د. حميد الحجري

يحفلُ التراثُ الإسلامي -شأنه شأن التراث المسيحي…وغيرهما من التراثات الدينية- بالعديد من الوقائع التي يرفض فيها علماء الدين الحقائق العلمية؛ استنادا إلى عقائدهم الدينية: تلك التي تنبع مُباشرة من النصوص الدينية المقدسة، أو تلك التي نشأت عن شروحاتها وتفسيراتها في ظلِّ ظروف حضارية وفكرية تنتمي إلى عصور سابقة. ويبدو من مُعطيات تحليل الخطاب الديني أنَّ الفصل الدقيق -بين العقائد النابعة من النص المقدس مباشرة، وتلك النابعة من تفسيراته وشروحه- غير حاضر في كثير من المنظومات الفكرية الدينية المعاصرة والقديمة؛بسبب الخلط الكبير بين ما يبوح به النص من دلالات تتخللها الكثير من الفراغات والثغرات، وبين الفهومات التي تسعى إلى سد تلك الثغرات فتضيف إلى النص -من ثقافة أصحابها وظروفهم السياسية والاجتماعية- ما لا ينطق به صراحة. وهذه مسألة تجعل العلاقة بين العلم والدين أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وتتصل بها مسألة أخرى تُسهم في تعقيد هذه العلاقة، وتتمثل في: التصادم بين قراءة النص المقدس قراءة كلية تجعله ذا دلالات قارَّةٍ نسبيًّا، وقراءته قراءة جزئية تمنحه مرونة كبيرة، وتجعله مطواعًا في يد الشارح أو المفسِّر بما يخدم تصوراته وقناعاته التي ينطلق منها.

ولعلَّ آخر ما يمكن إيراده في ملف التعارض بين الدين والعلم: تسجيل الفيديو الذي تداولته وسائل الإعلام العالمي والعربي، ويظهر فيه داعية سعودي يُنكر دوران الأرض.. مستندًا -في الأساس- إلى حجج نقلية، يدعمها بحجج عقلية، ربما تكون مقبولة لو أنها صدرت من طالب في المرحلة الإعدادية على شكل استفسارات يطرحها على أستاذه؛ ليخلص من خلال الإجابة عنها إلى فهم أعمق لحقيقة دوران الأرض حول نفسها أوَّلاً، وحول الشمس ثانيًا. ومثل هذه المواقف التي تبرُز بين الفينة والأخرى والتي تتَّسِم بالتعارض بين الدين والعلم لا تقتصر على المذهب السلفي الذي ينتمي إليه الداعية السعودي، وإنما تشمل مختلف المذاهب الإسلامية.

لا نسعى في هذا المقال إلى استعراض تاريخ العلاقة المتوترة بين الدين والعلم في التراث الإسلامي، أو في غيره من التراثات الدينية، وإنما نتوخَّى الإجابة عن سؤال محدد؛ هو: إذا تعارضت الحقائق العلمية مع الحقائق  الدينية -على نحو واضح وصريح- فأيُّها أولى بالتَّقدمة؟

في إطار الحقيقة الدينية، يفرِّق علماء أصول الفقه في التراث الإسلامي بين العقيدة والتشريع، ويذهبون إلى أن العقيدة تدخل في باب الحقائق القطعية التي لا يتسلَّل إليها الشكُّ مطلقًا. أما التشريع، ففيه ما يدخل في القطعيَّات، وفيه ما يدخل في الظنيَّات.

قد يتساهل علماء الدين مع الحقائق العلمية التي تعارض الحقائق الدينية الظنية: أي تلك المتَّصلة بالتشريعات المبنيَّة على نصوص من السنة النبوية غير قطعية الثبوث أو على نصوص من القرآن غير قطعية الدلالة، ولكنَّهم حتمًا يرفضون الحقائق العلمية التي تصادم الحقائق الدينية القطعية؛ أي تلك المتصلة بالعقائد بالدرجة الأولى، أو تلك المتصلة بالتشريعات المبنيَّة على نصوص قطعية الدلالة من القرآن أو نصوص من السنة النبوية قطعية الدلالة والثبوت. وتتفاوت حدَّة الرفض من عالم إلى آخر، ومن سياق إلى آخر، بحسب الظروف السياسية، وبحسب طبيعة الأنظمة الحاكمة، وبحسب موازين القوى الاجتماعية.

في هذا المقال -بصراحة ودون مواربة- ندعو إلى تغليب الحقائق العلمية، وإعطائها الأولوية؛لأسباب عديدة يتصل بعضها بتاريخ الصراع بين العلم والدين، ويتصل بعضها الآخر بطبيعة الحقائق الدينية، ونوجزها في الآتي:

– تاريخيًّا، وعلى امتداد أكثر من خمسة قرون، تمكَّن العلم التجريبي من تقديم تفسير للطبيعة والكون يفوق تلك التي قَدَّمَتها الأديان؛ ممَّا سمح له بتطوير حياة الإنسان تطويرًا ملحوظًا مَثَّل طفرة معرفية وتقنية في مختلف المجالات: الفلك، والطب، والتكنولوجيا، ووسائل النقل…وغيرها. وبعد أن كانت الأمراض -على سبيل المثال- تُفَسَّر بأسباب غيبية، وتعالَج باستخدام الرُّقَى والتعويذات، تكشَّفت طبيعتها -بفضل العلم- وعُرِفَتْ أسبابها، وهي أسباب طبيعية متعلقة بجسم الإنسان أو البيئة المحيطة به، ويمكن علاجها بكفاءة عالية بأدوية مشتقة من الطبيعة نفسها.

وفي جميع المواجهات التي وقعت بين العلم والدين، تمكَّن العلم من الخروج منتصرًا، مع أن موازين القوى السياسية والاجتماعية لم تكن في صالحه. والسبب المباشر الوحيد هو نشدانه الحقيقة وفق معايير موضوعية، عن طريق إخضاع نظرياته وفرضياته لأدوات الفحص التجريبي؛ ممَّا أتاح له إمكانيَّة تعديل المسار، وتصحيح الأخطاء، وجعل المعرفة تراكمية يستفيد اللاحق فيها من السابق. وتمثِّل هذه السمةُ فارقًا جوهريًّا بين العلم والدين؛ فالحقائق العلمية نسبيَّة ظنيَّة متغيِّرة، قابلة للتصحيح والتطوير بمقدار ما يتوفَّر من معطيات جديدة، بخلاف الحقائق الدينية، فهي -في معظمها- مطلقة قطعية ثابتة، غير قابلة للتغيير، وهو ما أفضى إلى منظومات فكرية جامدة، غير ديناميكية، عاجزة عن تطوير فهم فاعل للطبيعة والكون، وحَكَمَ عليها بالتخلُّف في ميادين كثيرة.

معظم الاكتشافات الحديثة، والعديد من الاختراعات، واجهتها الأديان -أو بالأحرى القائمون عليها- بالرفض في البدء، وكان الرفض عنيفًا ودمويًّا في بعض الحالات، ولكنها في النهاية رضخت لها، وانتقلت من مرحلة العداء تجاهها إلى مرحلة استثمارها والإفادة منها، دون أن ينتج عن ذلك -وهنا أساس المشكلة- تغيير في مناهج التفكير الديني؛ فقد ظلَّت هذه المناهج على حالها، تؤمن بالحقائق المطلقة، وتتبنَّاها خيارًا وجوديًّا غير قابل للتراجع عنه، وإن كانت بعض المعلومات الحديثة قد وجدت طريقها إلى منظومات الفكر الديني، فَأُسْبِغَ عليها الرضا والقبول بعد أن كانت توصَمُ بالكفر والهرطقة.

صحيحٌ أنَّ العلم التجريبي انتصر، وتمكَّن من فرض مساره وطريقة تفكيره في فهم الطبيعة والتعامل مع ظواهرها، إلا أنَّ التفكير الديني عَمِلَ على إبطاء حركة العلم، وتأخير إنجازاته، وما زال إلى اليوم يمارس هذا الدور السلبي. هذا في الغرب. أما في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، فقد تمكَّن الفقهاء من وَأْدِ بوادر العلم التجريبي، وخَنْقِها في المهد، وهو ممَّا أسهم بشكل كبير في خروج الحضارة العربية الإسلامية من حلبة التنافس الحضاري مبكرًا.

ومن زاويةٍ أخرى -مُتصلةٍ بعلم الدلالة هذه المرة- الحقائقُ الدينيَّةُ -عقائدَ وتشريعاتٍ- مشتقةٌ من النصوص الدينية المقدَّسة، وهي نصوص لغوية، واللغة -كما تكشف الدراسات الدلالية الحديثة- ليست وسيطًا أمينًا في نقل المعرفة؛ فما يشوبها من ثغرات دلالية يجعلها عاجزة عن تحقيق هدف الإبلاغ الصافي. فضلاً عن ذلك، صيغت النصوص المقدَّسة بلغة مجازيَّةٍ أدبيَّةٍ مكثَّفة، ممتلئةٍ بالفراغات الدلاليَّة، وهو ما يجعلها مسرحًا لتأويلات وتفسيرات غير قابلة للحصر. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن بلوغ الحقيقة الدينية بلوغًا نهائيًّا غير متاح، وحسبنا دليلاً على ذلك الصراعات الفكرية العنيفة التي نشأت بين المذاهب المختلفة في تفسيراتها للنصوص المقدسة؛فلو كانت هذه النصوص واضحة -كما يزعم أتباعها- لما وقع فيها كل هذا الخلاف على امتداد التاريخ.

ومن ناحية عملية، الحقائقُ العلميَّةُ لا تنفي غيرها من الحقائق العرفانية والروحية، وهي قادرة على التعايش معها، بينما الحقائق الدينية ذات الطابع القطعي إقصائية بشهادة التاريخ؛ فالأديان ترفض مناهج التفكير غير الدينية رفضًا صريحًا، ثم إنَّ كلَّ دينٍ يرفض غيره من الأديان، ثم إنَّ كل مذهب داخل كل دين يرفض غيره من المذاهب، وهكذا -بحكم المماهاة بين القناعات الشخصية والحقائق المطلقة- تنقسم الأديان على نفسها انقساماتٍ مستمرةً بطريقة تجعل الصراع نتيجة حتمية للاختلافات الفكرية، وهو ليس صراعًا فكريًّا فحسب، وإنما صراعٌ يجد طريقه بسرعة هائلة إلى أرض الواقع، فيعمل على تحطيم المجتمعات، وتمزيق أواصرها.

ختامًا.. وربَّما على نحو غير مُتوقَّع، يتوافق المنهج الذي نتبنَّاه وندعو إليه، والقاضي بتغليب الحقائق العلمية وإعطائها الأولوية -ليس لأنها صحيحةٌ دائمًا، ولكن لأنها قادرةٌ على نقدِ ذاتها بذاتها وتصحيحِ مسارها باستمرار، مع منهجٍ فكريٍّ طرحه تيار العقلانية في التراث الإسلامي، ونقصد به مذهب المعتزلة. خلاصة هذا المنهج بعبارتهم الكلامية: “تقديم العقل على النقل”. إنَّ الفكرةَ التي تتأسَّس عليها هذه المقولة بسيطةٌ، ولكنها قويَّة، ومفادها أن النقل -حتى في التصوُّرات الدينيَّة الكلاسيكيَّة- لا يمكن أن يحظى بالشرعية ما لم يصادق العقل على صحته: أي صحة نسبته إلى المصدر الأول متمثلاً في الله، وبناءً على هذه الفكرة تتفاضل النصوص المقدَّسة فيما بينها؛ فيذهب المسلم إلى أنَّ الدلائل العقلية على صحة القرآن أقوى من الدلائل العقلية على صحة الإنجيل، ويذهب المسيحي إلى خلاف ذلك، ويخوضان مناظرات حامية الوطيس فيما بينهما ذات طابع عقلي، ممَّا يؤكِّد أن كلا الطرفين يسلِّم -ضمنيًّا- بأنَّ العقل هو الحَكَمُ الذي ينبغي اللجوء إليه لفضِّ النزاع، وهو ما يجعل العقل في مرتبة أعلى من النقل. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يَصِحُّ تقديم الأدنى مرتبةً على الأعلى مرتبةً إذا تصادما. وإذا كان العلمُ التجريبيُّ الحديث شكلاً من أشكال النتاج العقلي المستقل، فإنَّ تقديمَ حقائقه، وتغليبَ تصوراته، في إدارة دفَّة الحياة والمجتمع، إنما هو شكلٌ من أشكال تقديم العقل على النقل.

3,610 total views, 2 views today