‬بامتياز‭.‬

وهنا،‭ ‬سأعود‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬وضعية‭ ‬أوجست‭ ‬كونت،‭ ‬وعلاقة‭ ‬المزاج‭ ‬بهذا‭ ‬الذي‭ ‬اعتبرناه‭ ‬دائما‭ ‬منجزا،‭ ‬منجزا‭ ‬يتطلب‭ ‬شروطا‭ ‬معينة‭ ‬يخضع‭ ‬لها‭ ‬العقل‭ ‬والعلم،‭ ‬وتحليل‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬التقطيعية‭ ‬الصلبة؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬فعلا‭ ‬تعويضيا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ثأرا‭ ‬سيكولوجيا‭ ‬له‭ ‬تجليات‭ ‬في‭ ‬كيف‭ ‬نفكر‭! ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬حدود‭ ‬نفكر‭! ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬أيَّ‭ ‬فعل‭ ‬تعويضي‭ ‬سيكون‭ ‬هنا‭ ‬صارما‭ ‬صرامة‭ ‬فكر‭ ‬كونت‭ ‬نفسه‭.‬

حضرتْ‭ ‬الهواجس‭ ‬الانحطاطية‭ ‬وحالة‭ ‬فقد‭ ‬الرجولة‭ ‬المعنوي،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بمشاركة‭ ‬زوجة‭ ‬ساقطة‭ ‬مع‭ ‬الغير،‭ ‬وكذا‭ ‬ما‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬ملتقى‭ ‬الزهري‭ ‬والجذري‭ ‬والسل‭ ‬والإرهاق‭ ‬والإحباط‭ ‬والوهن‭ ‬وخيبات‭ ‬الأمل،‭ ‬حضرت‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬رؤية‭ ‬للعالم‭ ‬والإنسان‭ ‬والمجتمع‭ ‬والعقل‭. ‬إنها‭ ‬أيضا‭ ‬مؤثرات‭ ‬سنفهمها‭ ‬أكثر‭ ‬لو‭ ‬قرأناها‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التأثير‭ ‬الليبيدنالي‭(‬libidinal‭) ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الإيروس‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬نظام‭ ‬العلم‭ ‬والعالم‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬من‭ ‬تشكَّلت‭ ‬ميوله‭ ‬المعرفية‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬تراجيديا‭ ‬المرض‭ ‬والسقوط‭ ‬العاطفي،‭ ‬سنقرؤه‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا،‭ ‬وهو‭ ‬مكمل‭ ‬لكل‭ ‬القراءات‭ ‬التفسيرية‭ ‬لفرويد؛‭ ‬سواء‭ ‬عند‭ ‬لاكان،‭ ‬أو‭ ‬إيريك‭ ‬فروم،‭ ‬أو‭ ‬بول‭ ‬ريكور،‭ ‬وهي‭ ‬تفِي‭ ‬بهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬نفعله‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬بالعقبة‭ ‬الليبيدينالية‭. ‬وحسنا‭ ‬أنه‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬العقبات‭ ‬المذكورة،‭ ‬وربما‭ ‬التي‭ ‬تتسلل‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العلم‭ ‬ولها‭ ‬أثر‭ ‬سلبي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نُسمِّيه‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ “‬الموضوعية‭”.‬

يميز‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬بين‭ ‬الشهية‭ ‬بوصفها‭ ‬ذات‭ ‬مفعول‭ ‬قاسٍ،‭ ‬وبين‭ ‬الشهوانية‭ ‬ذات‭ ‬المفعول‭ ‬القوي‭. ‬تبدو‭ ‬الشهية‭ ‬آنية‭ ‬ومحدودة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الشهوانية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭ ‬ومتجدِّدة‭. ‬ويؤكد‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬أن‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬التقليدي‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬بالمعرفة‭ ‬الموضوعية،‭ ‬ولم‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬بالانحطاط‭ ‬في‭ ‬تقويم‭ ‬الحياة‭ ‬الموضوعية‭ ‬والعقلانية‭ “‬التي‭ ‬تُعلن‭ ‬إفلاس‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬دون‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العلمي‭ ‬أبدا‭”. ‬لقد‭ ‬اعتبر‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العقبة‭ ‬الإبستيمولوجيا‭ ‬ومواجهتها‭ ‬سيجعلنا‭ ‬نرى‭ ‬أثر‭ ‬الشهوانية‭ ‬هنا،‭ ‬وهي‭ ‬شهوانية‭ -‬حسب‭ ‬باشلار‭- ‬تتميز‭ ‬بالمكر،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يلعبه‭ ‬الكبت‭ ‬من‭ ‬أثر‭. ‬إنها‭ ‬حالة‭ ‬ماكرة‭ ‬وصلبة‭ ‬وصامتة‭ ‬تقتضي‭ ‬جهدا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬تحليلها‭. ‬وسوف‭ ‬يخوض‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬للفكر،‭ ‬ورصد‭ ‬اللاوعي‭ ‬العلمي،‭ ‬عبر‭ ‬مُخطَّط‭ ‬يمتح‭ ‬نماذجه‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الكيميائية‭ ‬والفيزيائية‭ ‬والأدب،‭ ‬أي‭ ‬أننا‭ ‬مع‭ ‬تتبع‭ ‬لآثار‭ ‬الليبدو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الظواهر‭ ‬العلمية‭ ‬الصلبة‭. ‬نحن‭ ‬هُنا‭ ‬لسنا‭ ‬أمام‭ ‬فرويد‭ ‬المتهم‭ ‬بجنسنة‭ ‬الفكر‭ ‬والعالم،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬فيلسوف‭ ‬علم‭ ‬أدرك‭ ‬الأثر‭ ‬الجنسي‭ ‬فيما‭ ‬يُصار‭ ‬إليه‭ ‬داخل‭ ‬المختبر‭ ‬العلمي،‭ ‬نسمعه‭ ‬يقول‭: “‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬التفكير‭ ‬مطولا‭ ‬بسرٍّ‭ ‬أو‭ ‬لغزٍ‭ ‬أو‭ ‬مشروعٍ‭ ‬وهميٍّ،‭ ‬دون‭ ‬إضفاء‭ ‬الجنس‭ ‬بطريقة‭ ‬صماء‭ ‬نسبيا‭ ‬على‭ ‬مبدئه‭ ‬وفصوله‭”.‬

في‭ ‬الأمثلة‭ ‬التي‭ ‬ضربها‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬كيميائيًّا‭ -‬وسيميائيًّا‭ ‬أيضًا‭- ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التمييز‭ ‬الذي‭ ‬يسلكه‭ ‬العالم‭ ‬بمنطق‭ ‬جنساني‭ ‬يتجلَّى‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬الجنسي‭ ‬داخل‭ ‬العناصر‭ ‬والمعادن‭ ‬والتعبيرات؛‭ ‬فالليبدو‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬واضحة‭ ‬بل‭ ‬يمكنه‭ “‬استبطان‭ ‬قوى‭ ‬غامضة‭ ‬نسبيا‭”.‬

ويُشير‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬الحديث‭ ‬وهو‭ ‬يزهو‭ ‬بأنه‭ ‬انتصر‭ ‬على‭ ‬العواطف‭ ‬والرموز،‭ ‬وبات‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬الأشياء،‭ ‬ففي‭ ‬نظره‭ ‬أنَّ‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬كذلك،‭ ‬فما‭ ‬يجري‭ ‬هناك‭ -‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بعقل‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل،‭ ‬أو‭ ‬خبرة‭ ‬ما،‭ ‬فلا‭ ‬مجال‭ ‬للاستغراب‭ ‬إن‭ ‬وجدنا‭ ‬أفكارا‭ ‬جنسية‭. ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬الأمثلة‭ ‬التي‭ ‬ساقها‭ ‬غ‭.‬باشلار‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتعلَّق‭ ‬بتفاعل‭ ‬الآسيد‭ ‬مع‭ ‬القاعدة،‭ ‬وكيف‭ ‬منح‭ ‬الآسيد‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التفاعل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬التعبيرات‭ ‬والإنشاءات‭ ‬الكيميائية‭ ‬دورا‭ ‬ذكوريا‭ ‬مقابل‭ ‬الدور‭ ‬الأنوثي‭ ‬للقاعدة‭: “‬وحين‭ ‬نتوغَّل‭ ‬قليلا‭ ‬في‭ ‬اللاوعي،‭ ‬لا‭ ‬نتأخر‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬مؤنثة‭ ‬والحامض‭ ‬مذكر‭”.‬

ثمَّة‭ ‬أمثلة‭ ‬كثيرة‭ ‬ومقنعة،‭ ‬ولكن‭ ‬الغرض‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬تحقيق‭ ‬الرغبة‭ ‬الباشلارية‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬للمعرفة‭ ‬الموضوعية‭ ‬كما‭ ‬يُسمِّيها،‭ ‬وبأنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬المشاعر‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الليبيدو،‭ ‬وفحص‭ ‬إرادة‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الشهوانية‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬والحيوانات،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬باشلار‭ ‬دائما‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التعويض‭ ‬والتحريف‭ ‬لإرادة‭ ‬القوة؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬إرادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬البشر‭.‬

إنَّها‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القهر،‭ ‬والندوب،‭ ‬والتعويضات،‭ ‬والسُّعار‭ ‬الليبيدي‭ ‬والهوس‭ ‬والهذيان،‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬فصل‭ ‬تعسُّفي‭ ‬بين‭ ‬العلوم،‭ ‬بين‭ ‬أحكام‭ ‬قيمة‭ ‬مسبقة،‭ ‬أمام‭ ‬انزياح‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬العلم،‭ ‬ومحاولة‭ ‬حرفنته‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬ورش‭ ‬مغلق‭ ‬كئيب،‭ ‬وإصابة‭ ‬العلم‭ ‬بداء‭ ‬السل‭ ‬وهواجس‭ ‬ذات‭ ‬تعاني‭ ‬الخصاء‭ ‬السيكولوجي،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬خصاء‭ ‬العلوم،‭ ‬واستبعاد‭ ‬الفلسفة‭ ‬بدعوى‭ ‬القطيعة‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬أسئلتها‭ ‬وإحراجاتها‭ ‬وتحليل‭ ‬الخطاب‭ ‬العلمي‭. ‬فخلف‭ ‬هذا‭ ‬الشرخ‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬استنزف‭ ‬العقل‭ ‬الحديث‭ ‬ولوث‭ ‬البيئة‭ ‬العقلية‭ ‬وحاصرها‭ ‬بالعقبات،‭ ‬ولا‭ ‬يُحْسِن‭ ‬إلا‭ ‬استبدال‭ ‬عقبة‭ ‬بأخرى،‭ ‬ارتهان‭ ‬لهواجس‭ ‬سيكولوجية‭ ‬تُهَيمِن‭ ‬على‭ ‬الهندسة‭ ‬المعرفية،‭ ‬يُسَاعِد‭ ‬العلم‭ ‬التعلمي‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأعراض،‭ ‬ويصبح‭ ‬العلم‭ ‬نفسه‭ -‬بهذه‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭- ‬علما‭ ‬مخصيا‭ ‬أو‭ ‬علما‭ ‬مسلولا‭ -‬نسبة‭ ‬لداء‭ ‬السل‭- ‬عقبة‭ ‬كؤود‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬المعرفة،‭ ‬ونرتهن‭ ‬للميول‭ ‬الخفية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬العلم‭ ‬والعالم؛‭ ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬انزياح‭ ‬أصاب‭ ‬العلم‭ ‬قد‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬تعويضي‭ ‬لحياة‭ ‬خاصة‭. ‬ويبقى‭ ‬تقسيم‭ ‬العلم،‭ ‬وإيجاد‭ ‬شرح‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬تخومه،‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬خصاء‭ ‬في‭ ‬منبت‭ ‬خبرة‭ ‬عاطفية‭ ‬ساقطة‭. ‬لقد‭ ‬أعاننا‭ ‬نيتشه‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬أصنام‭ ‬الفلسفة،‭ ‬كما‭ ‬أعاننا‭ ‬فيرآبند‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬صنم‭ ‬العلم‭ ‬وديكتاتورية‭ ‬المنهج؛‭ ‬فالقضية‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬العلم‭ ‬تقتضي‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬الرجولة‭ -‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التذكير‭ ‬به‭: ‬الفروسية‭- ‬فالفلسفة‭ ‬كالعلم‭ ‬تقتضي‭ ‬الفرسان‭ ‬وترفض‭ ‬الخصاء‭.‬

هذا‭ ‬باختصار‭.. ‬ما‭ ‬عنيتُ‭ ‬به‭ ‬أنَّ‭ ‬الوضعانية‭ ‬هي‭ ‬الشكل‭ ‬المرضي‭ ‬في‭ ‬تصوُّر‭ ‬العلم،‭ ‬وهي‭ ‬تنتهي‭ ‬بالتطرُّف‭ ‬والحصر‭ ‬ورسم‭ ‬المسافات،‭ ‬ووضع‭ ‬عقبة‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬المعرفة‭. ‬أعود‭ ‬وأقول‭: ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬لِمَ‭ ‬اقتضتْ‭ ‬الموضوعية‭ ‬الشرخ‭ ‬بدل‭ ‬الالتئام؟