ريان الزعابيَّة

فِي الآوِنَة الأخِيْرَة، ارتفعتْ مُعدَّلات قَضَايا الاغتصاب في المجتمع؛ حتى أَصْبَحت المحاكم تضجُّ بمثل هذه القضايا؛ حيث باتَ بعضُ الناس كالوحوش، لا يعرفون معنى الرحمة أو الوازع الديني، بل جُل ما يفكرون به هي قضاء حوائجهم بطُرق مُلتوية وغير شرعية.. وفي كثير من الدول، تتعرَّض الفتيات للتحرُّش والمضايقات من الطرف المقابل، ودون أي سبب واضح لتلك الأفعال المشينة؛ فما إنْ تتعرض الفتاة للاغتصاب تُصيبها عِدَّة صَدَمات نفسية حادة، ومن آثار تلك الصَّدمات أنَّ الفتاة تجد صعوبة في العودة لممارسة حياتها اليومية بشكل طبيعي، وتستحوذ أفكار الانتحار على حيز كبير من تفكيرها، وقد يصلُ الأمرُ إلى أنْ تشوِّه جسمها بأدوات حادة!!.. وأما على الصعيد الاجتماعي؛ فالفتاة المغتَصَبة دوماً ما تتجنَّب الاحتكاك مع الآخرين؛ من خلال التواصل معهم، أو إقامة صَدَاقات جديدة في المجتمع؛ فنرى أنَّ الخوف والقلق يطغيان على ملامحها؛ فلا تشعر بالأمان والاستقرار بتاتاً. فدائماً ما تُصاب بالعزلة والشؤم؛ كونها أنثى، رغم أنها ليس لها ذنب في الأمر. من المُمكن أن تتحسَّن حالة الفتاة المغتَصَبة مع مرور الزمن، ولكن الأصعب من ذلك هو أنْ تكتشفَ الفتاة أنَّ رَحِمَها يحمل جنيناً من المجني عليها. وللأسف، الكثيرُ من الفتيات حول العالم حملن بعد أن تمَّ اغتصابهن.

لنُسلِّط الضَّوءَ عَلى هذه القضية، من بعد وقوع الحادثة حينما تحمل الفتاة بطفلها، عادةً ما تدخل في صَدْمة شديدة مع الخوف الدائم من مصيرها ومصير طفلها المجهول؛ فما إنْ تقع أعين الناس عليها حتى تفترسها ألسنتهم، وتعيبها نظراتهم، دُوْن أن يتفهم المجتمع أنَّ تلك الفتاة هي ضحية لواقعة حدثت ولا أكثر! فيبدأ المجتمع بتوجيه أصابع الاتهام إليها، والتبرؤ منها ومن جنينها مع الطعن بشرفها؛ فأغلى ما تملكه الفتاة هو الشرف الذي يصونها. فما إنْ تطعن الفتاة في شرفها حتى تَلْعَن اليوم الذي وُلدت فيه، فتدخل في دوامة من المآسي والمصاعب، ولا تجد من يمنحها الأمان. بعدما تضع مولودها من غير أب، تتعامل المجتمعات مع وليدها على أنه عارٌ ووبالٌ عليهم، فلا يرحمونه أبداً، بل هم على استعداد لأن يتخلوا عن أخلاقهم ومبادئهم مقابل أذيته!

فِي حِيْنِها، تنعكسُ تصرُّفات المجتمع على نفسية الطفل وأمه؛ فيشعران بأنهم “نَكِرة”؛ فلا مدافع عن حقهم من بين بني البشر، ويدخلان في حالة من الاكتئاب والاضطرابات. يقارن الطفل بغيره من الأطفال، إضافة إلى التقليل من شأنه ووصفه بأوصاف مخلة للأدب، فيكون تحت المجهر، ودوماً يعد الطفل كبش فداء في كل واقعة تقع. الطفل الذي يفتح عينيه على هذه الدنيا ويعاني بمثل تلك المعاناة، غالباً ما يُصاب بانفصام الشخصية؛ لأنه لا يجد منفذاً للتأقلم مع أبناء مجتمعه.

وَلَابُدَّ أنْ نُشير هنا إلى نقطة مهمة، وهي أنَّ -في بعض الدول- حتى القانون لا يحمي الأم والطفل؛ فلا يسجل الطفل باسم أبيه، فيعد الطفل مجهولَ النسب، حتى في حسابات الدولة؛ مما يؤدي لفقدان حقوقه من التعليم، والصحة، والأنشطة العامة…وغيرها من الأمور المهمة؛ فالطفل يعتبر غير شرعي، ولا يشرع له القانون أيَّ حق كباقي أفراد المجتمع. وما إنْ يفقد الفرد حقوقه كإنسان حتى يصبح بلا قيمة في المجتمع، فلا يستطيع أن يبدع ويتميز لكونه محاصراً من كل جانب، فيعد عالةً على الناس والمجتمع.

مِنَ المُهمِّ أنْ يتفهم المجتمع حالة الأم ووليدها؛ لأن المغتصبة عادة لا تكون راضية عمَّا وقع عليها، فما حدث لها هو خارج عن إرادتها وسيطرتها؛ فهذا يعني أنْ لا ذنب لها في الواقع. فبالرغم من أنها تمر بكل تلك المصاعب والمشكلات فإنها لا تجد من يعينها ويقف بجانبها، فإذا حاول المجتمع تخفيف الأمر عليها واحتواءها وطفلها لما قاست أكثر. فبدلاً من استصغارها ووليدها، على المجتمع أن يدخلهما في نشاطات مختلفة، ويجعل منهما أعضاء نشيطين ومثمرين في المجتمع، ولا يصنعون منهما أناسا تتمنى الموت ألف مرة في اليوم. ولا نُنكر أنَّ للمجتمع دورا كبيرا في التخفيف عنهما؛ فما إنْ يعطيهما المجتمع الأمان سينتجان أكثر؛ فدائماً هناك علاقة متكاملة بين الطرفين.

أمَّا القَانُون، فَيَجب أن يحمي هؤلاء المساكين الذين لا ذنب لهم بكفالة جميع حقوقهم؛ حتى لا يستطيع أحد التعرض لهم؛ فيكون للطفل حق التعليم، وحق في الصحة، والعيش بسلام واستقرار تحت ظل القانون، وأيضاً حق الحرية. خصوصاً وأننا نعيش في زمان سُلبت فيه الرحمة من قلوب البشر فتكاثرت الذئاب، فإذا لم يَحْمِهم القانون سَيُستَغلون من قبل الناس، كما سيصبحون عُرضة لكل من هبَّ ودب، فلا قانون يحميهم، ولا أحد يقف بجانبهم ليوصل صوتهم للجهات المعنية. في بعض الدول العربية والغربية، يجبر القانون المغتصِب على الزواج من الفتاة؛ لإسكات فَمِ المجتمع، لكن من وجهة نظري أن مثل هذه القوانين هي جريمة بحد ذاتها، واعتداء على حقِّ المرأة؛ لأنَّ المغتصِب يُعْفَى من العقوبة في حال زواجه من المجني عليها.

وَقَد يَتَسَاءل البعض عن الحلول المناسبة لمثل هذه الحوادث؛ فأقول: من المهم أن تنشئ الدول مؤسسات لحماية الأطفال الذين ولدوا من حوادث الاغتصاب؛ لتنمية مواهبهم، ومساعدتهم في تقوية ذواتهم؛ حتى يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم، وإبعادهم من عيون من يترصد بهم، ومنحهم شعور الأمن والاستقرار. ومن الضروري أن يتفهم العاملون في تلك المؤسسات احتياجات الأطفال وتفهم ظروفهم وظروف والداتهم؛ فهم جاءوا إلى هذه الدنيا بلا ذنب.. ومن الممكن أن تتكفل الدولة بإنشاء تلك المؤسسات، أو تتكفل بإنشائها القطاعات الخاصة.

وَلنتذكَّر دَائماً أنْ نتعامل مع غيرنا بإنسانية، كما كان الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- يتعامل مع غيره بإحسان ورحمة. وأذكِّركم وأذكِّر نفسي بقول خير الأنام: “مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم”. لنتكاتَف جميعاً يدًّا بيد؛ للحد من هذه القضايا، حتى نمد جسوراً من السلام والاستقرار في المنطقة.

358 total views, 2 views today